الولادات السورية في لبنان

مخاوف من نشوء جيل سوري كامل «مكتوم القيد»
ميشال عون أمام أعضاء السلك الدبلوماسي ومديري المنظمات الدولية: « لبنان حملت ولا تزال أثقل الأعباء من تداعيات حروب الجوار وتدفق اللاجئين السوريين».
* اللجوء السوري... لبنان أمام أزمتين: أزمة «توطين» وأزمة «مكتومي القيد»
* 70 % من الأطفال السوريين المولودين في لبنان لا يحملون وثائق ولادة
 * 130 ألف ولادة سورية في لبنان مسجلة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين
* أقر مجلس الوزراء اللبناني في 8 فبراير 2018 تسجيل أي مولود سوري في لبنان حتى وإن تخطّى عمره السنة، في دائرة الأجانب

بيروت: واقعٌ مريرٌ وهواجس مستقبلية خلفتها أزمة النزوح السوري في لبنان، تلك الأزمة والعبء الثقيل الذي فرضته الأعداد الكبيرة من اللاجئين السوريين الذين يقدر عددهم بمليون ونصف المليون شخص، ناهيك بتداعيات هذا اللجوء والاهتراء الذي يسببه على المستويين الاجتماعي والاقتصادي منذ عام 2011 حتى اليوم. هذا الواقع يشمل اللاجئين السوريين أيضا الذين يعانون الأمرين في البلاد المستضيفة بعد قساوة الحرب السورية. حيث يواجه اللاجئ السوري أسوأ جرائم العهد الحديث بفعل ويلات الحرب التي دفعته للهروب أحيانا في زوارق الموت عدا عن أن معاناة هؤلاء اللاجئين لا تقتصر على الفقر والعوز وغياب الرعاية الصحية والاجتماعية بل إنهم يفتقدون إلى نظام الحماية الدولية وما يواجهونه في التعامل القانوني كوثائق السفر وتسجيل الزواج والمواليد الجدد، إذ جرى التعامل معهم من منطلق المخاوف الديموغرافية وهواجس دولية أخرى.
فيما أيقظت أزمة اللاجئين السوريين هاجس «التوطين» في لبنان ومخاوف من تجنيسهم، وهو ما أعاد رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون التأكيد عليه يوم الأربعاء أمام أعضاء السلك الدبلوماسي ومديري المنظمات الدولية بالقول: «إن بلاده حملت ولا تزال أثقل الأعباء من تداعيات حروب الجوار وتدفق اللاجئين السوريين»، مشيرا إلى أن «موقف المجتمع الدولي غامض ومشبوه حيال عودتهم». إلا أن أزمة مستقبلية أخرى أخذت تلوح في الأفق سوف تواجه اللبنانيين والسوريين على السواء وهي أزمة «مكتومي القيد».


 
أزمة «مكتومي القيد»
لا شك أن الأزمة السورية فرضت تحديًا كبيرًا على مستوى الجنسية للأطفال المولودين في دول اللجوء، خصوصا أنه لا مؤشرات تفيد بقرب انتهاء الحرب في سوريا ما يشير إلى تزايد أعداد الأشخاص المهددين بانعدام الجنسية عالميًا مع استمرار تفاقم الأزمة.
وفي لبنان، 70 في المائة من الأطفال السوريين المولودين في لبنان لا يحملون وثائق ولادة، حيث يقدر عدد الولادات الحاصلة في لبنان للاجئين السوريين والمسجلة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، منذ عام 2011 لغاية 2018 بنحو 130 ألفًا، في حين تشير أرقام الحكومة اللبنانية إلى أن هناك 260 ألف ولادة سورية في لبنان وليس لديهم جنسية أي دولة، حتى إنهم لا يمتلكون جنسية بلادهم. ويواجه هؤلاء الأطفال جراء ذلك خطر التعرض لانعدام الجنسية، فسيكون من الصعب عليهم إثبات مكان ولادتهم وهوية أهلهم وتاليًا تابعيتهم السورية فيما بعد، ما لم تُعتمد إجراءات استثنائية خاصة من قبل الدولة اللبنانية والسورية بهذا الصدد.
مصادر متابعة لهذا الملف أشارت في حديث لمجلة «المجلة» أن لا أرقام دقيقة حول أعداد الولادات السورية في لبنان حتى الرسمية منها، إذ من الصعب تحديد أرقام الولادات غير المسجلة، إلا أن المصادر نفسها لفتت إلى أن «التقديرات تفيد بأن ثمة خمسين ألف مولود سوري في لبنان كل سنة منذ عام 2015، ناهيك عن 25 ألف مولود قبل هذه الفترة».
ورأت المصادر أن «أمام هذه الأرقام يمكن القول: إننا أمام (توطين حتمي) لهؤلاء المكتومي القيد».
فهل سيشهد لبنان في المستقبل أزمة جديدة، ويُواجه توطين عشرات آلاف مكتومي القيد؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها الدولة اللبنانية للحؤول دون ذلك؟ وهل لها جدوى؟
بدايةً، ووفقاً للقانون الدولي، فإن الشخص عديم الجنسية هو «الشخص الذي لا تعتبره أي دولة مواطنا فيها بمقتضى تشريعها»، وهو أمر يعود لعدة أسباب، منها التمييز ضد مجموعات إثنية أو دينية معينة، ونشوء دول جديدة ونقل ملكية الأراضي بين الدول القائمة، والثغرات في قوانين الجنسية، فضلا عن أزمات النازحين وعدم اعتراف دولهم ودول اللجوء بهم. وبالتالي تواجد عشرات آلاف الأطفال مكتومي القيد (سوريون بلا جنسية) بعد عدّة سنوات، سيؤدي إلى دمجهم في المجتمع اللبناني وسيفتح بابَ التوطين لدوافع عدّة.
وفي هذا السياق، برز تصريح سابق للنائب ياسين جابر، قال فيه إن «ثمة أسبابا موجبة للتنسيق مع دمشق»، وقال: «هناك 260 ألف ولادة سورية في لبنان غير مسجلة في سوريا، وليست لديهم جنسيات سورية، وهؤلاء إذا أراد ذووهم العودة لا يستطيعون قطع الحدود لعدم حيازتهم لوثائق ثبوتية لتتم إعادتهم، وبالتالي فإن العائلة كلها ستبقى في لبنان».


 
الإجراءات الإدارية لتسجيل الولادات الأجنبية وفقاً للقانون اللبناني
هنا تجدر الإشارة إلى أن الإجراءات الإدارية لتسجيل الولادات الأجنبية وفقا للقانون اللبناني جميعها تشترط إبراز وثائق ثبوتية للأهل، وهو ما يشكل عائقًا هامًا أمام كثير من اللاجئين السوريين الذين اضطروا للجوء إلى لبنان دون أوراقهم الثبوتية بسبب الحرب في بلادهم، وهذا ما يسبب عدم تسجيل 40 في المائة من ولادات الأطفال السوريين في لبنان لعدم حيازة الأهل المستندات الثبوتية المطلوبة.
إضافة إلى اشتراط الإقامة الصالحة للأهل في لبنان من أجل التمكن من تسجيل ولادات أطفالهم ومن شأن ذلك أن يحوّل المولود إلى ضحية في حال عدم تمتع الأهل بوضع قانوني في البلاد، وغيرها من الشروط التي تحول دون تسجيل تلك الولادات.
 
خطوات وإجراءات جديدة للدولة اللبنانية لتشجيع السوريين على تسجيل أولادهم
فرضت حاجة مُلحّة تعديل القوانين أو الإجراءات اللبنانية المتعلقة بالنازحين، وذلك لتفادي أزمة تراكم أعداد السوريين الموجودين في لبنان، من دون أوراق ثبوتية تؤكد جنسيتهم السورية، لا سيما أن أعدادا كبيرة من السوريين دخلوا إلى لبنان بطرق غير شرعية، أو فقدوا أوراقهم الثبوتية جراء الحرب في بلادهم، ويصعب عليهم الاستحصال على أوراق ثبوتية جديدة بسبب معارضة جزء منهم للنظام السوري، وبالتالي تخوُفهم من دخول السفارة السورية، وفي ظلّ عدم توافر الكلفة اللازمة لتسوية أوضاعهم أو إعادة الاستحصال على أوراقهم الثبوتية، إضافة إلى قلّة وعي النازحين لتداعيات عدم التسجيل.
أقرّ مجلس الوزراء في 8 فبراير (شباط) 2018 القرار 93، القاضي بتسجيل أي مولود سوري وُلد في لبنان حتى وإن تخطّى عمره السنة، في دائرة وقوعات الأجانب ودوائر الأجانب في المحافظات اعتبارًا من 1 - 1 - 2011. وإرسال لوائح بتلك الولادات إلى وزارة الخارجية والمغتربين، التي تقوم بتبليغها إلى الجهات السورية المختصة، وذلك بناءً على الكتاب الذي قدمه كلّ من وزير الدولة لشؤون النازحين، ووزارة الخارجية والمغتربين ووزارة الداخلية والبلديات.
في هذا السياق، أكد وزير الدولة لشؤون النازحين في حكومة تصريف الأعمال معين المرعبي، لمجلة «المجلة» أن «وزارة الداخلية قدمت اقتراحاً في هذا الصدد وتم إقراره في مجلس الوزراء بناء على المداولات والمباحثات في اللجنة الوزارية المختصة بملف النازحين، حيث تمّ التوافق على تسجيل الأطفال السوريين الذين ولدوا على الأراضي اللبنانية منذ عام 2011، بما فيهم الأطفال الذين تجاوزوا العام من عمرهم»، لافتا إلى أنه «بحسب القرار لم يعد اللاجئون السوريون بحاجة إلى قرار قضائي لتسجيل مواليدهم الذي بلغوا السنة من عمرهم».
هذا وأكّد المرعبي أنّ «هذا القرار هو تجنب للتعقيدات التي يمكن أن تنشأ في حال استمر الوضع على حاله من حيث عدم تسجيل هؤلاء الأطفال وما ينتج عن ذلك من تحويلهم إلى «مكتومي القيد».
كذلك أشار المرعبي إلى أن «هذا الملف أصبح لدى وزارة الداخلية التي تعمل على تشجيع العائلات السورية لتسجيل أطفالهم عبر تذليل بعض المشاكل وإيجاد حلول قانونية لتسهيل تسجيلهم ضمن السياسة العامة للحكومة والسياسة العامة للتعاطي مع النزوح السوري للبنان». مؤكدا أن «هذا القرار من شأنه أن يحلّ هذه الأزمة وينهيها».
كذلك، هذا القرار هو استكمال لقرار آخر صادر عن المدير العام للأحوال الشخصية العميد إلياس الخوري، المذكرة رقم 43-2. تاريخ 12- 9 -2017. التي سمحت بالاكتفاء ببطاقة إقامة صالحة لأحد طرفي عقد الزواج فقط، لتسجيله. وكذلك، تقضي المذكرة بتسجيل الولادات الخاصة بالسوريين الجارية على الأراضي اللبنانية، حتى وإن لم تتوافر الإقامة أو قسيمة الدخول الصالحة، أو إن كان الوالد أو الوالدان يحملان شهادة تسجيل لاجئ صادرة عن الأمم المتحدة. وفي هاتين الحالتين يُصار إلى إبلاغ المديرية العامة للأمن العام بنسخة لأخذ العلم.
بدورها، أكّدت عضوة المكتب السياسي في تيار «المستقبل» والناشطة في مجال دعم اللاجئين السوريين في لبنان، نوال مدللي، أن وزارة الداخلية تعمل بجدية على تنفيذ هذا القرار وتشجيع العائلات السورية على تسجيل أطفالهم عبر تقديم تسهيلات أهمها إبراز بطاقة صادرة عن مفوضية اللاجئين إضافة إلى أنه تم التعميم من قبل الداخلية على المخاتير بتسهيل عملية التسجيل، وذلك تجنباً من أن يصبح أطفالهم مكتومي القيد، لا سيما أن هذا الأمر من شأنه أن يعيق عودتهم إلى سوريا بحجة عدم توفر أوراق ثبوتية.
ورأت مدللي، أن «مسألة عودة النازحين السوريين إلى بلادهم تشمل الكبار والصغار وهي تتطلب حلّا سياسيا في سوريا علما بأن ثمة أسماء كثيرة تعود لسوريين يرفض النظام دخولهم مجددا إلى الأراضي السورية وذلك في إطار حملة العودة الطوعية التي بدأت قبل أشهر بإشراف المديرية العامة للأمن العام اللبناني بحجة أنهم (إرهابيون) خصوصا أهالي حمص، ودرعا، ودير الزور، عدا عن أن عددا من الشباب يتم سوقهم إلى التجنيد الإجباري بعد عودتهم إلى سوريا وهو ما دفع بكثير من اللاجئين إلى صرف النظر عن العودة».
ختاما، شدّدت مدللي على أن «الحلّ ليس لدى لبنان إنما لدى الدول الكبرى مجتمعة، منوهة بمبادرة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري بالتواصل مع روسيا فيما يتعلق بالعودة الطوعية للاجئين.
 
 
تشكيك بفعالية هذا القرار
بدايةً، أكّد المحلل السياسي ومدير «مركز أمم للأبحاث والتوثيق»، لقمان سليم، في حديث لـ«المجلة» أن «الأرقام التي تتحدث عن عدد الولادات السورية المسجلة وغير المسجلة في لبنان غير دقيقة وغير موحدة».
وقد وصف سليم القرار الصادر عن الحكومة اللبنانية، بأنه «تدبير إداري وهو ثمرة الاتفاق السياسي وترجم عبر تسجيل الولادات بما يسمى في لبنان سجل الأجانب، ولكن بما أن هذا الاتفاق هو اتفاق سياسي بضغط من الجهات المانحة والأمم المتحدة، لذا من الممكن عمليا بما أنه ليس قانونا التلاعب فيه من حيث إبطاؤه أحيانا».
إلى ذلك، أشار سليم إلى أنه «لا يكفي أن يتم تسجيل المولود السوري في سجل الأجانب ففي المرحلة الثانية يتطلب الأمر فيما بعد إثبات واقعة الولادة لدى سفارة بلاده»، ورأى أن القسم الأول يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: «الأول تسيير الاتفاق السياسي على تسهيل تسجيل الولادات، وثانيا، إبقاء هذا الاتفاق جاريا، ثالثا وأخيرا يتعلّق بنسبة الإدراك والوعي لدى اللاجئ المثقل بالهموم بأهمية هذه الخطوة وقلّة الثقافة القانونية من حيث إدراك عقبات التغاضي عن تسجيل الولادات».
كذلك أشار سليم إلى أن «جزءا من هؤلاء اللاجئين يفضلون عدم تسجيل أبنائهم خوفا من إجبارهم من قبل الدولة اللبنانية على المغادرة، خصوصا أن البروباغندا السائدة في لبنان هي بوجوب التخلص من اللاجئين بأي ثمن. وبالتالي هذا عنصر غير مشجع لهم على التفكير بالمستقبل وفكرة العودة وتسجيل ولاداتهم». ورأى أن «الموضوع أكثر من أي يكون مجرد فعل إداري أو مجرد جهل من تبعات عدم تسجيل الولادات».
إلى ذلك أكّد سليم، أنه «حتى اليوم لا يبدو بأي شكل من الأشكال أن النظام السوري حريص على عودة اللاجئين إلى سوريا»، مشيرا إلى أنه «بما أن النظام غير راغب بعودتهم فمن الممكن أن نفترض أي شيء، ومن غير المستبعد أن لا يبدي النظام حماسة على الإطلاق وبالتالي أن تبادر الدول المضيفة للاجئين إلى تسجيلهم، وتابع: «بل إنه قد يتصرف بشكل يعقّد مشكلة عودتهم أكثر من تسهيلها».
وإداريا أيضا، بحسب سليم «لا توجد مؤشرات أن هناك أي حرص من طرف النظام على عودتهم بل أصبحنا نسمع عبارات تفيد بأن النسيج السوري أصبح أرقى بعد مغادرتهم، عدا عن تصريحات الضابط في النظام السوري عصام زهر الدين ذات يوم التي هدد فيها اللاجئين ونصحهم بعدم العودة».
وفي الختام، شدّد سليم على أنه «مع دخول الأزمة السورية عامها السابع فنحن أمام أزمتين: أزمة (توطين)؛ إذ لا بد أن نبدأ بالاعتراف بأن القسم الأكبر من اللاجئين السوريين ليسوا مقبلين على العودة إلى بلدهم، والأزمة الثانية هي أن ثمة أجيالا تنمو مكتومة القيد».

 


اشترك في النقاش