هل هناك استراتيجية أميركية لمنطقة الشرق الأوسط؟

  • استراتيجية إدارة البيت الأبيض في الشرق الأوسط تقوم على دعم الحلفاء أولا، ودفعهم إلى القيام بالمهمات التي تعنيهم مباشرة، من دون الاتكال على العسكر الأميركي.

يتساءل أكثر من محلل إن كانت إدارة البيت الأبيض تملك استراتيجية واضحة فيما خص الشرق الأوسط. الإعلام بأغلبيته طبعا يوحي بأن الرئيس الأميركي يتخذ قراراته بشكل غرائزي ومن دون الرجوع إلى مستشاريه. وهذا قيل في أكثر من مناسبة، خاصة بعد إعطائه الأوامر للقيادة العسكرية بسحب نحو 2000 من المقاتلين الأميركيين المتمركزين في منطقة التنف في سوريا

البعض حاول الإيحاء بأن القيادة العسكرية لا تستجيب للرئيس، وهذا الانطباع خلّفه تصريح بولتون الأخير بأن الانسحاب لن يتم من دون تأكيد تركيا عدم التعرض للأكراد.

هذا لا يعني أبدًا أن القرار لن ينفذ، رغم اعتراض البعض داخل الولايات المتحدة ومن الحلفاء. فالرئيس لن يتراجع عن قراره، وما نسمعه من تصاريح ليس سوى محاولة للتخفيف من وطأة هذا القرار.

ومن هنا، فالسؤال الأهم الذي يطرحه كثيرون: هل تملك إدارة البيض الأبيض استراتيجية حيال الشرق الأوسط؟

لا شك أن الرئيس ترامب تسلم من خلفه شرق أوسط متفجرا ومعقدا أكثر مما هو عادة، حيث الحروب تشتعل في أكثر من مكان وتفضي إلى تفكك دول كانت قائمة، مثل ليبيا واليمن وسوريا

وما يزيد من تعقيداته كثرة اللاعبين فيه مع توافد الروس والإيرانيين عسكريا إلى سوريا.
الرئيس ترامب تسلم أيضا من خلفه اتفاقا نوويا قال عنه إبان حملته الانتخابية إنه أسواء اتفاق وقعته بلاده وإنه ينوي الانسحاب منه، وقد فعل.

اصطدم الرئيس ترامب بنظرية سلفه التي كانت تقوم على ما صرح به في أكثر من مناسبة، على إعادة إيران إلى حضن الشرعية الدولية، وكنتيجة مباشرة لتلك العودة إقامة نوع من التوازن بينها وبين الدول العربية لا تفضي إلى حرب إنما إلى تنافس ما.
هذا ما قاله الرئيس الأسبق أوباما حرفيا للصحافي غولدبرغ في مقابلته لـ"بلومبرغقبل سنة من انتهاء ولايته. فعليا سياسة الرئيس أوباما لم تكن تبحث عن إقامة توازن نظري غير قابل للتطبيق أصلا بين إيران والدول العربية، إنما كانت تعطي الأفضلية لإيران على خصومها، وكانت تضيّق على حلفاء الولايات المتحدة الأميركية التقليديين. هذا كان واضحًا خاصة في قراراته المتعلقة بمسار الأزمة في سوريا، والتراجع عن الخطوط الحمراء التي كان وضعها للرئيس الأسد في حال استخدامه الأسلحة الكيماوية، وبالتالي السماح لروسيا وإيران وميليشياتها المذهبية أن يصبحوا لاعبين أساسيين في دعم الأسد ومنعه من السقوط.

سياسة الرئيس ترامب الخارجية جاءت على نقيض سياسة سلفه، وقامت على إعادة الاعتبار إلى الحلفاء والوقوف بوجه من يعتبرهم أعداء وفي مقدمهم إيران. من هذا المنطلق انسحب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي الذي جاء لمصلحة إيران، وأعاد العمل بنظام العقوبات. ومن هذا المنطلق أيضا رفض رفضا قاطعا تحميل قيادة المملكة العربية السعودية مسؤولية الخطأ الذي أدى إلى قتل الصحافي السعودي الخاشقجي داخل القنصلية السعودية في تركيا.
وهو يسعى في هذا المجال إلى إعادة استمالة تركيا من الحضن الروسي والإيراني.
وهذا الموقف لا يتناقض أبدًا مع قرار انسحابه من سوريا، لا بل قد يعززه. فتركيا معضلتها الأكبر هي قضية الأكراد ومطالبتهم بالانفصال، وهو أمر يرفضه الرئيس الحالي وأي رئيس قد يأتي من بعد إردوغان، إذ يعتبر الأمر من المسائل القومية التركية البالغة الأهمية والتي لا يمكن التفريط بها. وهذا أمر لن يختلف عليه الأتراك مهما كانت انتماءاتهم السياسية. والسياسة التي اتبعها الرئيس أوباما كانت تقضي بحماية الأكراد ولكن ليس من أجل الأكراد أنفسهم، بل من أجل إحباط تركيا في سوريا كرما لعيون إيران. فبرت ماكغورك مهندس سياسات أوباما في المنطقة لم يتوان لحظة في التخلي عن الأكراد عندما طالبوا باستفتائهم حول انفصال كردستان من العراق.

للعودة إلى السؤال عن استراتيجية إدارة البيت الأبيض لمنطقة الشرق الأوسط يتضح أن الرئيس ترامب يدعم حلفاءه بالكامل ولكنه في نفس الوقت يطالبهم بتسلم زمام المبادرة وعدم الاتكال على الجنود الأميركيين من أجل القيام بالمهمات العسكرية على الأرض نيابة عنهم. وهو المنطق نفسه الذي استعمله مع الأوروبيين عندما طالبهم بدفع حصتهم من ميزانية حلف الناتو وليس الاتكال على بلاده فقط.

قد لا تكون سياسات الرئيس ترامب تقليدية ولكنها رغم عفويتها أحيانا وخلفيتها المتصلة بعالم الأعمال، لها ميزة أنها واضحة للخصوم والأعداء وتقوم على التفاوض والشراكة. ومن هنا فاستراتيجية إدارة البيت الأبيض في الشرق الأوسط تقوم على دعم الحلفاء أولا ودفعهم إلى القيام بالمهمات التي تعنيهم مباشرة من دون الاتكال على العسكر الأميركي.