إيران في المنطقة الرمادية

انسحاب الولايات المتحدة من سوريا سيترك فراغاً لتملأه جمهورية الملالي
* منذ رعت إيران «حزب الله» اللبناني، أصبحت تجني فوائد هائلة من شن حرب بالوكالة وتسخير مقاتلين من طرف ثالث، منهم إرهابيون وميليشيات.
* من دون التزام أميركي بمواجهة إيران في سوريا، سوف تزدهر الشبكة وتنمو، وتستفيد من فراغ القوة لمد نفوذ إيران في جميع أنحاء المنطقة.
* الآن بعد أن أوشكت الحرب في سوريا على الانتهاء، سوف تتطلع طهران إلى تكرار تجربتها في ميادين أخرى.
* منذ الأيام الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية التي تحتفل بذكرى تأسيسها الأربعين في فبراير المقبل، تحدث زعماء دينيون عن تصدير ثورتهم خارج حدودهم الوطنية.
* من أجل تجنيد المقاتلين إلى سوريا، لا تعتمد إيران على الدين فحسب. تفيد تقارير بأنها وعدت بمنح المقاتلين العائدين وعائلاتهم إقامة في إيران ورواتب ورعاية صحية وتعليماً.

واشنطن: كان أحد قرارات الرئيس ترامب الأخيرة في السياسة الخارجية لعام 2018 من أكثرها إثارة للجدل وهو: سحب القوات الأميركية المتبقية في سوريا والبالغ عددها ألفي جندي. جاء القرار على نقيض مفاجئ للسياسة الأميركية، وأثار قلقاً بين مختصي الأمن القومي في واشنطن من أن الأكراد– الذي يُعدون حلفاء لأميركا في المعركة ضد «داعش»– سوف يتعرضون لخسائر، في حين يفوز نظام الأسد وروسيا وتركيا. 
في نهاية الأسبوع الماضي، يبدو أن مستشار الرئيس للأمن القومي جون بولتون قد غير المسار مرة أخرى، حيث أعلن أن القوات الأميركية قد تبقى في سوريا حتى تتم هزيمة «داعش» ويقدم الأتراك ضمانات على أنهم لن يشنوا هجوماً على الأكراد.
يظل الطرف الذي ربما يحقق أكبر استفادة من قرار الإدارة بشأن سوريا وتراجعها عنه هو إيران. قد يقدم الانسحاب الأميركي للإيرانيين مساحة عمليات للتوسع في تنمية شبكة مقاتليها الأجانب من الشيعة، الذين يمكن حشدهم باستخدام رسالة طهران بأن واشنطن لم تعد عقبة في طريق تلك المخططات. في الحقيقة، وفقاً لبولتون، لا بد أن تتناول شروط الإدارة المسبقة للانسحاب الأكراد و«داعش»؛ ولم يذكر مستشار الأمن القومي أي وجود أو توسع للميليشيات الشيعية التي تدربها وتجهزها إيران.
 
حرب بالوكالة
في الأيام الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية التي تحتفل بذكرى تأسيسها الأربعين في فبراير (شباط) المقبل، أحياناً ما كان الزعماء الدينيون في إيران يتحدثون عن تصدير ثورتهم خارج حدودهم الوطنية. وعلى الرغم من أن نشر القيم الثورية لم يعد بين أهداف إيران الأساسية، فقد أمضت الحكومة الإيرانية مع ذلك عقوداً في توثيق صلاتها مع جماعات– خاصة الشيعية– في بلاد تُعِدُها مهمة لأمنها. وتربط هذه الصلات طهران بدوائر معنية في أفغانستان والعراق ولبنان وباكستان وسوريا واليمن وغيرها من المناطق.
منذ بدأت إيران برعاية «حزب الله» اللبناني، أصبحت تجني فوائد هائلة من شن حرب بالوكالة وتسخير مقاتلين من طرف ثالث، منهم إرهابيون وميليشيات. ويسمح العمل مع عملاء من غير الدول لطهران بردع أعدائها وتنمية عمقها الاستراتيجي وتعويض تأخرها في المجال العسكري التقليدي بإبراز قوتها بما يتجاوز إمكانياتها. وجدير بالذكر أن هذه المجموعات تساعد إيران على مد نفوذها إلى ما يسمى بالمناطق الرمادية بين السلام والنزاع، في بلدان مثل العراق وسوريا، مع منحها قدرا يسيرا من الإنكار المقبول وتقليل تكاليف التدخل.
عندما بدأت الحرب الأهلية السورية في عام 2011، صممت إيران على دعم حليفتها. ولكن تضافرت الانقسامات في دمشق وطهران ضد وجود إيراني علني وكبير في سوريا. ووجد كثير من الإيرانيين مشكلة في المساعدة على بقاء ديكتاتور تثير مجازره الجماعية واستخدامه لأسلحة كيماوية مسائل أخلاقية وتضر بسمعة بلادهم. ومن جانبه، سعى نظام الأسد إلى منح دفاع بلاده مظهراً محلياً ولكي يتجنب الظهور في صورة السلطة المركزية الضعيفة التي ينقذها أجانب. وبدلاً من التدخل على نحو مباشر، نظمت طهران القوات الشيعية غير الإيرانية للقتال باسم نظام الأسد. ومن أجل ذلك كثفت إيران عمليات التجنيد من السكان الشيعة في لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان. ومع أن إيران تعمل منذ فترة طويلة على تجنيد قوات من لبنان والعراق، كان استقدام شيعة من جنوب آسيا أمراً جديداً. ضُمت تلك المجموعات الفرعية من المقاتلين الأجانب بقوة إلى شبكة أوسع، ولكن لها اسمان محددان: يتكون لواء «الفاطميون» من الأفغان، و«الزينبيون» من الباكستانيين. وحتى تاريخه درب النظام الإيراني وجهز وأرسل عدة آلاف من تلك القوات إلى سوريا، ووصل إلى تجنيد الأطفال.
وعلى الرغم من أن وجود شبكة المقاتلين الأجانب الشيعة التابعة لإيران ليس خبراً جديداً في حد ذاته، فإن الانسحاب الأميركي يضيف تطوراً جديداً. فمن دون التزام أميركي بمواجهة إيران في سوريا، سوف تزدهر الشبكة وتنمو، وتستفيد من فراغ القوة لمد نفوذ إيران في جميع أنحاء المنطقة، والذي طالما كان هدفاً إيرانياً أبقاه تحت السيطرة نشر القوات الأميركية في العراق منذ 2003 إلى 2011. ومن المحتمل أن يؤدي تخفيض الوجود العسكري الأميركي بدرجة كبيرة – من المتوقع أن تُبقي واشنطن على عدة مئات من القوات الخاصة في الدولة – إلى إجراء إسرائيلي آخر في سوريا، حيث لم يعد في استطاعة تل أبيب أن تعتمد على القوة العسكرية الأميركية لردع التوسع الإيراني. وهذا بدوره قد يغري إيران باستخدام المقاتلين الذين كانت ترعاهم كقوة ضرب خارجية.
 
الشبكة خارج سوريا
من أجل تجنيد المقاتلين إلى سوريا، لا تعتمد إيران على الدين فحسب. تفيد تقارير بأنها وعدت بمنح المقاتلين العائدين وعائلاتهم إقامة في إيران ورواتب ورعاية صحية وتعليماً. والآن بعد أن أوشكت الحرب في سوريا على الانتهاء، فسوف تتطلع طهران إلى تكرار نجاحها في ميادين أخرى. ويمكن أن تقلل التكلفة باستخدام القوات التي جندتها ودربتها وزودتها بالأسلحة بالفعل والتي تعززت كفاءتها بتعرضها لساحة المعركة في سوريا.
هناك نقص في البيانات الدقيقة والصحيحة عن إنفاق طهران لدعم الميليشيات. إلا أنه في فترة يجب على الدولة فيها أن تخفض نفقاتها للتغلب على العقوبات الاقتصادية، ربما تكون رعاية إيران لمقاتلين أجانب شيعة أكثر طريقة فعَالة من حيث التكاليف لتنفيذ أجندتها الإقليمية– حتى وفقاً لأعلى تقديرات التكاليف. 
كما قال الباحث في الشأن الإيراني، أفشون أوستوفار: «تنفق إيران على الدفاع أقل، وربما أقل كثيراً، من خصومها المجاورين في المنطقة، حتى بما فيه دعمها لعملائها في سوريا والعراق ولبنان واليمن».
وفي ظل الانسحاب الأميركي من سوريا، وفي غياب أي سياسة أميركية متسقة للرد على التصرفات التي تحدث في المنطقة ولا تصل إلى درجة الحرب، من المحتمل أن تستمر إيران في رعاية ميليشيات شيعية وإعادة توجيهها في جميع أنحاء المنطقة. وبالفعل بدأت إعادة توجيه بعض أفراد لواء «الفاطميون» إلى أفغانستان، حيث تقدم إيران، إلى جانب روسيا، دعماً إلى طالبان لهزيمة فرع «داعش» في البلاد. ويوضح هذا الالتزام للأفغان أن إيران مستعدة لأن تكون قوة تساعد على الاستقرار حتى في ظل تفكير الولايات المتحدة في تخفيض عدد قواتها إلى النصف.
أفغانستان مجرد واحدة من أربعة ميادين تعمل فيها إيران: والثلاثة الأخرى هي العراق وسوريا واليمن.
لا شك في أن قرار الرئيس ترمب بسحب القوات الأميركية من سوريا كان يهدف إلى إخراج أميركا من مستنقع الشرق الأوسط، ويعطي لواشنطن مرونة تركيز مواردها على صراع القوى العظمى، لا سيما مع الصين وروسيا، وربما أيضا مع إيران. بيد أنه عن طريق إسناد مهمة مكافحة «داعش» إلى تركيا وبالضرورة تسليم سوريا إلى نظام الأسد وداعميه ذوي النفوذ في موسكو وطهران، ربما تعطي الإدارة الأميركية من دون قصد إشارة بأنها غير مستعدة للمنافسة في البؤر الجغرافية السياسية الحرجة.
قد تُشَجِع مثل تلك الرسالة الدول ذات النفوذ– ومن بينها إيران– على توسعة وجودها. ومن المحتمل أن تتقدم إيران إلى تلك الثغرة لتستمر في بناء شبكتها من المقاتلين الأجانب الشيعة وتُحركهم حول المنطقة. وإذا رأى قادة إيران أن هذه الاستراتيجية جديرة بالاهتمام وتفوق فوائدها تكاليفها، فقد تتطور الشبكة من كونها تهديدا إقليميا إلى عالمي، وتثير في النهاية المزيد من المشاكل على المدى البعيد للولايات المتحدة وحلفائها.
* نشر بالإتفاق مع مجلة «فورين أفيرز».
 


اشترك في النقاش