بيروت الثقافة... عملية تطويع ممنهجة لصالح إيران

إعادة ترويج مؤلفات لكتاب موالين لـ«حزب الله»
* بيروت التي عرفت بانفتاحها على العالم بدأت تتقولب عبر سياسات مدروسة تنفذها دور نشر تخاطب اللبنانيين بلغة الطامحين للسيطرة على المرافق الحيوية والحكومية والرئاسية.
* الناقد محمد الحجيري: تتجه الأمور إلى الانحدار، فمؤسسة كبرى مثل «النهار» تتبدد وتصبح أثراً، عدا عن طغيان «الشخصانية» والطائفية في القراءة.
* إعلامية لبنانية: مكتبة «أنطوان» وهي إحدى المكتبات العريقة التي تؤمن أهم الكتب العالمية للقارئ اللبناني لا نجد شبيهتها في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب.

 
 

بيروت: نهاية عام 2018، تلقت فاتن دعوات عدة من أصدقائها الصحافيين والكتاب للمشاركة في حفل توقيع كتبهم التي تتم عادة في المعارض الكبرى للكتب التي تجرى في بيروت. لم يكن لفاتن أي تصور مسبق عن المعارض رغم حبها لشراء الكتب من المكتبات بشكل مباشر غير أنها من النادر أن تزور معرضًا، ولكن في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2018 شاركت فاتن في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب ولم يكن انطباعها جيدًا عمّا شاهدته من تزاحم الدور الدينية والمطبعة سياسيًا مع أنظمة عربية لحجز مقعد للسيطرة الثقافية على المعرض.
 
تقول فاتن لـ«المجلة» إن بيروت التي نلمس ثقافتها في مكتبة «أنطوان» وهي إحدى المكتبات العريقة التي تؤمن أهم الكتب العالمية للقارئ اللبناني لا نجد شبيهتها في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب.
ليست فاتن وحدها من كان انطباعها سيئًا عن المعرض، فمجموعة كتاب وصحافيين قارنوه بمعرض الكتاب الفرنسي الذي يجري سنويًا أيضًا في بيروت، ولكن موضوعات الأخير والندوات والكتب التي يطرحها اتسمت بمعارضتها السياسية لقوى الممانعة في لبنان، خصوصًا أن المعرض الفرنسي شهد توقيع كتاب «في رأس بشار الأسد» والذي كتبه كل من المفكرين السوريين فاروق مردم بك، وصبحي حديدي، والمفكر اللبناني زياد ماجد، المعارض للرئيس السوري بشار الأسد، بينما لم يشهد معرض بيروت العربي الدولي أي توقيع كتاب سياسي بنكهة معارضة، بل على العكس حصل إعادة ترويج مؤلفات لكتاب موالين لـ«حزب الله».

بيروت التي عرفت عربيًا ودوليًا بمركزها الثقافي الانفتاحي على العالم بدأت منذ سنوات تتقولب عبر سياسات مدروسة تنفذها دور نشر تطمح إلى مخاطبة القارئ اللبناني بلغة الطامحين للسيطرة على المرافق الحيوية والحكومية والرئاسية.
كان لافتا غياب المملكة العربية السعودية عن الحفل الذي يعتبر خاتمة لما تنتجه بيروت سنويًا من كتب، ولربما يقع تغيبها في إطار تسجيل موقف ثقافي. شارك في المعرض مائتان وأربعون دار نشر لبنانية وعربية، وكان لافتا حضور دور نشر إيرانية، وعلى رأسهم «المعهد الدولي للدراسات الإيرانية» الذي شارك للمرة الأولى في المعرض، ويترأسه محمد بن صقر السلمي.
ينشر المعهد أوراقا بحثية باستمرار تتناول الوضع الداخلي ورؤية إيران للمنطقة، ويترجم مقالات يومية عن الصحف الإيرانية للغة العربية، أما الكتب التي شارك المعهد بها في المعرض فهي «فقه الانتظار»، و«التيارات الدينية الإيرانة والصراع على الحق المطلق للفقيه في الولاية»، و«الآخر العربي في الفكر الإيراني الحديث»، و«الخميني في فرنسا»، و«جدلية الفكر السياسي الشيعي بين المرجعيتين العربية والإيرانية».
بعض الكتب المنتجة في عام 2018 لا يستسيغها القراء، لافتقارها إلى المحتوى الجذاب، لذلك لجأت بعض دور النشر إلى استعادة كتب من الأرشيف والترويج لها مجددًا فهذه الكتب تلبي مطالب شريحة الممانعة في لبنان، لذلك من الملحوظ لجوء دور نشر مثل دار الفارابي ودار الآداب إلى الاستعانة بأرشيفهم الذي يتناول روسيا وحقبة الاتحاد السوفياتي، والكتب الماركسية، خصوصا أن المظاهرات المطلبية التي شهدتها بيروت مؤخرًا رفع بعض المتظاهرين فيها شعارات تستعيد ماركس ومن بين اللافتات «انظروا من أتى إنه ماركس!».
وعلى هامش المعرض علق عدد من النقاد على الجو العام الذي يسود بيروت ثقافيًا والذي يتجلى في معارضها الدولية، فكتب الناقد اللبناني روجيه عوطا مقالاً عن الوضع السيئ للثقافة في لبنان، وجاء عنوان مقاله «2018... عام تدهور الثقافة»، ليرثي في مقاله إغلاق مجموعة من دور النشر والصالونات وهيمنة صبغة ثقافية واحدة، وانتشار كتاب «متسولين على أبواب السلطة» في لبنان.
وأهمية المعرض أنه ركيزة بيروت الثقافية في المشرق، ويقدم نموذجًا عن حريتها وما يفكر به ويتداوله سكانها، ولكن هذه المدينة بدأت مؤخرًا إلى جانب انحدار خياراتها الثقافية تشهد تضييقًا على الحريات العامة، إذ لم تسلم مجموعة أفلام وروايات من مقص الرقابة، يضاف إلى ذلك احتجاز صحافيين وناشطين.

الروائي يوسف ذبيان، مؤلف كتاب «أورويل في الضاحية الجنوبية» والذي تناول حياة مجموعة شبان معدومي الظروف المعيشية يعيشون في ضاحية بيروت الجنوبية، والذين تؤدي بهم سبل الحياة إلى تعاطي المخدرات، يقول لـ«المجلة»، إن هيمنة الأفكار الراديكالية الدينية بغطاء إيراني كان واضحًا جدًا في معرض بيروت للكتاب العربي الدولي لعام 2018 ومن المؤكد أن هذه القبضة ستزداد مع السنوات القادمة، علماً بأن «اجتياح المعرض ثقافيًا تتقاسمه أحزاب وجمعيات وتيارات مختلفة ولكن الغلبة الدينية الآيديولوجية كانت جلية».
وبحسب الروائي، يدل الوضع المتردي لمعرض بيروت للكتاب على أن المجتمع اللبناني يشتد مذهبية وتحزبا وخياراته في المطالعة محدودة الأفق، ويضيف ذبيان أن عام 2018 مميز فعلاً بـ«مظاهر التجييش الفكري والعقائدي، فبعض دور النشر تعمدت هذا العام إثبات وجود الجهة الحزبية الداعمة لها، من خلال الأناشيد الحزبية والدينية والخطابات والفيديوهات عالية الصوت، ويبدو أنه علينا التعود على هذه السلوكيات في المعارض المستقبلية».
أما فيما يخص توجه القارئ اللبناني إلى استعادة كتب ستالين ولينين وماركس فيعلق ذبيان بالقول: «اندفاع الجمهور على قراءة هذه النوعية من الكتب بمثابة لحظة نوستالجية تستعيد شخصيات رسخت الديكتاتورية الفكرية في البلدان العربية».
أما الناقد والروائي محمد الحجيري، فقد وقّع نهاية عام 2018 روايته «طيور الرغبة» والتي تتناول ذاكرة مدينة بيروت، وقد قال لـ«المجلة» إن «معرض بيروت مريضٌ أو في أزمة مستفحلة مرتبطة بأزمات المنطقة. لم يعد المعرض حالة ثقافة بل بات سوقا للكتاب، وسوقا للألعاب، وسوقا للآيديولوجيا، هذا العام كان لافتا في المعرض الحضور الكثيف للأزياء الشرعية، أو الذين يدعون عبر منشورات إلى ندوات دينية أو الذي يروجون للجمعيات الحزبية».

بحسب الحجيري «تتجه الأمور إلى مزيد من الانحدار، فمؤسسة كبرى ثقافية مثل دار النهار تتبدد وتصبح أثراً، هذا عدا عن طغيان (الشخصانية) والطائفية في القراءة، الحضور المدني «التقليدي» يتقلص، كجزء من تقلص المشهد الإعلامي والثقافي في بيروت».
ويقول: «من قبل كنا نشاهد طفرة جمعية الأحباش في جناحيها، اليوم هناك عشرات الدور تتماثل معها». أما عن السيطرة الإيرانية والإسلامية على المعارض فهي في جزء منها انعكاس لتحولات المجتمع السياسية والثقافية والعصبية ولديها قارئ أيضًا يختلف عن القارئ الذي في متخيلنا الثقافي، وهنا يطرح الحجيري سؤالاً: «نقول عادة لماذا لا يقرأ العرب؟ والأصح القول أي كتاب يقرأ العرب؟».
ويختم الحجيري: «هي موجة إذا جاز التعبير، قد تترسخ وقد تأفل، سبقتها موجات كثيرة، في السبعينات والثمانينات كانت الكتب الماركسية والثورجية على قدم وساق، وكانت الكتب القومية واليوم أصحاب تلك الدور هم أنفسهم يطبعون كتبا تصب في الموجة الإيرانية وأحيانا الإسلامية. ومن دون شك السيطرة الإيرانية الإسلامية تعطي انطباعا لدى الجمهور بأن الإيراني (أكل البلد) حتى في الثقافة، وأن الثقافة خارج العصبيات والولاءات حضورها أقلوي، رواية من هنا وكتاب تاريخ من هناك».

 


اشترك في النقاش