بالفيديو: أمازيغ الجزائر يحتفلون بعامهم الجديد

اليوم الثاني عشر من شهر يناير ... رمز العقاب في الذاكرة الشعبية الأمازيغية
·     يربط المؤرخون التقويم الأمازيغي بالأشهر الرومانية، غير أن أبرز الروايات أنه يعود لانتصار الملك شيشناق على رمسيس الثالث.
·     تتزامن السنة الأمازيغية الجديدة أيضاً مع نفاد مخزون المؤونة التي يحتفظ بها الفلاحون تحسباً لفصل الشتاء.

الجزائر: تقول الأساطير الأمازيغية إن شهر يناير (كانون الأول) كان قد طلب نشر «فورار» وهو شهر فبراير (شباط) أن يعيره يوماً لمعاقبة عجوز سخرت منه، فكان أن حلت في ذلك اليوم عاصفة هوجاء أودت بحياة تلك العجوز، فأصبح هذا اليوم في الذاكرة الشعبية الأمازيغية رمزا للعقاب لكل من تسول له نفسه أن يسخر من الطبيعة وجبروتها وينكر خيراتها.

مع حلول يناير من كل عام يستعد أمازيغ الجزائر، وشمال أفريقيا، للاحتفال في اليوم الثاني عشر منه باعتباره بداية لعامهم الجديد، وإلى جانب أسطورة معاقبة الطبيعة للعجوز التي سخرت منها، فثمة قصص وأساطير أخرى مرتبطة ببداية هذا التقويم الذي بلغ اليوم 2969 عاماً، ليتجاوز بذلك كلا من التقويمين الميلادي والهجري.

بعض المؤرخين يربطون التقويم الأمازيغي بحساب الأشهر الرومانية، غير أن أبرز الروايات وأشهرها أن منشأه يعود إلى انتصار الملك البربري شيشناق على رمسيس الثالث، حيث ارتبطت هذه الاحتفالية بواقعة انتصار الأمازيغ على المصريين القدامى واعتلاء الزعيم شيشناق العرش الفرعوني، بعد الانتصار على الفرعون المصري رمسيس الثالث. وبعد ذلك بدأ الأمازيغ يخلدون كل سنة ذكرى هذا الانتصار التاريخي، وأصبح ذلك اليوم هو يوم رأس السنة الأمازيغية.

أما بعض المؤرخين فيشيرون إلى أن وصول شيشناق إلى عرش مصر لم يكن بالاستيلاء عليه على أثر معارك أو حروب، بل وصل إليه بعد ترقية متواصلة لعدة عناصر أمازيغية قدمت من ليبيا داخل جيش فرعون.

ومن الروايات المتواترة والقوية أن هذا التقويم مرتبط أساسا بالسنة الفلاحية الجديدة، لذلك تأخذ احتفالات صباح يوم الذكرى طابعا يحتفي بالأرض وبما تقدمه من خيرات وفيرة. 

يحدثنا الشيخ عبد المجيد من منطقة بني ورثيلان في أقصى شمال ولاية سطيف قائلا إن «يناير مرتبط بالأرض وبالتراب»، ويتابع لـ«المجلة» قائلا: «نحن أصلنا من تراب، ونحيا فوق التراب، ونأكل مما جاد به التراب، وحينما نموت ندفن في التراب، وهذا شرف لنا، لذلك نحتفل به»، وأوضح عبد المجيد أن «الفلاحين حينما يجنون غلتهم من الزيتون يحرصون على عصره في يناير حيث تكون فيه الغلة وفيرة جدا».

حديث عبد المجيد يفسر ارتباط الاحتفالات بالآمال الكبيرة التي يعقدها الأمازيع على السنة الجديدة، حيث يحلم الكبار والصغار بموسم فلاحي غني وبالثراء والتمتع بالصحة. وتتزامن السنة الأمازيغية الجديدة أيضا مع نفاد مخزون المؤونة التي يحتفظ بها الفلاحون تحسبا لفصل الشتاء، وتسمى محليا «العولة»، ويمارس البعض في بيوتهم بعض الطقوس لإبعاد شبح الجوع خلال الموسم الجديد.

ومع حلول المناسبة في كل عام، يحرص الأمازيغ على إحياء المناسبة بممارسة طقوس وتقاليد تضرب جذورها في عمق الزمن، وما يميز احتفالات هذا العام بالجزائر أنها أخذت بعدا وطنيا، ولم تقتصر على المدن التي يسكنها الأمازيغ، وذلك بعد اعتماد اللغة الأمازيغية كلغة رسمية قبل عامين من الآن، وبعد اعتماد يناير بداية من العام الماضي كعطلة سنوية مدفوعة الأجر لعموم الجزائريين.

وتتكون كلمة «يناير» من «ين» وتعني أول، و«أيور» ومعناه شهر، وهي متداولة في ولايات القبائل، خاصة في تيزي وزو، وبجاية، وفي ولايات الأوراس، خاصة باتنة، وخنشلة. ويطلق البعض على المناسبة «ثابورت أوسفاس» وتعني باب السنة.

وتأخذ الاحتفالات أشكالا كثيرة، منها خروج النساء إلى حقول الزيتون لمناجاة الطبيعة محصولا وفيرا، وإعداد أطباق تقليدية من الأكل الشعبي المتوارث عبر الأجيال.

ويفضل سكان القبائل ذبح الديك أمام عتبة البيت، ويعزفون عن شرائه مذبوحا. وقد درج أهل المنطقة قديما على إعداد سبعة أطباق متنوعة، يكون فيها البيض والخضر الجافة الغذاء الأساسي وأكلات محلية تشتهر بها المنطقة. وتقوم النساء بعد ذبح الديكة برمي ريشها في الحقول ويرددن هذه العبارة: «أيها العام الجديد منحناك الريش فلتمنحنا العيش»، وهو تعبير عن رجائهن تحقيق وفرة في الإنتاج، خاصة الزيتون الذي يعتبر مصدر رزق مئات العائلات الناطقة بالأمازيغية.

ويتوجه الرجال في هذا اليوم إلى الغابات لجمع أعشاب معينة، بغرض التحضير لأنواع من الشاي يتم شربها في الليل خلال اجتماعات تجري في البيوت، وهو شراب يعتقد في المخيال الشعبي أنه يجلب الصحة ويقوي الأبدان ويعالج بعض الأمراض.

يعكس الاحتفال بشهر يناير، حسب المؤرخ محند أرزقي فراد مدى التمسك بالهوية المغاربية، على اعتبار أن سكان المغرب العربي يجتمعون حول قواسم مشتركة، ويقول: «إن يناير عبارة عن عيد للفرح جاء من عمق التاريخ ووجد قبل مجيء الإسلام، وهو احتفالية بسنة فلاحية أمازيغية جديدة مبنية على رزنامة (جوليان) الإمبراطور الروماني السابق»، مشيرا إلى وجود فرق 12 يوما بينها وبين السنة الميلادية لأن البابا «غريغور» المسيحي كان وراء تعديل رزنامة «جوليان» في القرن الـ16. ومنه سار الأمازيغ على هذه الرزنامة التي تعززت قبل عامين بجعل الأمازيغية لغة مكرسة في الدستور الجزائري.

وحول سر ارتباط السنة الأمازيغية بالرزنامة الفلاحية، يرجع أرزقي إلى أن حياة أفراد المجتمع قديما كانت مبنية على الزراعة فقط، وكان لكل فصل خصوصية، ففصل الشتاء مثلا تنام فيه الطبيعة، وعندما يحل فصل الربيع تبدأ مرحلة الخصوبة، بعدها يأتي فصل الصيف الذي يمثل فصل الجني والحصاد، ونعود بعدها إلى فصل الخريف الذي تبدأ خلاله عملية الزراعة، وعليه فإن هذه الفصول بمدلولها مرتبطة بالأرض، موضحا أن كلمة يناير وحدها تحمل الكثير من المدلولات، ولعل من أشهر التفاسير أنها تتكون من كلمتين «ين» وهي واحد و«أيور» وهو الشهر، كما يطلق عليه اسم «رأس العام» وبالأمازيغية «ثابورث أوسغاس».

وقد ميز أرزقي بين ثلاثة أنواع من الدلالات التي يحملها الاحتفال بشهر يناير السنوي، ويأتي على رأسها الدلالة التاريخية المتمثلة في ارتباط المناسبة بانتصار الملك شيشناق على فرعون مصر سنة 950 قبل الميلاد، وتم تبني هذه الحادثة التاريخية كمنطلق للحساب سنة 1980 من طرف الأستاذ عمار نقادي، بينما يتمثل البعد الروحي لهذه الاحتفالية في التوجه إلى إرضاء القوى الخفية في الماضي البعيد، التي كان يعتقد بوجودها قبل نزول الأديان السماوية، ومرجع ذلك- حسب الباحث- العلاقة القوية والمتوترة الناتجة عن عجز الإنسان البدائي عن فهم الظواهر الطبيعية، كالزلازل والبراكين والأعاصير والرياح العاتية والأمطار الغزيرة وحركات الشمس والقمر، وهو ما جعله يحاول إرضاءها بتقديم القرابين «أسفن»، وانطلاقا من هنا برزت إشكالية الدين والاحتفالية المنطلقة من جملة الطقوس الروحانية الفلسفية التي مارسها الناس لإرضاء الطبيعة.


اشترك في النقاش