خريطة العلاقات الدولية و الإقليمية الجديدة للبرازيل

موجة صعود زعماء وقادة تيار اليمين إلى سدة السلطة في أميركا الجنوبية
*الولايات المتحدة وجدت في فوز بولسونارو برئاسة البرازيل فرصة ذهبية لتضييق الخناق على الرئيس الفنزويلي، في ظل قيام برازيليا بالاعتراف برئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية خوان غوايدو، رئيسًا انتقاليًا للبلاد.
*الاعتراف الأميركي بغوايدو رئيسًا انتقاليًا لفنزويلا يقسّم أميركا اللاتينية، و تسبب في خلافات حادة في المواقف بين القوى الدولية المختلفة، فبينما أيدت فرنسا، وبريطانيا، وكندا الخطوة الأميركية، فقد عارضتها روسيا، والصين، وتركيا، وإيران.
* إعلان بولسونارو بأنه سيكون منفتحًا على إمكانية إقامة واشنطن قاعدة عسكرية في بلاده، لمواجهة نفوذ روسيا المتصاعد في فنزويلا،سوف تُشكل تحول جذري في السياسة الخارجية البرازيلية، التي لطالما عارضت أي وجود لقوات أجنبية على أراضي دول أميركا اللاتينية.
 *يأمل المسؤولون الأميركيون في أن تصبح البرازيل الشريك الرئيسي لواشنطن في المنطقة لاحتواء الآيديولوجيات اليسارية والنفوذ الصيني المتصاعد هناك.
* زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى البرازيل ومشاركته في مراسم تنصيب بولسونارو  كانت تاريخية ... وتتطلع البرازيل إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجال تكنولوجيا المعلومات،و شراء طائرات إسرائيلية من دون طيار، تستخدمها قوات الأمن البرازيلية في حربها المرتقبة ضد عصابات المخدرات والجريمة المنظمة.
*تعهد اليميني جايير بولسونارو بجعل «البرازيل أولاً» وأن القضايا الداخلية سوف يكون لها الأولوية
بولسونارو يسعى لتحرير وزارة الخارجية من التحيز الآيديولوجي الذي شاب العلاقات الدولية للبرازيل خلال العقود الماضية.
 البرازيل ثاني أكبر مدين للصين في المنطقة بعد فنزويلا...فهل يقدم بولسونارو رؤية متكاملة لمستقبل تجمع بريكس؟.

في الأول من يناير (كانون الثاني) الجاري، دخلت البرازيل حقبة جديدة في تاريخها المعاصر، مع تنصيب السياسي ذي التوجهات اليمينية المتطرفة «جايير بولسونارو» رئيسًا للبلاد، ليس بسبب السياسات الداخلية التي يعتزم تنفيذها فحسب، ولكن أيضًا نتيجة مواقفه وتوجهاته ذات الصلة بالسياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية والدولية للبرازيل.

منطلقات وتوجهات السياسة الخارجية في عهد بولسونارو

شهدت البرازيل في 28 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من العام المنقضي، انتخاب مرشح يميني لرئاسة ثامن أكبر اقتصاد على مستوى العالم، وذلك للمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا، حيث فاز اليميني «جايير بولسونارو» على منافسه اليساري «فرناندو حداد» خلال جولة الإعادة، بحصوله على نحو 55 في المائة من إجمالي أصوات الناخبين، وذلك لولاية رئاسية مدتها أربع سنوات تنتهي بحلول عام 2023.
ووعد الرئيس البرازيلي المنتخب، بأن «يجعل البرازيل عظيمة مرة أخرى»، كما تعهد بجعل «البرازيل أولاً»، ويعني هذا بالنسبة لأنصار بولسونارو أن القضايا الداخلية سوف يكون لها الأولوية في الاهتمام، حيث سيتم التركيز في المقام الأول على استعادة «القانون والنظام» واستئصال الفساد الحكومي. ولكن على الجانب الآخر، سيكون لهذه الرسالة القومية التي يؤمن بها بولسونارو عواقب وتداعيات كبيرة تتجاوز حدود البرازيل، ويمكن أن تغير من دورها في منطقة أميركا اللاتينية والعالم.
وفي الخطاب الذي ألقاه عقب إعلان فوزه في الانتخابات، تعهد بولسونارو بتحرير وزارة الخارجية من التحيز الآيديولوجي الذي شاب العلاقات الدولية للبرازيل خلال العقود الماضية، مؤكدًا رغبته في إحداث تغيير جذري في السياسة الخارجية لبلاده بعيدًا عن التقارب مع النظم الديكتاتورية، وذلك من خلال تدعيم العلاقات مع النظم الديمقراطية، والتي من بينها: الولايات المتحدة، وإيطاليا، وإسرائيل، على حد تعبيره.
وبالتزامن مع ذلك، أكد الرئيس المنتخب أن السياسة الخارجية الجديدة للبرازيل سوف تُعنى في المقام الأول بتعزيز المصالح الاقتصادية للبلاد، رافضًا الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف، ومشددًا على أن الأولوية ستكون للاتفاقات التجارية الثنائية خاصة مع الدول التي تقدم إضافة تكنولوجية واقتصادية مهمة للبرازيل. وفي هذا الإطار، تعهد بولسونارو بالانسحاب من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأعرب عن ازدرائه للمؤسسات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، التي وصفها بأنها تجمع «للشيوعيين»، وهدد بالانسحاب منها.
ومن المرُجح أن تُمثل السياسة الخارجية «الانعزالية»، في أحد أبعادها، والتي يعتزم بولسونارو تبنيها، تناقضًا صارخًا مع السياسة الخارجية البرازيلية المتبناه من قبل حزب العمال اليساري الذي حكم البلاد خلال الفترة ما بين عامي 2003 - 2016. بقيادة «لولا دا سيلفا»، و«ديلما روسيف»، والتي استهدفت العمل على إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب.
وتميزت السياسة الخارجية البرازيلية خلال تلك الفترة بقدر كبير من الانتقائية والتوازن، وبصفتها أكبر دولة في أميركا اللاتينية، حرصت البرازيل على ترسيخ استقلالها الذاتي بعيدًا عن الهيمنة الأميركية، وذلك من خلال إقامة شبكة متنوعة من الشراكات الإقليمية والتحالفات الدولية مع الاهتمام بشكل خاص بتعزيز التعاون مع بلدان الجنوب. وتاريخيًا، كانت البرازيل من البلدان المنادية بضرورة احترام مبادئ القانون الدولي، ورفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول، كما طالبت بتعزيز دور المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، وسعت في ذات الوقت إلى الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، وشاركت في الكثير من بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام في مناطق متفرقة من العالم.

خريطة العلاقات الدولية

يتضح من خلال تحليل تصريحات الرئيس بولسونارو ووزير خارجيته «أرنستو أراوجو»، وكبار المسؤولين في حكومته أن خريطة العلاقات الدولية للبرازيل ستشهد تغيرات وتجاذبات مهمة وعميقة؛ إذ سيكون هناك تقدم وتحسن على صعيد العلاقات ببعض القوى الدولية، وانحسار وتوتر في العلاقات مع بعض القوى الأخرى.

1- التقارب مع واشنطن

تُشكل العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة محورًا رئيسيًا للسياسة الخارجية البرازيلية الجديدة، فلم يُخفِ بولسونارو إعجابه الشديد بالرئيس الأميركي «دونالد ترمب»، الذي اعتبره مثالاً يُحتذى به. كما أنه رفع شعار «البرازيل قبل كل شيء» خلال حملته الانتخابية، والذي يشبه الشعار الذي رفعه الرئيس الأميركي خلال حملته الانتخابية «أميركا أولاً». وأكد مرارًا وتكرارًا على رغبته في التقارب مع واشنطن بما يخدم مصلحة البرازيل والولايات المتحدة. كما يتشارك الزعيمان في الكثير من الصفات الشخصية والرؤى السياسية حول بعض القضايا العالمية ومنها الموقف من المنظمات الدولية والتغيرات المناخية، والتي يمكن أن تُمهد الطريق لعلاقات ثنائية قوية بين البلدين.
ومن جانبها رحبت الإدارة الأميركية بفوز بولسونارو التي رأت فيه حليفًا محتملاً في نصف الكرة الغربي، في ظل العلاقات المتوترة بين واشنطن وجيرانها في أميركا الجنوبية بسبب قضايا الهجرة والتجارة. 
ورحب مستشار الأمن القومي الأميركي «جون بولتون» بانتخابه رئيسًا للبرازيل معتبرًا ذلك «مؤشرًا إيجابيًا لمستقبل المنطقة»، كما ترأس وزير الخارجية «مايك بومبيو» الوفد الأميركي المشارك في مراسم أداء بولسونارو اليمين الدستورية في برازيليا، وقال بومبيو إن فوز بولسونارو خلق «فرصة حقيقية للتقارب بين الولايات المتحدة والبرازيل»، كما أضاف: «
كان للبرازيل تاريخ في انتخاب رؤساء لديهم توجهات معادية للولايات المتحدة، أما الآن، فالأمر عكس ذلك: نحن أصدقاء». ومن جانبه أكد بولسونارو على رغبته الشديدة في تعويض السنوات الماضية التي شهدت تباعدا في العلاقات بين البلدين.
ومنح صعود رئيس البرازيل اليميني المتشدد لواشنطن فرصة مهمة لتوطيد العلاقات مع أكبر دولة في أميركا اللاتينية، ويأمل المسؤولون الأميركيون في أن تصبح البرازيل الشريك الرئيسي لواشنطن في المنطقة لاحتواء الآيديولوجيات اليسارية والنفوذ الصيني المتصاعد هناك. وفي هذا الإطار، صرح «جون بولتون» بأنه يريد إقامة تحالف عسكري مع البرازيل وكولومبيا لاحتواء نيكاراغوا وكوبا وفنزويلا، ومن شأن إقامة علاقة وثيقة بين البلدين أن تسمح لواشنطن بفرض مزيد من العزلة على الدول الثلاث، التي ارتبطت بعلاقات قوية مع البرازيل خلال حقبة حكم اليسار للبلاد.
وبدأت البرازيل في اتخاذ خطوات فعلية لتحقيق التقارب مع الولايات المتحدة؛ إذ أعلن وزير السياحة مؤخرًا اعتزام بلاده إلغاء تأشيرات زيارة الأميركيين، وهي الخطوة التي تصب من جهة في إطار جهود إدارة بولسونارو لإقامة علاقات أوثق مع الولايات المتحدة، كما أنها تأتي من جهة أخرى متسقة مع جهود البرازيل الهادفة إلى تنشيط الاقتصاد من خلال السعي لزيادة عدد السائحين القادمين إليها من 6.6 مليون سائح أجنبي سنويًا ليصل إلى 12 مليون سائح سنويًا بحلول عام 2022.
ويمكن للبرازيل أيضًا أن تسعى إلى تعاون أكثر عمقًا مع واشنطن في مجال مكافحة الجريمة العابرة للحدود الوطنية، وتعزيز الحماية على الحدود، وإقامة تنسيق أوثق في مجال مكافحة الإرهاب. إلى جانب التعاون العسكري المحتمل، لا سيما مع إعلان بولسونارو بأنه سيكون منفتحًا على إمكانية إقامة الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في بلاده، لمواجهة نفوذ روسيا المتصاعد في فنزويلا. وهذه الخطوة من شأنها أن تُشكل تحولاً جذريًا في السياسة الخارجية البرازيلية، التي لطالما عارضت أي وجود لقوات أجنبية على أراضي دول أميركا اللاتينية.
ورغم سعي بولسونارو إلى إقامة علاقات أوثق مع الولايات المتحدة، فإن ذلك ربما يحمل بعض المخاطر للبرازيل التي لا تزال دولة نامية، وسيكون من الخطر أن تركز جل اهتمامها على تعزيز العلاقات مع واشنطن، وإهمال بقية شركائها الدوليين، خاصة أن قربها الشديد من واشنطن من المرجح أن يتسبب في فقدانها لحضورها ونفوذها التقليدي في بعض البلدان والمناطق الأخرى.
هذا بالإضافة إلى أن بولسونارو سيكون مُطالبا بتعزيز استفادة بلاده من التقارب مع واشنطن، من أجل تنشيط اقتصاد البرازيل المتعثر، وخلق فرص عمل في بلد يبلغ عدد العاطلين فيه عن العمل أكثر من 27 مليون شخص، لذا فإن وجود علاقة أوثق مع الولايات المتحدة يمثل فرصة محتملة للبرازيل خاصة في حال اتفق البلدان على البدء في إجراء محادثات حول اتفاقية للتجارة الحرة بينهما.
ومع ذلك، فهناك عدد من القيود التي ربما تحول دون تعزيز العلاقات بين البلدين؛ فقيام الولايات المتحدة بفتح أسواقها أمام المنتجات البرازيلية مثل الصلب وفول الصويا سوف يضر بالناخبين الأميركيين الذين يعتمد عليهم الرئيس ترامب، ومن المحتمل أن يواجه التوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة عقبات كثيرة خاصة فيما يتعلق بالتفاوض حول المنتجات الزراعية.
وسيكون على الرئيس بولسونارو مواجهة تحديات كثيرة خارج نطاق الاقتصاد، لا سيما فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، لأنه بافتراض تفضيل الرئيس الأميركي عدم انتقاد الرئيس البرازيلي بسبب الانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان، فإن الكونغرس سوف يفعل ذلك بالتأكيد، في ظل الانتقادات التي وجهها بعض أعضاء مجلس النواب للرئيس البرازيلي الجديد لتشجيعه، خلال حملته الانتخابية، على العنف ضد المهاجرين، المثليين، والنساء، وكذلك لتصريحاته التي يشيد فيها بالديكتاتورية العسكرية التي حكمت البرازيل خلال الفترة من عام 1964 إلى عام 1985. لذا، فسيكون بولسونارو حكيمًا بعدم تركيز جل اهتمامه على تدعيم العلاقات مع الرئيس ترامب والحزب الجمهوري وحده في ظل سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، وعليه بذل الجهود لينُظر إليه باعتباره صديقا لكلا الحزبين.

2 - توتر في العلاقات مع الصين

مع سعي الرئيس بولسونارو لتدعيم الروابط السياسية والاقتصادية مع واشنطن، فتظل العلاقات ببكين حجر عثرة أمام تطور العلاقات البرازيلية الأميركية، كما سيكون لحدوث توتر في العلاقات مع الصين تداعيات خطيرة على الاقتصاد البرازيلي.
وفي هذا السياق، شن بولسونارو، خلال حملته للانتخابات الرئاسية، هجومًا حادًا على الصين التي رأى أنها «لا تشتري في البرازيل، بل تشتري البرازيل»، وأكد أن الاستثمارات الصينية تهدد سيادة بلاده، معربًا عن قلقه حيال الاعتماد المالي المتنامي للبرازيل على الصين، والذي ساهم في سيطرة بكين على قطاعات استراتيجية مهمة داخل الاقتصاد، مما تسبب في إثارة قلق بالغ بين القوميين البرازيليين، الذين يمثلون قاعدة انتخابية داعمة لبولسونارو.
ولم يقتصر موقف بولسونارو على تصريحاته التي هاجم فيها بكين، بل قام في وقت سابق من العام الماضي، بزيارة تايوان التي تخوض مع الصين نزاعًا دبلوماسيا حول استقلالها، وقد أثارت هذه الزيارة حفيظة بكين التي رأت فيها انتهاكًا لسياسة «الصين واحدة»، كما كان فوز بولسونارو مثار قلق من جانب المسؤولين الصينيين في ظل إعلان رغبته القوية في التعاون من الولايات المتحدة، التي شنت حربًا تجارية ضد بكين في وقت سابق من العام الماضي.
ومن الواضح أنه لا يوجد مجال ترتفع فيه المخاطر الاقتصادية لدى البرازيل أكثر من علاقاتها مع الصين، التي تُعد أكبر مستثمر منفرد في البرازيل، وكذلك أكبر شريك تجاري لها منذ عام 2009. لتحل محل الولايات المتحدة، حيث تشتري بكين كل شيء من البرازيل بدءًا من فول الصويا حتى خام الحديد. وبلغ حجم التجارة الثنائية نحو 75 مليار دولار خلال عام 2017. كما استثمرت بكين نحو 124 مليار دولار في البرازيل منذ عام 2003، في عدة مجالات ذات أهمية استراتيجية كبيرة، وتشمل الأنشطة الزراعية والتعدينية والبنية التحتية والطاقة. وتُعد البرازيل ثاني أكبر مدين للصين في المنطقة بعد فنزويلا، وخلال الفترة ما بين عامي 2005 و2017، حصلت على 12 قرضًا صينيًا بقيمة إجمالية قدرها 42.1 مليار دولار. علاوة على ذلك، فإن البرازيل والصين تربطهما علاقة «شراكة استراتيجية»، كما يتشارك البلدان في عضوية تجمع بريكس إلى جانب كل من الهند وروسيا وجنوب أفريقيا.
وبناء على تلك المعطيات، قام بولسونارو بالتراجع عن خطابه المناهض للصين، واختار خيار التهدئة مع بكين قائلاً: «إنه سيرحب بالاستثمارات الصينية»، كما صرح بأن «الصين والبرازيل دولتان عظيمتان والحكومة البرازيلية الجديدة تعلق أهمية كبيرة على التعاون مع الصين، وترغب في دفع العلاقات الثنائية إلى الأمام». ومن جانبها، أعربت الصين عن تطلعها للعمل بشكل أوثق مع البرازيل، كما أرسل الرئيس الصيني مبعوثه الخاص لحضور مراسم تنصيب بولسونارو في برازيليا.
وفي هذا الإطار، فإنه من غير المرجح أن يؤيد رئيس البرازيل الجديد بشكل كامل الحملة التي تقودها الولايات المتحدة للضغط تجاريًا على الصين، خاصة أن بعض القطاعات الاقتصادية في البرازيل قد استفادت من الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، وتحديدًا المزارعين والمصدرين البرازيليين لفول الصويا، الذين عملوا على سد الفجوة في الصادرات الأميركية للصين، مما أدى إلى زيادة صادرات فول الصويا إلى الصين من 20.3 مليار دولار في عام 2017 إلى 27.3 مليار دولار في عام 2018.
وفي ضوء ما سبق، فإنه من غير المحتمل أن يُخاطر بولسونارو بالشراكة الاقتصادية المهمة مع الصين، لا سيما في ظل تعهداته الانتخابية بجعل هدف إنعاش النمو الاقتصادي في مقدمة أولوياته. لذلك، فمن أجل إنعاش البرازيل لاقتصادها القومي، فإن الاعتماد على الصادرات إلى الصين، وعلى تدفقات رؤوس الأموال من العملاق الآسيوي (في شكل الاستثمار الأجنبي المباشر والقروض)، يُعد أمرًا لا غنى عنه بالنسبة للحكومة الجديدة. هذا بالإضافة إلى أن الرئيس البرازيلي الجديد يحتاج لدعم اللوبي القوي للصناعات الزراعية، والذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات إلى الصين، وفي حال توترت العلاقات مع بكين فإن ذلك سوف يؤثر بشكل مباشر على قاعدته الانتخابية ويضر بمؤيديه بالداخل. لذا، فسيظل التحدي الرئيسي أمام بولسونارو هو قدرته على إقامة علاقات متوازنة للبرازيل مع كل من الصين والولايات المتحدة على حدٍ سواء.

3- العلاقات مع الدول العربية وإسرائيل

تُمثل العلاقات مع الدول العربية وإسرائيل من مجالات السياسة الخارجية البرازيلية التي من المحتمل أن تشهد تغيرًا خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تعهدات الرئيس بولسونارو بنقل سفارة بلاده لدى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، لتصبح البرازيل، حال تنفيذ تلك التعهدات، ثالث دولة في الأميركتين، بعد الولايات المتحدة وغواتيمالا، تُقدم على هذه الخطوة.
وبتصريحات الرئيس بولسونارو بشأن نيته نقل سفارة بلاده، تدخل العلاقات البرازيلية الإسرائيلية مرحلة جديدة من التحسن والتطور، عقب عقود طويلة من التوتر والتراجع خلال فترة حكم تيار اليسار للبرازيل، الذي دعم قادته القضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية، كما ساندت الحكومات اليسارية البرازيلية مطالب الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.
وقد لاقى قرار الرئيس البرازيلي الجديد ترحيبًا كبيرًا من قبل رئيس وزراء إسرائيل «بنيامين نتنياهو»، الذي وصفه بأنه «تاريخي وصحيح»، كما رأى نتنياهو أن انتخاب بولسونارو «سيؤدي إلى صداقة كبيرة بين الشعبين، وإلى تعزيز العلاقات بين البرازيل وإسرائيل»، وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي بزيارة تاريخية للبرازيل مطلع الشهر الجاري للمشاركة في مراسم تنصيب بولسونارو، الذي يعتزم، بدوره، زيارة إسرائيل بحلول مارس (آذار) 2019.
وتسعى إسرائيل إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع البرازيل، حيث بلغت التجارة الثنائية بين البلدين ما يقرب من 1.2 مليار دولار في عام 2016، وتتطلع البرازيل إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجال تكنولوجيا المعلومات، وتعزيز التعاون في مجال السلاح من خلال شراء طائرات إسرائيلية من دون طيار، تستخدمها قوات الأمن البرازيلية في حربها المرتقبة ضد عصابات المخدرات والجريمة المنظمة.
وفي ذات السياق، رحبت بعض القوى البرازيلية بهذا القرار، وكان في مقدمتها المسيحيون الإنجيليون الذين يبلغ عددهم نحو 50 مليون نسمة أي ثلث المجتمع البرازيلي، ويدعمون الحكومة الإسرائيلية، ويربطون بين عودة اليهود إلى الأرض المقدسة وإقامة دولة إسرائيل وعودة المسيح المنتظر. وشكل المسيحيون الإنجيليون قوة تصويتية كبيرة لصالح بولسونارو في الانتخابات الأخيرة، وهو يحتاج إلى المضي قدمًا في هذا القرار لكي يحتفظ بدعم الإنجيليين للإصلاحات الاقتصادية الصعبة التي تعتزم إدارته تنفيذها.
ومن المنظور البرازيلي يقع قرار نقل سفارة البرازيل من تل أبيب إلى القدس في صلب التحالف البرازيلي الأميركي المرتقب، ورغم ذلك، فقد أثار مخاوف الكثير من القوى الداخلية؛ إذ يعتقد البعض في المؤسسة العسكرية أن القرار سيضع البرازيل في قلب الأزمات الجيوسياسية الأكثر حساسية في منطقة الشرق الأوسط، مما قد يزيد من خطر وقوع هجمات إرهابية ضد البرازيليين.
في حين يعتبر الليبراليون الاقتصاديون ولوبي القطاع الزراعي، أن هذه الخطوة من شأنها أن تؤدي إلى فقدان البرازيل لهيمنتها على سوق اللحوم الحلال في العالم، وكذلك لحصتها في أسواق الدول العربية، التي تُعد من المستوردين الرئيسيين للحوم البرازيلية، وفي هذا الإطار، نمت صادراتها من لحوم الأبقار إلى البلدان الإسلامية بنسبة 16 في المائة على أساس سنوي منذ عام 2000. وبلغت قيمة صادرات البرازيل من لحوم البقر والدجاج (7.67 مليار دولار) في عام 2017، إلى 17 دولة عربية، تأتي في مقدمتها السعودية، والإمارات، ومصر. وبلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين 20 مليار دولار خلال العام الماضي، وحققت البرازيل فائضًا بقيمة 7.1 مليار دولار مع الدول العربية، وعجزا تجاريًا بلغ 419 مليون دولار مع إسرائيل. كما تدرس بعض صناديق الثروة السيادية العربية الرئيسية الاستثمار في مشاريع البنية التحتية البرازيلية المختلفة.
وتخشى بعض القوى الداخلية في البرازيل من أن تُعرض تعهدات بولسونارو باقتفاء خُطى الرئيس الأميركي «دونالد ترمب» ونقل سفارة البرازيل من تل أبيب إلى القدس، العلاقات التجارية الجيدة مع العرب لمخاطر جمة. وكان ذلك واضحًا مع قرار مصر إلغاء زيارة وزير الخارجية البرازيلي إلى القاهرة مؤخرًا، كما بعث الأمين العام لجامعة الدول العربية «أحمد أبو الغيط» رسالة إلى الرئيس البرازيلي الجديد أكد فيها أن تصريحات الأخير بشأن نقل سفارة بلاده «موضع انزعاج كبير من جانب العرب»، كون البرازيل «دولة ذات سمعة طيبة في احترام القانون الدولي». وأشار إلى أن برازيليا «تجمعها والدول العربية علاقات قديمة ومتشعبة قائمة على الاحترام والتعاون المتبادلين». وأضاف أبو الغيط أن «مثل تلك الخطوة ينبغي تدبرها جيدًا قبل اتخاذ قرار بشأنها لما لها من أهمية محورية للجانب العربي، ومن تداعيات محتملة على العلاقات والمواقف العربية مع أي طرف».
ومن جانبه، أكد الرئيس اليميني في مؤتمر صحافي، أنه لا يعتقد أن الأمر سيؤدي إلى «أجواء مشحونة» في العلاقات بين البرازيل والشرق الأوسط. مؤكدًا أن بلاده «تكن أكبر قدر من الاحترام لشعب إسرائيل وللشعب العربي ولا تريد إثارة مشاكل مع أحد». وأضاف: «نريد تبادل التجارة مع الجميع والسعي إلى حلول سلمية لمعالجة المشاكل». وفي ذات السياق، أكد مستشار الأمن القومي لبولسونارو، الجنرال المتقاعد «أوجوستو هيلينو»، أنه لا يعتقد أن الصادرات ستتعرض للتهديد»، مشيرًا إلى قيام الدبلوماسيين البرازيليين بالعمل مع الشركاء التجاريين في الشرق الأوسط لتهدئة مخاوفهم.

التداعيات الإقليمية المحتملة لانتخاب بولسونارو

جاء انتخاب بولسونارو باعتباره جزءًا من موجة صعود زعماء وقادة تيار اليمين إلى سدة السلطة في أميركا الجنوبية، وذلك عقب موجة «المد الوردي» التي توجت خلال العقود الماضية بحكم تيار اليسار للكثير من دول المنطقة. فبالإضافة إلى فوز اليميني «جايير بولسونارو»، فقد شهد عام 2018. وصول مرشح تيار اليمين «إيفان دوكى» إلى سدة السلطة في كولومبيا، وكذلك «ماريو بينيتيز» في باراغواي، و«سيباستيان بينيرا» في شيلي. وشهدت الأعوام 2015، 2016، و2017، فوز مرشحي تيار اليمين في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الأرجنتين، وشيلي، وبيرو.
وأدى انتصار بولسونارو إلى إثارة نقاش وجدل واسعي النطاق داخل أميركا الجنوبية، يتعلق بتأثير موجة الصدمة التي ولدها فوز اليميني المتطرف داخل دول القارة الأخرى. ويبدو أن تصاعد الأصوات المعادية للأجانب في بعض عواصم أميركا اللاتينية، إلى جانب تزايد المطالب بتقييد الهجرة وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، يوحي بأنه سيكون هناك تأثير واضح لفوز بولسونارو على دول المنطقة. لكن السؤال الأكثر تعقيدًا هو ما إذا كان القادة المنتخبون الجدد في أميركا الجنوبية سيسعون إلى تبني نفس القيم التي يعتنقها بولسونارو (أي الدفاع عن أجندة مناهضة للإجهاض، والمثليين، والمرأة، والمهاجرين، واتباع سياسة متشددة بشأن الجريمة، وإشراك الجيش في مسائل الأمن الداخلي)، وذلك بدعم من الكنائس الإنجيلية، وقد أصبحت مثل هذه الأسئلة شائعة الآن بشكل متزايد في مختلف دول المنطقة. وهناك جدل آخر، يدور حول علاقة الحكومة الجديدة بدول الجوار، وتحديدًا الأرجنتين، وكذلك فنزويلا، وكوبا.

1- العلاقات مع الأرجنتين: تقارب حذر

تقليديًا، كانت أول رحلة خارجية يقوم بها الرئيس البرازيلي المنتخب إلى الأرجنتين، غير أن الرئيس بولسونارو أعلن أن أول رحلاته الخارجية ستكون لشيلي، في ظل العلاقة الوطيدة التي تربطه بالرئيس اليميني المحافظ هناك. وخلال العقود الماضية، ربطت البرازيل والأرجنتين علاقات قوية وجمعهما تحالف استراتيجي، ساهم إلى حد كبير في تحقيق السلام والاستقرار السياسي في المنطقة.
بيد أن التقارب البرازيلي مع واشنطن ربما يسهم في إحداث تغيير في التوازن الإقليمي ويشكل تحديًا حقيقيًا للأرجنتين التي سعى رئيسها «ماريسيو ماكري» إلى جعل بلاده شريكًا موثوقًا لواشنطن في المنطقة، مستفيدًا في ذلك من علاقته الشخصية القديمة مع ترامب، حتى قبل توليه السلطة. وفي ذات السياق، دعمت إدارة ترامب الأرجنتين، بما في ذلك دعم خطة إنقاذ صندوق النقد الدولي التي بلغت 56 مليار دولار لإخراج اقتصاد الأرجنتين من الركود الاقتصادي. وكان المسؤولون الأميركيون في إدارة ترامب يأملون أن تقوم حكومة ماكري «بتعزيز الرخاء في الداخل»وإقناع زعماء وقادة المنطقة بـ«التخلي عن النزعة اليسارية»، لكن الأزمة الاقتصادية التي تشهدها الأرجنتين قوضت من أهميتها كنموذج ناجح للرأسمالية في أميركا الجنوبية، لتصبح البرازيل بذلك، الأمل الكبير لواشنطن في المنطقة.
بعبارة أخرى، فإن توثيق العلاقات البرازيلية الأميركية من المرجح أن يُفقد الأرجنتين بعض نفوذها السياسي لدى واشنطن، وإذا تمكن بولسونارو من تنفيذ برنامجه الاقتصادي، فسوف تفقد الأرجنتين جانبًا كبيرًا من جاذبيتها بالنسبة للمستثمرين الأجانب، أما البرازيل فعلى العكس سوف تصبح قادرة على جذب الاستثمارات الأجنبية إليها.
وبالنظر إلى ما تمثله السوق البرازيلية من أهمية خاصة للاقتصاد الأرجنتيني، فإن العلاقات مع البرازيل، أكبر شريك تجاري لها، تظل لها أهمية قصوى؛ إذ قامت الأخيرة في عام 2017، باستيراد ما مجموعه 9.3 مليار دولار، أي ما يقرب من 16 في المائة من إجمالي صادرات الأرجنتين.وبناء على ما سبق، سعى الرئيس «ماريسيو ماكري» إلى إحداث تقارب في العلاقات مع البرازيل التي قام بزيارتها في 16 يناير الجاري. وصرح عقب لقائه بالرئيس البرازيلي في قصر بلانالتو الرئاسي: «هذا الاجتماع يظهر استعدادنا للعمل سويا». ومن جانبه، أكد بولسونارو إن زيارة ماكري تمثل فصلاً جديدًا في العلاقات بين البلدين، مضيفا أن البرازيل ستعمل على تعزيز العلاقات مع الأرجنتين.

2- العلاقات مع فنزويلا وكوبا: توتر وقطيعة

شن الرئيس البرازيلي المنتخب هجومًا حادًا، خلال حملته الانتخابية، ضد الأنظمة اليسارية في فنزويلا وكوبا، واتخذ موقفًا متشددًا منهما، إذ رأى أن فنزويلا تمثل مشكلة كبيرة للأمن الإقليمي في أميركا الجنوبية. وعمل بولسونارو على استغلال وتوظيف الاضطرابات الاقتصادية والسياسية في فنزويلا كوسيلة لثني الناخبين عن الاستمرار في انتخاب القادة اليساريين.
ومؤخرا رفضت الإدارة البرازيلية الجديدة الاعتراف باليساري «نيكولاس مادورو» رئيسًا لفنزويلا لولاية ثانية بدأت في العاشر من يناير الجاري وتستمر حتى عام 2025، وزعمت وزارة الخارجية البرازيلية في بيان لها بأن مادورو، الذي تولى السلطة عقب وفاة «هوغو شافيز» في عام 2013قد «قاد بلاده إلى خراب اقتصادي، وترأس جهازا للجريمة المنظمة، يقوم على الفساد، والاتجار بالمخدرات والبشر، وغسل الأموال والإرهاب».
وعمل بولسونارو خلال الأيام الماضية على تكثيف الضعوط الدبلوماسية لتضييق الخناق على الحكومة الاشتركية في فنزويلا؛ إذ رفضت البرازيل مع ثماني عشرة دولة أخرى عضوًا في منظمة الدول الأميركية الاعتراف بولاية مادورو الجديدة بسبب عدم وفائه بالمعايير الأساسية للمنظمة والخاصة بحقوق الإنسان والديمقراطية، كما استقبل الرئيس البرازيلي الجديد بعض قادة المعارضة الفنزويلية في 17 يناير الجاري ببرازيليا، وتعهد خلال اللقاء بأن حكومته ستفعل «كل شيء من أجل استعادة الديمقراطية في فنزويلا».
ومن الواضح أن الولايات المتحدة وجدت في فوز جايير بولسونارو برئاسة البرازيل فرصة ذهبية لتضييق الخناق على الرئيس الفنزويلي، في ظل قيام برازيليا بالاعتراف برئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية التي تسيطر عليها المعارضة اليمينية، خوان غوايدو، رئيسًا انتقاليًا للبلاد، لتحذو بذلك حذو واشنطن، التي رأت في مادورو رئيسًا "غير شرعي، وغير ديمقراطي". وقد أفضى اعتراف واشنطن وبرازيليا بغوايدو رئيسًا لفنزويلا بالوكالة إلى تعميق الانقسام بين دول أميركا اللاتينية، فبينما حذت كل من: بيرو، والإكوادور، وباراغواي، وشيلي، وبنما، والأرجنتين، وكولومبيا، وكوستاريكا، وكذلك منظمة الدول الأميركية، حذو واشنطن وبرازيليا في موقفهما الداعم لجوايدو، فقد عارضت ذلك كل من كوبا، والمكسيك، والإكوادور، ونيكاراغوا، وبوليفيا، معلنة دعمها للرئيس مادورو في مواجهة ما وصفوه بالانقلاب الأميركي ضده. وكما قسم الاعتراف الأميركي بغوايدو رئيسًا انتقاليًا لفنزويلا أميركا اللاتينية، فقد تسبب في انقسامات حادة في المواقف بين القوى الدولية المختلفة، فبينما أيدت فرنسا، وبريطانيا، وكندا الخطوة الأميركية، فقد عارضتها روسيا، والصين، وتركيا، وإيران.
وفي السياق ذاته، توترت العلاقات البرازيلية مع كوبا مؤخرا، حيث قامت هافانا بإنهاء برنامج «المزيد من الأطباء»، ردًا على انتقادات بولسونارو الذي اشترط لوجود هؤلاء الأطباء، إعادة تقييم قدراتهم في اختبارات تشرف عليها السلطات البرازيلية، وتسليمهم أجورهم بالكامل والسماح لهم باستقدام عائلاتهم. خاصة أن هافانا تدفع لهؤلاء الأطباء خلال مهمتهم 30 في المائة من أجورهم، فيما تموّل النسبة الباقية الموازنة العامة لكوبا. لكن بولسونارو شبّه هذه الشروط بـ«العبودية»، مؤكدًا رفضه تمويل «النظام الديكتاتوري الكوبي»، على حد تعبيره، مهددًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كوبا. جدير بالذكر أن الأخيرة تشارك في هذا البرنامج منذ 2013. عبر منظمة الصحة للبلدان الأميركية، ويقوم بمقتضاه الأطباء الكوبيون البالغ عددهم أكثر من عشرة آلاف طبيب، بمساعدة المواطنين في المناطق النائية والفقيرة في البرازيل.
ويأتي الموقف البرازيلي من فنزويلا وكوبا على النقيض من موقف رئيس البرازيل الأسبق اليساري «لولا دا سيلفا»، الذي تولى رئاسة البلاد خلال الفترة من عام 2003 إلى عام 2010، وأقام روابط قوية مع حكومات دول المنطقة ذات الميول اليسارية، وأبرزها فنزويلا، وكوبا، وبوليفيا.وعلى الجانب الآخر، فإن موقف الإدارة البرازيلية الجديدة من النظم اليسارية في أميركا اللاتينية، يأتي متوافقًا إلى حد كبير مع الموقف الأميركي، إذ سبق أن وصف مستشار الأمن القومي الأميركي «جون بولتون»، كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا بأنها «ترويكا الاستبداد»، و«مثلث الإرهاب»، و«سبب المعاناة الإنسانية الهائلة، وعدم الاستقرار الإقليمي في نصف الكرة الغربي». كما قامت الولايات المتحدة بتخفيض عدد موظفي السفارة الأميركية في هافانا، وطرد خمسة عشر دبلوماسيا كوبيًا من الولايات المتحدة، إضافة إلى قيام واشنطن بفرض عقوبات على نظام الرئيس «دانييل أورتيغا» في نيكاراغوا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إلى جانب طرح الرئيس ترامب خلال العام الماضي فكرة «الخيار العسكري» في التعامل مع الأزمة المتفاقمة في فنزويلا، كما فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على أكثر من سبعين من الأفراد والكيانات الفنزويلية.
وفي هذا الإطار، سيواجه الرئيس البرازيلي المنتخب تحديًا جديدًا يتمثل في قدرة بلاده على استعادة القيادة الإقليمية للأزمة الفنزويلية، بعدما شهد الدور الإقليمي للبرازيل تراجعًا كبيًرا منذ عام 2013، على خلفية الأزمة السياسية والاقتصادية التي عانت منها البلاد. ويمكن القول: إن قيادة البرازيل الإقليمية ستقاس بناء على مدى قدرتها على تعبئة جهود دول المنطقة للتعامل مع الأزمة الفنزويلية، وتحديدًا حشد تأييد بعض الدول التي ترفض الإطاحة بمادورو، وخاصة: بوليفيا، والمكسيك، ونيكاراغوا، ناهيك عن كوبا.

3- مستقبل التجمعات والمنظمات الإقليمية

من بين المسائل ذات الأهمية المحورية، سواء في البرازيل أو خارجها، تلك المتعلقة بمستقبل تجمع ميركوسور (السوق المشتركة لأميركا الجنوبية)، والتي تُعد البرازيل عضوًا فيه إلى جانب الأرجنتين، وأوروغواي، وباراغواي. حيث تشعر البلدان الثلاثة بالقلق إزاء تصريحات وزير الاقتصاد البرازيلي «باولو جويديس» التي أشار فيها إلى أن الميركوسور لن يكون أولوية بالنسبة للحكومة البرازيلية الجديدة، وذلك رغم تراجعه عن تلك التصريحات فيما بعد، حيث أكد على أنه «لم يرغب أبدًا في الإساءة إلى ميركوسور أو الأرجنتين»، و«أن الأولوية بالنسبة لبلاده تكمن في مواجهة العجز المالي المتفاقم».
وبصفة عامة، فإن مستقبل تجمع ميركوسور يتوقف بدرجة كبيرة على العلاقة الشخصية التي ستقام بين الرئيسين الأرجنتيني والبرازيلي، اللذين أكدا خلال زيارة الرئيس الأرجنتيني لبرازيليا على اهتمامهما بإصلاح قواعد العمل بالتجمع، بهدف السماح بالمزيد من المرونة للاتفاقات الثنائية.
وفي ذات السياق، من المرجح حدوث تراجع في اهتمام الحكومة الجديدة بتعزيز دور التجمعات والمؤسسات الإقليمية التي لعبت حكومات حزب العمال اليساري في البرازيل، دورًا محوريا في إنشائها، ومن بينها تجمعا الأونوسار والسيلاك. وهو ما يأتي على النقيض من سعي الرئيس الأسبق «لولا دا سيلفا» إلى تعزيز التكامل بين دول المنطقة من خلال بناء مؤسسات للتكامل الإقليمي سياسيا واقتصاديا.

تحديات السياسة الخارجية البرازيلية

من المرجح أن تسفر السياسة الخارجية التي يعتزم الرئيس الجديد تنفيذها، عن مخاطر غير مسبوقة بالنسبة للبرازيل، خاصة أنها ستعتمد على شراكات دولية غير مختبرة من قبل. وسوف تواجه السياسة الخارجية البرازيلية في عهد بولسونارو تحديات عدة، يأتي في مقدمتها:
 

 تخفيف حدة التوتر بين القوى المؤثرة في السياسة الخارجية

سوف تكون السياسة الخارجية البرازيلية محصلة تنافس، إن لم يكن صراع بين ثلاث قوى داخل الحكومة الجديدة، وهي: القوميون - الشعبويون، الذين يلقبون أنفسهم بـ«مناهضي العولمة»، كبار القادة العسكريين، والليبراليون الاقتصاديون في وزارتي الاقتصاد والزراعة. وثمة خلاف وأحيانًا تضارب في الرؤى بين تلك القوى، فيما يتعلق بالعلاقات مع الصين والعالم العربي، وكذلك الدور البرازيلي في أميركا اللاتينية ومشاركتها في المنتديات الدولية متعددة الأطراف وخاصة المتعلقة بالمناخ والهجرة.
ويتمحور الفريق الخاص بمناهضي العولمة حول وزير الخارجية «أرنستو أراوجو» وابن الرئيس بولسونارو، النائب «إدواردو بولسونارو»، وكذلك «فليب مارتين»، مستشار الرئيس للشؤون الخارجية. ويرفض هؤلاء المبادئ المتعلقة بالقيم الليبرالية والانخراط في المنظمات الدولية، ويفضلون بدلاً عن ذلك اتباع سياسة خارجية تكون مزيجًا من المبادئ القومية، والدينية، والانعزالية، والتي تأتي متسقة إلى حد كبير مع الرؤى التي يتبناها الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، لذا فإن هؤلاء يدافعون عن توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة، ويؤيدون الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما يفضلون انسحاب البرازيل من اتفاقية باريس للتغير المناخي وميثاق الأمم المتحدة بشأن الهجرة. ومواقف هذا الفريق من شأنها إحداث تحول جوهري في شبكة التحالفات والشراكات التي كونتها البرازيل على مدار العقود الماضية.
أما القادة العسكريون الذين يشغلون مناصب عليا داخل الحكومة البرازيلية، ويشكلون تقريبًا ثلث الحكومة، فهم يمثلون وجهة النظر المحافظة في السياسة الخارجية، ولديهم توجهات معارضة للتقارب مع الحكومات اليسارية في أميركا اللاتينية، كما أن لديهم اهتمامًا خاصًا بتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة، وهم ناقدون للمنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان. وقد شارك بعضهم في الكثير من البعثات الدولية الخاصة بحفظ السلام، سواء في هايتي أو أفريقيا، ولدى هؤلاء قناعة راسخة بأهمية المشاركة في تلك البعثات بالنسبة للدور الدولي للبرازيل. وفي المجال الاقتصادي، فإن قادة الجيش داخل الحكومة البرازيلية الحالية لديهم انفتاح على حرية التجارة والعولمة ويؤيدون تطبيق السياسات الاقتصادية التقشفية شريطة عدم المساس بامتيازاتهم المادية الخاصة، لذا فإنهم يدعمون الليبراليين الاقتصاديين في هذا الشأن.
ويمثل الليبراليين الاقتصاديين بدرجة أساسية وزير الاقتصاد «باولو جويديس»، وكذلك عدد من كبار المستشارين داخل البنك المركزي ووزارة الزراعة. ولدى هؤلاء اهتمام خاص بالقضايا الاقتصادية العالمية، والمفاوضات التجارية، وجذب الاستثمارات الأجنبية. ويرغب الليبراليون الاقتصاديون في الحفاظ على الشركاء التجاريين للبرازيل، وعدم إحداث توتر في العلاقات معهم. ذلك لأنه على الرغم من ضعف التجارة الخارجية البرازيلية (أقل من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، فإنها عالمية في توجهاتها بدرجة كبيرة، حيث تمثلت الوجهات الرئيسية للتجارة الخارجية البرازيلية خلال عام 2018 في كل من: الصين (27.8 في المائة)، وأوروبا (20 في المائة)، والولايات المتحدة (12 في المائة)، والأرجنتين (6.2 في المائة)، والشرق الأوسط (4.1 في المائة).
ويسعى وزير الاقتصاد الجديد إلى جعل الاقتصاد البرازيلي أكثر انفتاحًا وأقل بيروقراطية، لكنه يواجه معارضة من قبل مناهضي العولمة الذين يمكن أن تتسبب أفكارهم القومية والدينية في إحداث توتر في العلاقات مع شركاء البرازيل التجاريين ومنهم الصين والدول العربية، علاوة على أن رفضهم لاتفاقية باريس للتغير المناخي عدها الاتحاد الأوروبي عقبة أمام إحراز تقدم في مفاوضاته لإقامة منطقة للتجارة الحرة مع تجمع ميركوسور. ويؤيد أجندة السيد جويديس، المسيحيون الإنجيليون، لكنهم في ذات الوقت يساندون أفكار مناهضي العولمة وتحديدًا تلك المتعلقة بالقدس وإسرائيل، وذلك على الرغم من أن الأخيرة لا تقع ضمن قائمة أكبر ثلاثين شريكًا تجاريًا للبرازيل، مما لا يجعلها تمثل أهمية خاصة بالنسبة لليبراليين الاقتصاديين ومؤيدي اقتصاد السوق الحرة.
ومن الصعوبة بمكان التنبؤ بمن سيكون له الغلبة في التنافس والتجاذب بين تلك القوى والمجموعات، وإذا كان مناهضو العولمة هم الأعلى صوتًا بسبب تصريحاتهم المثيرة للجدل، فإن ذلك لا يعني أنهم سيكونون بالضرورة الأكثر تأثيرًا على خطط السياسة الخارجية التي يعتزم بولسونارو تنفيذها. هذا بالإضافة إلى أن احتفاظه بدعم القوى الثلاث ليس بالمهمة السهلة، فبينما يُهاجم وزير الخارجية، العولمة، يعد وزير الاقتصاد بتنفيذ إصلاحات ليبرالية، بما في ذلك الخصخصة وفتح البرازيل أمام التجارة والمنافسة العالمية، وفي حين يتعهد بولسونارو بالدفاع عن السيادة الوطنية لبلاده في إطار علاقاتها الدولية، فقد رحب باستضافة قاعدة عسكرية أميركية في البرازيل، لمواجهة النفوذ الروسي المتعاظم في المنطقة، وهو ما يأتي متوافقًا مع توجهات القادة العسكريين في حكومته الجديدة، وجميعها مؤشرات تكشف بوضوح عن وجود تناقض في قلب مشروع بولسونارو.
وبصفة عامة، من المرجح أن تسعى المجموعات الثلاث جميعها إلى توظيف السياسة الخارجية لخدمة أهدافها الخاصة، والتي سوف تتقارب في بعض الأحيان، وتتصادم في أحيان أخرى، مما يخلق نظامًا مرنًا من التحالفات المؤقتة، إضافة إلى أنه لا يوجد لدى أي من المجموعات الثلاث أي حافز للدفاع عن الوضع الراهن، مما يرجح التحول المرتقب في السياسة الخارجية البرازيلية خلال الفترة المقبلة
.

 تحسين صورة البرازيل في الخارج

من التحديات المهمة التي سيواجهها الرئيس المنتخب، تحسين صورة البرازيل وسمعتها الدولية التي تضررت بفعل تصريحاته المتطرفة خاصة تلك المتعلقة بقضايا تغير المناخ، والهجرة، وحقوق الإنسان، والهجوم على المؤسسات الدولية.
وفي هذا الإطار، يمكن القول: إن ضبط مسار السياسة الخارجية في البرازيل يمثل أهمية خاصة بالنسبة للمكانة الدولية لأكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية ورابع أكبر ديمقراطية على مستوى العالم. ذلك أن البرازيل مثلت، خلال العقود الماضية، نموذجًا للبلد المدافع عن قيم الديمقراطية، والتنوع، وحقوق الإنسان، كما شاركت بقوة ونشاط في مختلف الفاعليات الدولية الخاصة بحماية البيئة، ولعبت دورًا رئيسيًا في مفاوضات البيئة العالمية، وشهدت تنظيم الكثير من المؤتمرات السنوية، حيث استضافت في عام 1992 قمة الأرض في ريو دي جانيرو، ولعب بعض دبلوماسييها دورًا حاسما في سد الفجوة بين رؤى الدول الغنية والفقيرة، وخاصة خلال صياغة اتفاقية باريس للتغير المناخي في عام 2015، وقد دافعت البرازيل، تاريخيًا، عن مبدأ «مسؤوليات مشتركة ولكن مختلفة» حول الالتزامات البيئية، ونادت بضرورة الأخذ في الاعتبار المسؤولية التاريخية للدول الصناعية المتقدمة عن مشكلات البيئة العالمية، وضمان حق البلدان الفقيرة في التنمية والتطور.
وتُعد البرازيل دولة رائدة في مجال الطاقة النظيفة والمتجددة، لا سيما الوقود الحيوي («بيو - فيول» أو «بيو - ديزل»)، إذ يُعد إنتاج الإيثانول من قصب السكر أحد المشروعات الحكومية الناجحة في البرازيل لإمداد السيارات بالوقود. وتتقدم البرازيل الكثير من دول العالم في إنتاج الوقود الحيوي؛ حيث تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية، إنتاجًا له، والأولى تصديرًا له في العالم. وخلال عام 2018، جاء نحو 65 في المائة من إمدادات الكهرباء من مشاريع الطاقة الكهرومائية الضخمة، وأكثر من 15 في المائة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية. واجتذبت مشروعات الطاقة المتجددة استثمارات تقدر بنحو 6 مليارات دولار في عام 2017. وتحتل البرازيل مكانة مهمة في مجال البيئة العالمية، لاحتضانها غابات الأمازون التي توصف بـ«رئة العالم»؛ حيث إنها أكبر غابة استوائية مطيرة على مستوى العالم، كما أنها تمثل «أكبر مستودع للتنوع الحيوي»، والأنواع النباتية والحيوانية النادرة، ويقدرها البعض بأربعة ملايين نوع.
وفي ضوء ما سبق، يتطلع العالم إلى البرازيل بشغف وقلق متزامنين؛ فتعاونها أو تقاعسها في السياسة البيئية العالمية يُحدد جانبا مهمًا من مستقبل كوكب الأرض. وفي هذا السياق، يضع انتخاب جايير بولسونارو رئيسًا للبرازيل مكانة البلاد، كمدافعة عن البيئة العالمية والتنمية المستدامة، موضع شك كبير، ويخشى البعض من أنها أضحت «مهددًا» للبيئة، حيث أرسل بولسونارو إشارات متضاربة حول اتفاقية باريس للتغير المناخي، فبعد أن هدد خلال حملته الانتخابية بانسحاب بلاده من الاتفاقية، عاد وتراجع عن هذا التهديد استجابة للضغوط الدولية، خاصة الأوروبية، في ظل خشيته فقدان الأسواق الأوروبية التي تستهلك كميات كبيرة من صادرات البرازيل من فول الصويا واللحم البقري.
ورغم تراجع الرئيس البرازيلي المنتخب عن تهديداته بانسحاب بلاده من اتفاقية باريس للتغير المناخي، فما زالت تقوم إدارة بولسونارو بتقويض التزامات البرازيل الدولية في مجال حماية البيئة من خلال السماح لشركات التعدين والزراعة بتوسيع أنشطتها التجارية إلى غابات الأمازون، التي تعهد بولسونارو بفتحها أمام الأنشطة الزراعية والتعدينية. ووفقًا لأحدث بيانات رسمية، فإن إزالة الغابات في البرازيل في تزايد بعد فترة طويلة من الانخفاض، حيث تمت إزالة ما يقرب من ثمانية آلاف كيلومتر مربع من الغابات بين عامي 2017 و2018.
علاوة على ذلك، سحبت البرازيل ترشحها لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة حول تغير المناخ، المقرر عقده في نوفمبر 2019. مما يؤكد موقف بولسونارو المناهض للبيئة، والذي يرى أن التنمية الاقتصادية تتعارض مع حماية البيئة، وأن الاعتبارات المتعلقة بحماية كوكب الأرض لا ينبغي أن تعرقل الصناعة، لا سيما قطاع الصناعات الزراعية الضخم في البرازيل، الذي يشكل اللوبي الخاص به واحدًا من الكتل البرلمانية المهمة في الكونغرس. وفي ذات السياق، أوقف وزير البيئة الجديد: «ريكاردو ساليس»، جميع الشراكات والاتفاقات مع المنظمات غير الحكومية لمدة تسعين يومًا، في خطوة وصفت بأنها «حرب ضد المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حماية البيئة». واعتبر وزير الخارجية أن الأحاديث عن التغيرات المناخية ليست سوى «مؤامرة ماركسية» تهدف لزرع الخوف، وإعاقة النمو الاقتصادي في الدول الغربية لصالح الصين.
ولم يتوقف الأمر على تراجع الموقف البرازيلي المدافع عن البيئة، فقد أعلن بولسونارو في العاشر من يناير الجاري، انسحاب بلاده من ميثاق الأمم المتحدة بشأن الهجرة، الذي وقعت عليه الحكومة البرازيلية المنتهية ولايتها في ديسمبر (كانون الأول) 2018، أي قبل أسابيع من تولي بولسونارو مهام منصبه. وفي هذا السياق، أكد الرئيس البرازيلي ضرورة تحديد سياسات الهجرة على المستوى الوطني، دون أي ضغوط خارجية، وكتب في تغريدة له أنه «يريد من المهاجرين إلى البرازيل ترديد النشيد الوطني واحترام ثقافة بلاده»، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لن يرفض مساعدة من يعبرون الحدود. كما وصف وزير الخارجية البرازيلي الميثاق بأنه «أداة غير كافية للتعامل مع مشكلة الهجرة»، رافضًا التعامل مع الهجرة كمسألة عالمية، بل بما يتوافق مع واقع وسيادة كل بلد.
جدير بالذكر أن انسحاب البرازيل من ميثاق الأمم المتحدة بشأن الهجرة لن يؤثر فقط على المهاجرين إليها، بل ربما يؤثر على أكثر من ثلاثة ملايين برازيلي يعيشون في الخارج، كما أن هذه الخطوة تؤثر بالسلب على صورة البرازيل في العالم كدولة قائمة على احترام التنوع والاختلاف بين مواطنيها، والترحيب بالمهاجرين من مختلف دول العالم، خاصة أنها تُعد واحدة من الوجهات الأساسية لأعداد كبيرة من الفنزويليين الفارين من أزمة سياسية واقتصادية طاحنة في بلدهم، حيث طلب ما لا يقل عن 65 ألف فنزويلي اللجوء في البرازيل على مدار السنوات الأربع الماضية، وفقًا لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين
.

 تقليص الخسائر الاقتصادية مع الشركاء التجاريين

سيكون على بولسونارو معالجة الكثير من التحديات النابعة من فلسفة السياسة الخارجية التي يتبناها، والتي يأتي في مقدمتها: ضمان إقامة علاقة قائمة على المنافع المتبادلة مع الولايات المتحدة، وتقليل التوترات التي ظهرت مع الشركاء التجاريين التقليديين خلال الأسابيع الماضية، لا سيما الصين، والأرجنتين، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية. ذلك أن تجاهل أهمية هؤلاء الشركاء يمكن أن تكون له تكلفة مرتفعة بالنسبة للبرازيل ليس فقط بالمعنى الدبلوماسي بل أيضًا بالمعنى الاقتصادي لأكبر بلد في أميركا اللاتينية، والبالغ تعداده 200 مليون نسمةوبالتزام الرئيس البرازيلي بتنفيذ تعهداته الانتخابية فيما يتعلق بالعلاقات الدولية للبرازيل، فإنه سيكون قد ارتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه اليسار، وذلك من خلال إرساء سياسة خارجية قائمة على التقارب الآيديولوجي المؤقت، وليس على المصلحة الوطنية الدائمة.
بالإضافة إلى ذلك، فسيكون على بولسونارو تقديم رؤية متكاملة لمستقبل تجمع بريكس، لا سيما الأفكار الرئيسية التي ستطرحها البرازيل خلال فترة رئاستها المؤقتة للبريكس، والتي بدأتها هذا الشهر ولمدة عام واحد، حيث سيحظى بولسونارو بفرصة مهمة ليبدو كرجل دولة محنك عندما يستضيف قمة بريكس الحادية عشرة في نوفمبر المقبل؛ لأنه سوف يستقبل في بلاده قادة كل من الصين والهند وجنوب أفريقيا وروسيا، بالإضافة إلى بعض القادة الآخرين الذين تدعوهم الدولة المضيفة عادة للمشاركة في القمة
.


باحثة متخصصة في شؤون أميركا اللاتينية والكاريبي

 


اشترك في النقاش