سوريا والشرق الأوسط بعد الانسحاب الأميركي

تسبب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سحب قوات بلاده من المنطقة بقلق الكثيرين حول تداعيات قراره، وذلك بعد قرابة ثماني سنوات من الحرب الأهلية في سوريا. ودفع قراره البعض لإعادة التفكير في استراتيجياتهم وخططهم على المدى القصير.
وعلى الرغم من هرع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى المنطقة لمحاولة طمأنة الزعماء والشعوب بأن هذا الانسحاب مجرد خطوة تكتيكية وبأنه لن يؤثر على سياسة الولايات المتحدة الخارجية ضد التهديدات الإقليمية لإيران، فإن المخاوف تبقى حقيقية وجدية.
ويبدو أن قرار الانسحاب يتجاوز سحب نحو ألفي جندي من سوريا، إذ كانت ردود الفعل عليه داخل الولايات المتحدة صاخبة بما يكفي لتصل إلى المنطقة وتسبب القلق. ولا يشكل هذا القرار- الذي قال الجيش إنه بدأ يسحب العتاد يوم الجمعة الماضي- سوى مثال آخر على انفصال الولايات المتحدة بشكلٍ أكبر عن الشرق الأوسط وهذا بالتأكيد ليس مفاجئًا أو غير متوقع لأن الإشارات التي تدل على عدم رغبة الولايات المتحدة بالتورط في اضطرابات المنطقة ليست جديدة.
 
الفراغ الذي سيُملأ
تتركز معظم القوات الأميركية في شمال شرقي سوريا حيث تقع آخر معاقل تنظيم داعش، ولكن يحتفظ الجنود أيضًا بقاعدة بالقرب من جنوب سوريا في منطقة تعرف باسم التنف على الحدود مع العراق. وينظر إلى القاعدة على أنها أساسية لرصد وإحباط الجهود الإيرانية لنقل الأفراد والأسلحة إلى سوريا عبر البر. ويبقى من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسحب قواتها من قاعدة التنف، ولكن إذا حصل ذلك بالفعل، فستستطيع إيران نقل ميليشياتها وأسلحتها- وأموالها– بسهولة من العراق إلى سوريا والعكس كذلك. ولا تبدو روسيا جادة أو مهتمة باحتواء إيران، خاصة في تلك المنطقة، كونها لا تتداخل مع مصالح بوتين في سوريا.
وسيتسبب انسحاب الولايات المتحدة ببقاء القوى الإقليمية منفردة مع أجهزتها الخاصة، وستتجه دول خارجية أخرى نحو سوريا لسد هذه الفجوة. وتنتظر روسيا وإيران مثل هذه الفرصة الممتازة منذ فترة. وعززت إيران علاقاتها مع الميليشيات في سوريا والعراق ولبنان واليمن، مما أدى إلى تقويض حكوماتها. وقد يؤدي الانسحاب الأميركي من سوريا إلى تصرف إيران بسرعة لملء الفراغ.
أما بالنسبة إلى روسيا، فيعني غياب الولايات المتحدة حصول بوتين على مزيدٍ من النفوذ- ليس فقط في سوريا بل أيضًا في المنطقة- ليحقق مهمته ويكون «الوسيط» في الشرق الأوسط، وبالتالي يصبح مسؤولاً عن كل العلاقات الدبلوماسية والتنسيق بين الأطراف، وهو الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة منذ فترة طويلة.
وهذه ليست المرة الأولى التي يحصل فيها مثل هذا الأمر. فعندما قرر الرئيس السابق أوباما سحب القوات الأميركية من العراق، عاد المتطرفون في غضون بضع سنوات وبشكلٍ أقوى، تحت اسم الدولة الإسلامية (أو «داعش»)، مما دفع الولايات المتحدة إلى بدء عملية عسكرية جديدة في البلاد. وقد يكرر السيناريو نفسه في سوريا، ويمكننا أن نشهد عودة تصاعدية للمجموعات العسكرية الإسلامية، مثل تنظيمي «داعش» و«القاعدة».
ومن جهة أخرى، تشعر إسرائيل بأنها لم تعد قادرة على الاعتماد على الولايات المتحدة في جهودها لمواجهة طموحات إيران الإقليمية. ولذلك ستبقى تضرب أهدافًا لإيران في سوريا لفرض قيودٍ عليها- خصوصًا مع غياب الولايات المتحدة أو روسيا في هذه الحالة- مما يزيد من فرص نشوء صراع واسع النطاق.
وبينما كان بومبيو يلقي خطابه في القاهرة، كانت إسرائيل تضرب دمشق وريفها الجنوبي بما بدا أنها الموجة الأكثر شمولاً من الضربات الجوية التي تشنها إسرائيل ضد الأهداف الإيرانية في سوريا منذ سبتمبر (أيلول). وقد نشهد المزيد من هذه الضربات الإسرائيلية في سوريا. ولم ترد إيران على معظم تلك الضربات، ولكنها ردت كما حصل في حادثة مايو (أيار) 2018. التي كانت ستكون بداية لنشوب حربٍ إقليمية بين إيران وإسرائيل.
وسيجذب هذا النوع من الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة عدم الاستقرار ويؤدي إلى مزيدٍ من الصراع.
 
إنها مسألة نفوذ
لا يعني دائمًا الوجود المادي والعسكري الأميركي في الشرق الأوسط الرغبة في بدء حروبٍ والانخراط في صراعاتٍ مستمرة. ومع ذلك، فإن الأمر يتعلق بالنفوذ. فقد تفكر كثير من الأنظمة في المنطقة مرتين عند سماع خطابٍ قوي ومتسق من الولايات المتحدة. ويعتمد عادة تأثير الولايات المتحدة في المنطقة على هذا الاتساق والخطابة القوية. وبرهنت استراتيجية الولايات المتحدة، التي تقوم على رسم الخطوط في الرمال، فعاليتها في دفع الأنظمة لتقديم التنازلات وإحباط الصراعات المميتة.
وعلى سبيل المثال، تخلى الديكتاتور الليبي العقيد معمر القذافي عن برنامج بلاده النووي تحت ضغوط أميركية. ويجد الديكتاتوريون مثل القذافي والأسد أنفسهم أحرارًا وقادرين على قتل المزيد من أبناء شعوبهم ومحاربة جميع المبادرات الديمقراطية في الداخل بسبب عدم رغبة أميركا في حل مشاكل المنطقة أو المشاركة في صراعاتها.
تعهد بومبيو الأسبوع الماضي بأن واشنطن وحلفاءها سيعملون بالدبلوماسية لطرد جميع القوات الإيرانية من سوريا. وأضاف في خطابه في مصر أن بلاده «ستعمل بالدبلوماسية ومع شركائها لطرد آخر مقاتل إيراني من سوريا وستضاعف جهودها لإعادة السلم والاستقرار للشعب السوري الذي يعاني من ويلات الحرب».
وتضمن خطاب وتصريحات بومبيو مشكلتين. تظهر المشكلة الأولى أن الدبلوماسية بالكاد تصلح في التعامل مع أنظمة مثل تلك الموجودة في طهران. ويستخدم هذا النظام في الواقع الجهود الدبلوماسية لكسب الوقت لممارسة المزيد من السيطرة عن طريق الوسائل العسكرية. ورأينا ذلك يحصل في سوريا على مدى السنوات الثماني الماضية حيث فشلت كل الحلول الدبلوماسية والسياسية. وفي هذه الأثناء، لم تهدر إيران وقتها هذه الأمور واستخدمت القوة العسكرية للفوز بالأرض. وتدرك إيران أن من يمتلك الأرض يمتلك السلطة وعندما تقرر الولايات المتحدة الانسحاب ستسارع إيران لأخذ مكانها.
وتكمن المشكلة الثانية في حقيقة أن إيران قد تعدت الوجود العسكري في سوريا. فمن خلال ترسيخ جذورها داخل المجتمعات المحلية، أصبح لدى إيران الآن وجود عميق للغاية تصعب مواجهته.
والولايات المتحدة لا تغادر سوريا فقط بل تتقلص الرغبة الأميركية بالتدخل في المنطقة ككل. ومع ذلك، هذه ليست نهاية السياسة الخارجية الأميركية الشرق أوسطية. إذ تبقى القواعد العسكرية لأميركا في جميع أنحاء المنطقة، وكانت ترسل مساعدات عسكرية ومالية لكثير من الحكومات والمؤسسات الأمنية في المنطقة. ويمكن استخدام هذه القواعد وحزم المساعدات كوسيلة قوة لإبقاء الضغط ضد إيران.
لا يجب أن يشعر النظام في طهران بالاطمئنان. وبما أن العقوبات تفرض عوائق اقتصادية على إيران ووكلائها الإقليميين، فإنها بحاجة إلى البقاء قلقة بشأن أمور أخرى. ويبدو أن الحلول السياسية والوسائل الدبلوماسية لا تتناسب مع نظامٍ يسعى إلى الحصول على سلطة غير منقطعة وغير قابلة للتنازل. ولكن العقوبات لا تكفي لمواجهة إيران ووكلائها. إذ تتطلب معاقبة العناصر السيئة محاولة تقديم مكافأة لتلك الجيدة، وبالتالي خلق بديل عملي لإيران في المنطقة ليس طائفيًّا في طبيعته ولكن يلبي احتياجات جميع الذين يرغبون في الابتعاد عن إيران. وربما يكون الوقت قد حان لإعادة النظر في هذه الحلول.
* حنين غدار: زميلة زائرة في زمالة فريدمان الافتتاحية في معهد واشنطن.