قلق الهوية العربية

رواة الشعر العربي: استعلاء الفرس على العرب.. وشبهة النحل
 
  • المعنى الشعري الطريق الأقصر لكشف النحل، والدفاع عن الذات بعد عمليات السلب المعنوي الذي تعرضت له الهوية العربية 
  • في ظل الصراع الأموي العباسي جرى فرز الولاءات ..الأمويون كانوا أقرب إلى العرب، والعباسيون أقرب إلى الموالي

إن استفحال فكرة «المعنى الشعري» أو المضامين، عامة، لا يرتبط، وحسب، في نظرية الشعر العربي، بالأدوات النقدية أو الوعي النقدي، بقدر ارتباطه بمؤثر خارجي فعل فعله في تكوينه وحرفه من حيث إنه رؤية شعرية أو وعي فني، إلى حدث تاريخي وسياسي، انتقل من مرحلة التعبير الأدبي عن الذات والعالم، إلى مرحلة الدفاع الاستباقي عن الذات، في مرحلة كان العربي فيها يعاني أزمة «قيمة» حضارية تأسست بفعل استعلاء الثقافة الفارسية على الثقافة العربية بكل ما تحمله من مضامين وصور وأشكال وقيم، كما سيرد لاحقا.
لم يكن «المعنى الشعري» أو المضمون الشعري، مجرد وعي نقدي أو مسميات عقلية لفعل إبداعي ما، بل كان اتجاها إجباريا يوفر للرواة موازنة معينة تعينهم على كشف منحول الشعر من حقيقته. خصوصا بعدما سيتبين أن الرواة الناحلين امتلكوا مقدرة على النحل والتأليف بسبب التنقل والسماع والحفظ، وهو أمر سيلحظه عدد من النقاد العرب ويشير إليه بعضهم مباشرة أو مداورة. لقد كان المعنى الشعري ضرورة نقدية في المقام الأول، ليس لتفضيل المعنى على الصوغ، بل لأنه سيكون الطريق الأقصر لكشف النحل، كون المعنى الشعري صورة من صور «أيام العرب وأحوالها» تلك التي ستكون آخر محاولة لكشف المنحول، وكذلك طريقة للدفاع عن الذات بعد عمليات السلب المعنوي الذي تعرضت له الهوية العربية شعرا أو رواية أو مسميات.
 
الهوية العربية والاستعلاء الشعوبي
اشتمل العصر العباسي على مجموعة من العناصر مكّنت الجماعة العربية من اتخاذ وضعية مختلفة عما كانت عليه في البدء. فلقد وصل أمر التمايز بين العرب وغيرهم درجة من التوتر والصراع بعدما جرى إعلان التمايز منهجا في الحكم والتقييم، الشيء الذي وصف به ابن خلدون بالشعوبية، إذ كان يعتبر العرب يمثلون حياة بدائية ساذجة ولا يعلمون من أمر المدنية شيئا، حتى إنه قال إن العرب استخدموا الكافور ملحا في العجين، لا، بل يزيد وضاعف من نظرته العنصرية ضدهم إذ يقول في تاريخه الشهير: وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر. ثم يضيف في موقف عدائي مبيت لا يحتاج نظرا: إذا ما تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش فصار فيهم خلقا وجبلة.
بغض النظر عما ذهب إليه ابن خلدون، فإنه من المؤكد أن أمر الجماعة العربية اختلف بعد حصول الفتوحات والإقامة في المدن، فتعرضت الجماعة لتغيرات جوهرية بعد الحلول في أراض أخرى والتزاوج من نسائها والاختلاط بأهلها. لكن حركة الامتزاج كانت هي الغالبة، فارتدى العرب ثياب الفرس وصاروا يحتفلون بأعيادهم. ويعزو البعض من الباحثين سرعة تأثر العرب بغيرهم إلى «درجة تحضرهم المحدودة» (اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، د. محمد مصطفى هداره، دار العلوم العربية، بيروت، 1988).
 
الفُرس يتباهون على العرب في ديارهم
ووصل تأثر العرب بالفرس مكانا جعل من المتأثَّر بهم يتباهون معلنين استعلاء يقل نظيره في ظروف كتلك، وتطور الأمر لدى عامة الفرس إلى المباهاة حتى بأبسط تفاصيل الحياة اليومية الواقعية، على ما يذكره أبو بكر الصولي في أدب الكتاب: «ما احتجنا إليكم في عمل ولا في تسمية. ولقد ملَكْتُم فما استغنيتم عنا في أعمالكم ولا لغتكم، حتى إن طبيخكم وأشربتكم ودواوينكم وما فيها على ما سمَّينا». التأثر لم يكن وقفا على حياة الفرس بل كانت الثقافتان السريانية واليونانية تمتلكان حصة كبيرة من التأثير في الثقافة العربية، وعرف أن حنين بن إسحاق كان يمشي في بغداد منشدا أشعار هوميروس، كما نقل الدكتور نجيب محمد البهبيتي في كتابه «تاريخ الشعر العربي» الصادر عن دار الكتب المصرية عام 1950، واعتمد عليه مصطفى هداره مرجعا لتوثيق تلك المرحلة.
 
الجمحي يقطع الشك باليقين
كانت بدايات الحكم النقدي على الشعر تنحصر في أوليات بسيطة، كحكم اللياقة والإسناد والإقواء والفحولة والتشبيه. وسواها من معايير أولية تختلف لكنها تتفق على باقي المسائل. لكن مع الجمحي يصبح لقارئ الشعر ومريده الحكم عليه، فهو «الناقد» المتبصر بمقارنة الأشعار، واكتشاف النحل في الشعر، والحق يقال إن كتاب الجمحي «طبقات فحول الشعراء» فاتحة باتجاه تأسيس وعي نقدي جديد يقوم على اكتشاف المحتوى التاريخي للغة شعرية بعينها، وهو ما دفع بالجمحي ليكون السباق إلى كشف مسألة التدوين في الشعر العربي ودور الرواة في النحل، إذ يقول: «ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا أبياتٌ يقولها الرجل في حادثة. وإنما قصِّدت القصائد وطُوِّل الشعر على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف»، ويسمي الرواة المتزيدين: «داود بن متمم وحماد الراوية، الذي كان ينحل الشعر غيره ويزيد في الأشعار.. وحسان بن ثابت وضعوا عليه أشعارا لا تليق به.. وعدي بن ثابت يسكن الحيرة ومراكز الريف فلان لسانه وسهل منطقه فعليه شيء كثير». وعلى قريش حمل، فهي «تزيد في أشعارها». وعن سبب ضياع حقيقة الشعر العربي: «جاء الإسلام فتشاغلت عنه (أي الشعر) العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزوا فارس والروم ولهيت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يئلوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، فألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم منه أكثره».
وعن أسباب التزيد في رواية الشعر: «فلما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسن شعرائهم، ثم كانت الرواة فزادوا في الأشعار».

 




رسم على الزجاجللشاعر والمحارب العربي قبل الإسلام عنترة بن شداد العبسي (نجد: 525-615)
 (غيتي)

 


 
الرواة القدامى: شبهة النحل من النص إلى الأصل
وكما نقل ابن سلام في مقدمة طبقاته، فإن كثيرا من العرب مات في الحرب والغزوات ولم يكن ما نقل إلا القليل من وجوده الفعلي. وكذلك إشارة المرجع نفسه إلى أن القبائل العربية عندما كانت تجد شعر شعرائها قليلا فتأخذ في التزيد على ألسنتهم للمباهاة والتساوي. وإشارته إلى تزيد الرواة أنفسهم لأسباب شتى. حتى إن راوية وناقدا بحجم الأصمعي كان ينكر وجود قيس بن الملوح في الواقع، ويعتبره اسما بلا مسمى (الموشح للمرزباني، الصفحة 243، ويضيف نقلا عن ابن الكلبي: «حدثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بني أمية كان يهوى ابنة عم له»). وكذلك عن أحد أهم الرواة الأول للشعر، وهو محمد بن إسحاق، فلقد اعتُبِر أن الأشعار كانت توضع له ويُسأل أن يدخلها في كتابه فيفعل، وأنه صار فضيحة عند الرواة لذلك (الفهرست لابن النديم، ص 148، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العلمية). أمّا حماد الراوية (أبو القاسم حماد بن سابور بن حبيب 95هـ - 155هـ). وهو من أوائل الرواة وأخِذ عنه الكثير، فقد قيل عنه الشيء نفسه من نحل الشعر إلى غير صاحبه، بل تأليفه ووضعه على لسان الغير (ياقوت الحموي، معجم الأدباء، الجزء الثالث، ص249 و250)، وينقل عن الأصمعي قاصدا حمّاد الراوية: «فإنه كان متهما بأنه يقول الشعر وينحله شعراءَ العرب».
وينقل عن المفضل الضبي: «قد سُلِّط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا»، فقيل للمفضل: أيخطئ في رواية أم يلحن؟ فقال الضبي: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبّه به مذهب رجلٍ ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟. 
أصول الرواة.. سؤال مفتوح
النقطة المهمة الأخرى، هي أن هؤلاء النقاد ابتعدوا عن المرحلة التي كان فيها الراوي مرتبطا بنسبه وأصوله، فسهّل عليهم التعامل معه كمرجع مجرد دون التأثر بـ«الطعن» الذي كان يقع فيه الرواة الأوائل، لأنهم لم ينحدروا من أصول عربية، بوجه عام. فيونس بن حبيب (توفي 183هـ) وهو مولى ضبة (وفيات الأعيان وأنباء أبناء هذا الزمان، ابن خلكان، الجزء 5 ص591) أو الليثي بالولاء (معجم الأدباء، ياقوت الحموي، الجزء 5 ص651). أو أنه أعجمي الأصل (الفهرست، ابن النديم). ومحمد بن إسحاق (90 هـ، 150هـ) مولى (وفيات الأعيان، الجزء 4 ص103)، أو مولى قيس (تاريخ بغداد، الجزء الأول، ص230، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 1997). حمّاد الراوية مولى من سبي الديلم (معجم الأدباء لياقوت، الجزء 3 ص246) أو مولى بني بكر (وفيات الأعيان، ج2 ص 176) وكذلك كيلا نطيل، الشيباني، ومحمد بن زياد، ومحمد بن حبيب، ومعمر بن المثنى، وخلف الأحمر، وحماد بن سلمة، وعيسى بن عمر الثقفي. كل هؤلاء الرواة كانوا من غير العرب، ولو أنهم أقاموا بين ظهرانيهم وتعلموا عاداتهم وأتقنوا لغتهم، بدليل روايتهم للشعر ودرايتهم الكبيرة به. هذا بالإضافة إلى أنهم من المسلمين. لكن في ظل الصراع الأموي العباسي جرى فرز الولاءات على الشكل التالي؛ الأمويون كانوا أقرب إلى العرب، والعباسيون أقرب إلى الموالي. وفي تغير الدولة الإسلامية، وانتقالها من الأمويين إلى العباسيين صار للموالي اليد الطائلة في المجتمع البغدادي، ويذكر النقاد والمؤرخون كيف أن الموالي كانوا يُعاملون من دونية ويسردون الأمثلة على ذلك كعدم السير معهم في صف واحد ولا يقدمونهم في المواكب (اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، د. محمد مصطفى هدارة، بيروت 1988). لينتقل الأمر إلى الموالي أنفسهم، بعد انتصار العباسيين فصاروا هم من يعمل على التمييز والفوقية (المصدر السابق، وإشارات مهمة عن دور ابن المقفع في «تنمية شعور الموالي والفرس بامتيازهم عن العرب»).
الذي يراد في هذا الشأن أن نقلة الشعر كانوا بمكان الشك والريبة وشيء من عدم المساواة بينهم وبين العرب، وهذه الريبة، كما رأينا، تسللت إلى المنقولات الشفوية الشعرية التي حملوها، فانصب جهد النقاد، في المرحلة الأولى، على تمييز الشعر الحقيقي من الشعر المنحول، من خلال آلية الموازنة، ومن خلال المعرفة بالقبيلة التي ينتمي لها الشاعر وأخبارها الأكيدة. هذا أسس لمجموعة من المضامين أو الأغراض التي تميّز الشعر العربي المنقول عن غيره، وكان من الأغراض ما عرف من المديح والهجاء والغزل والبكاء على الأطلال. هي ذي المقاييس العامة ربطا مع المعرفة بطبيعة العرب في التعبير كما رأينا وصف الأصمعي لبيت جميل: «هل يقتل الرجلَ الحُبُّ؟» بأنه «مخنّث» على اعتبار أن العرب ترفض أن يترقق الشاعر في نجواه إلى هذا الحد. أي أن الربط بين طبيعة العرب والشعر المنقول عنها، عبر مضامين معينة، هو الأمر الأساس في رواية الشعر العربي.
غلبة المعنى الشعري والمضامين الشعرية، كانت الطريق الأسرع للولوج إلى البيت القديم الذي أصبح أثرا بعد عين، وهو أرض الحنين وأرض المنشأ التي منها كان الانطلاق والرحيل. ولم يكن تركيز النقاد العرب على دوره إلا للإفادة من تظهيره للسياق التاريخي للمنقولات الشعرية الشفوية، هذا على الرغم من أن كثيرا من الرواة المتزيدين والناحلين كانوا على علم بتلك الأيام وخصوصياتها، مما سهّل عليهم النحل على شاعر شعرا ليس له. إلا أنه في النهاية كان الحد الفاصل ما بين عالم قديم، يبتعد من أمام الرحالة الجدد الذين استوطنوا بلادا فتحوها وتزوجوا منها وأقاموا فيها إلى النهاية، وعالم جديد يتشكل على وقع توصيف عدائي لشخصيتهم التاريخية. فأخذت الثقافة الفارسية كل مأخذ منهم استعلاء وتصغيرا ونحلا، ولم يكن الرد الأولي، إلا بالعودة إلى أيام العرب وأحوالها، أولا للدفاع عن الشخصية التاريخية، وثانيا للتوصل المبدئي إلى معيار كاشف للنحل الشعري
 


اشترك في النقاش