بين «حزب الله» وفنزويلا... علاقة تتخطى العداء المطلق لأميركا

فرصة ذهبية لطهران للتهرب من العقوبات الأميركية
* ما تقدّمه فنزويلا من تسهيلات لمنظومة إيران – «حزب الله» ساهمت في تنفيذ أجندة «إرهابية» عابرة للقارات.

بيروت: على الرغم من بعد المسافة بين لبنان وفنزويلا، إلا أنّ الانقلاب الذي نفذه زعيم المعارضة خوان غوايدو أخذ حيزا مهمًا من نشرات الأخبار وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وكالعادة انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض، ويأتي هذا الانقسام نتيجة للعلاقة التي تربط بين النظام الفنزويلي والنظام الإيراني.
ولكن بعيدا عن النشرات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي لم يسجل لبنان الرسمي أي موقف مناهض أو مؤيد لما يجري في فنزويلا، وحده «حزب الله» وكالعادة خرق سياسة «النأي بالنفس» التي ينتهجها لبنان، وأصدر بيانًا تضمن عبارات شديدة اللهجة دان فيها التدخلات الأميركية لزعزعة الاستقرار في فنزويلا، واصفًا إياها بـ«التدخلات السافرة»، مستنكرًا «المحاولة الانقلابية على السلطة الشرعية في البلاد والتي تقف خلفها وتدعمها الولايات المتحدة الأميركية».
وأكّد البيان وقوفه إلى جانب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ورأى أنّ «التدخلات الأميركية ليس هدفها الدفاع عن الديمقراطية والحرية... بل السيطرة على ثروات ومقدرات البلاد ومعاقبة الدول الوطنية على خياراتها السياسية المعادية للهيمنة الأميركية في العالم».
موقف «حزب الله» المؤيد لمادورو لم يكن مفاجئا للمؤيدين والخصوم معا، خصوصا بعد سلسلة التقارير التي أوردتها الولايات المتحدة على مدى السنوات الماضية والتي تكشف عن طبيعة العلاقة والدعم الذي يقدمه النظام الفنزويلي منذ سنوات إلى النظام الإيراني وأذرعه ومن بينهم تنظيم «حزب الله» اللبناني وهو أهم تنظيم عسكري ينفذ أجندة الحرس الثوري الإيراني في الشرق الأوسط.
 
ولكن ما هي العلاقة التي تربط «حزب الله» اللبناني بالنظام الفنزويلي؟
 
يجمع المراقبون أنه لا يمكن الحديث عن أنشطة «حزب الله» ووجوده في أميركا اللاتينية، دون الحديث عن طبيعة العلاقة التي تأسست بين النظامين الإيراني والفنزويلي. فالعلاقة بين إيران وفنزويلا تعد من أهم العلاقات التي تربط إيران بالعالم الخارجي رغم أن البلدين لا تجمعهما روابط الدين أو الجغرافيا أو الثقافة أو التاريخ، ولكنهما اجتمعا على عداء الولايات المتحدة، وكبلدين نفطيين أقاما علاقة على أساس المواجهة مع الغرب. كذلك كونا تحالفا ثلاثيا مع كوبا لطالما نظرت إليه الولايات المتحدة بوصفه سياسة عدائية ضدّ مصالحها، بسبب تجاوز العلاقة بينهم من التعاون التجاري والنفطي إلى الأنشطة العسكرية والاستخباراتية.
وهذا ما أكّده الكاتب والمحلل السياسي لقمان سليم في حديث مع «المجلة»، حيث قال: «حزب الله هو الطرف الثالث في هذه العلاقة، كونه ذراعا من أذرع إيران، العلاقة أنشئت أصلا بين فنزويلا وإيران، فمع وصول الرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز نهاية التسعينات بدأ البلدان يسيران نحو تشكيل حلف شعاره مناهضة الإمبريالية الأميركية، ثم التشاور والتنسيق في مجال إنتاج النفط كبلدين رئيسيين في منظمة أوبك».
وأضاف: «إيران وبعد العقوبات والحظر الأميركي الذي فرض عليها بدأت بالتسلل إلى قلب أميركا اللاتينية عبر فنزويلا، فكانت فرصة ذهبية لا تعوض لإيران التي لها تاريخ عدائي في أميركا اللاتينية وعلى سبيل المثال لا الحصر التفجير الذي نفذته المخابرات الإيرانية في آميا الذي استهدف مبنى الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية في بوينس آيرس 18 يوليو (تموز) 1994... ولكن العداء للولايات المتحدة جمع بين إيران وفنزويلا، وبالطبع كان لـ(حزب الله) دور في هذه العلاقة، كونه ممثلا للمصالح الإيرانية ويتمتع بحضور في هذه المنطقة من خلال الجالية اللبنانية، ونشط (حزب الله) بحسب ما تحدثت تقارير في عمليات تبييض أموال لصالح الحزب تجرى في فنزويلا عبر أتباعه، إضافة إلى شبكة مخدرات ضخمة أحد أهم أركانها عناصر من (حزب الله)... ولو لم يكن النفوذ الروسي – الإيراني والتغلغل في فنزويلا مقلقاً للولايات المتحدة لما اتخذت هذا القرار الحاسم بضرورة التدخل سياسيا ودعم المعارضة، خصوصاً أن الولايات المتحدة تتخذ مثل هذه القرارات بحذر شديد... وفي المقابل بيان (حزب الله) وحدّة التعبيرات التي استخدمت فيه، يؤكد حجم الخدمات التي يقدمها النظام الفنزويلي لإيران ومعها (حزب الله)».
كذلك أكّد المحلل السياسي موفق حرب في حديث مع «المجلة» أنّه «لا يمكن الحديث عن علاقة (حزب الله) اللبناني بفنزويلا، دون الرجوع إلى أصل هذه العلاقة التي نشأت بين إيران وفنزويلا المعاديتين لأميركا، فإيران ترحب دائما بالمواقف التي يتخذها هذا النظام ضدّ الولايات المتحدة والتي تصب في مصلحة إيران وكل ما يدور في فلكها».
وعن طبيعة هذه العلاقة قال: «التقارير الأمنية الأميركية تتحدث دائما عن دور فنزويلا في تجنيب إيران العقوبات الأميركية عنها، وكيفية تسهيل حركة الإيرانيين وعناصر (حزب الله) عبر بعثاتها الدبلوماسية، وكيف يستفيد هذا المحور من الشبكات الدبلوماسية لفنزويلا... إضافة إلى أنّ فنزويلا وعبر خط الطيران الذي أنشئ مع إيران عام 2009، يتم تصدير ونقل الأسلحة الإيرانية الممنوعة من التصدير بحسب القرارات الأميركية، إضافة إلى عمليات تبييض الأموال عبر نقل أموال طائلة عبر هذه الطائرات خارج إطار العمليات المصرفية... إذن هناك مخاوف أميركية وأوروبية من هذه العلاقة اتضحت معالمها في المواقف المؤيدة للانقلاب والتي صدرت مؤخراً».

وبعيداً عن التحليلات كشفت تقارير استخباراتية أميركية وغربية طبيعة هذه العلاقة، فقد تمكن ماريو سامورا، مدير الهجرة في كوستاريكا، من اكتشاف تنقل أعداد كبيرة لأشخاص من أصل عربي يحملون جوازات سفر فنزويلية عام 2008، يتنقلون من بلاده إلى دول أخرى على رأسها أميركا، وهو ما دعاه وقتها لإبلاغ واشنطن التي عززت من إجراءات المراقبة.
وحسب تلك التقارير فإن أجهزة المخابرات في كندا وبلغاريا رصدت في الآونة الأخيرة تحركات لمواطنين من أصول عربية، وخصوصا لبنانية تابعة لـ«حزب الله»، فضلا عن عناصر إيرانية يحملون جوازات سفر فنزويلية أصلية، ويتنقلون بها في عدد من الدول، خصوصا الولايات المتحدة وكندا ودول أميركا الجنوبية.
وأكد هذا الاتجاه أنتوني داكين، وزير الداخلية الفنزويلي السابق والموجود حاليا في الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن فنزويلا أصبحت مركزا لمنح جوازات السفر لجماعات إيرانية وأفراد من «حزب الله»، بهدف تسهيل تنقلاتهم بحرية إلى الولايات المتحدة. وكشف الوزير السابق لصحيفة «كلارين» الفنزويلية، أن كاراكاس قامت بالتعاقد مع شركات كوبية لإنتاج جوازات السفر المميكنة والبيومترية.
وفي يناير (كانون الثاني) 2011 حددت وزارة الخزانة الأميركية هوية عنصر رئيسي لـ«حزب الله» يدعى أيمن جمعة، إلى جانب 9 أفراد إضافيين و19 شركة من شركات الأعمال المتورطين في أكبر تخطيط لتهريب المخدرات في دول أميركا اللاتينية طوال تاريخها.
وكشف تحقيق أجرته إدارة مكافحة المخدرات الأميركية أن أيمن جمعة نفذ عمليات غسل أموال بمقدار 200 مليون دولار في الشهر من بيع الكوكايين في أوروبا والشرق الأوسط عبر عمليات جرت في لبنان وغرب أفريقيا وبنما وكولومبيا. وكشف التحقيق أيضًا عن شبكة لغسل الأموال عبر حسابات في «البنك اللبناني الكندي» استخدمها زعيم الشبكة لتنفيذ عمليات معقدة لغسل الأموال.
كما أشارت تقارير أميركية إلى أن مثل هذه العمليات مكنت «حزب الله» من توفير إيرادات إضافية يوظفها الحزب الآن لشراء أسلحة تستخدم في الصراع السوري.
وأيضا عن نشاط «حزب الله» في فنزويلا كشفت تقارير الاستخبارات الأميركية أن طارق العسيمي، وزير الداخلية الفنزويلي ذا الأصول السورية، ساهم بشكل كبير في خلق شبكات لغسل الأموال لجماعات تابعة لإيران و«حزب الله»، لتصل إلى العراق وسوريا ولبنان، وفنزويلا وغيرها.
وأظهرت مكافحة المخدرات الأميركية في 2016 قيام «حزب الله» بنقل أطنان من الكوكايين من جنوب أميركا إلى أوروبا، كما كشفت عن تطويره منظومة معقدة في أميركا اللاتينية لغسل الأموال لا سابق لها.
وفي يونيو (حزيران) 2016. نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن شركات اللحوم والنفط الكبيرة في البرازيل وأوروغواي تستخدم للتغطية على عملاء إيران وجواسيسها.
إذن، على الرغم من أنّ كشف العلاقة المشبوهة بين فنزويلا وتنظيم «حزب الله» مرتبط بما يصدر عن تقارير الاستخبارات الغربية وتحديدا الأميركية، دون وجود أدله دامغة تدين هذا التنظيم في بلده الأم، فإن الولاء والدعم المطلق الدي أعلنه «حزب الله» في بيانه الأخير عن فنزويلا يؤكد أنّ العلاقة التي تربط الطرفين تتخطى الكره والعداء المطلق لأميركا، فيبدو أنّ ما تقدّمه فنزويلا من تسهيلات سبق ذكرها لمنظومة إيران – «حزب الله» ساهمت بشكل أساسي في تنفيذ أجندتهم «الإرهابية» العابرة للقارات.


اشترك في النقاش