كيف يمكن قراءة الأزمة السياسية الراهنة في فنزويلا؟

المعارضة تتخطي انقساماتها الداخلية وتوحد صفوفها خلف جوايدو
* لم تكن الأزمة السياسية الراهنة في فنزويلا هي الأولى من نوعها، فقد شهدت الكثير من الموجات الاحتجاجية منذ وصول مادورو إلى السلطة خلفًا لهوغو شافيز عام 2013.
* تُعد الأزمة الراهنة امتدادًا للأزمات التي شهدتها فنزويلا خلال السنوات الأخيرة، والتي كان محركها الأساسي الغضب الشعبي المتصاعد اعتراضاً على تدهور الوضع الاقتصادي والأمني.
* الأزمة السياسية في فنزويلا مرشحة للمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة، في ظل إصرار الولايات المتحدة على المضي قدمًا في اتخاذ الخطوات التي من شأنها الإسراع بتغيير النظام الحاكم. 
* لا يبدو أن جوايدو لديه أي استعداد للتخلي عن موقفه، حيث إنه يكتسب المزيد من الاعتراف الدولي مع مرور الوقت.
* المعارضة اليمينية فتُحمل حكومة مادورو المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع في البلاد.
* الأزمة الفنزويلية أكبر من أن تكون مجرد صراع بين القوى الداخلية على السلطة السياسية، بل تأتي في نطاق أوسع للتنافس العالمي بين الولايات المتحدة من ناحية، وروسيا والصين من ناحية أخرى.

دخلت الأزمة السياسية التي تشهدها فنزويلا منذ تولي «نيكولاس مادورو» رئاسة البلاد في عام 2013. مرحلة جديدة وحاسمة مع تنصيب رئيس الجمعية الوطنية «خوان جوايدو» نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد في الثالث والعشرين من يناير (كانون الثاني) الجاري، الأمر الذي يُثير الكثير من التساؤلات حول أسباب الأزمة الراهنة، وكيفية قراءتها في سياق موجة التحول إلى اليمين في كثير من دول أميركا اللاتينية، والسوابق التاريخية للتدخلات الأميركية في الشؤون الداخلية لدول القارة، وكذلك مدى ارتباط الأزمة الراهنة بالسياق العالمي للتنافس بين القوى الدولية الكبرى، وتحديدًا الولايات المتحدة وروسيا.
 
أسباب الأزمة الراهنة في فنزويلا
تختلف قراءة الأطراف الداخلية للأزمة ولأسبابها، وبالنسبة للحكومة الاشتراكية بقيادة «نيكولاس مادورو»، فإن الأزمة التي تعاني منها فنزويلا تعود بالأساس لأسباب خارجية، وتقف وراءها الولايات المتحدة التي قامت بفرض عقوبات اقتصادية على بعض المسؤولين والكيانات الفنزويلية، وتريد الإطاحة بمادورو، بالتعاون مع المعارضة الفنزويلية التي اتهمها بالعمالة والتواطؤ مع الخارج. كما يؤكد الرئيس الفنزويلي أن بلاده ضحية «حرب اقتصادية» تشنها واشنطن التي قامت بالتلاعب بأسعار النفط في الأسواق العالمية، وذلك للحيلولة دون خروج فنزويلا من الأزمة التي تعصف بها، وذلك على حد تعبيره.
أما المعارضة اليمينية فتُحمل حكومة مادورو المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع في البلاد، وتتهمها بسوء إدارة الأزمة الاقتصادية، خاصة مع المبالغة في الاعتماد على قطاع النفط كمصدر للدخل القومي (تبلغ إيرادات فنزويلا النفطية نحو 98 في المائة من عائدات التصدير)، وإهمال تطوير بقية القطاعات الاقتصادية، مما أدى إلى اعتماد البلد كليًا على الخارج لسد احتياجاتها الأساسية. كما تتهم المعارضة نظام مادورو بتبديد المكاسب الاقتصادية التي حققتها فنزويلا خلال فترة الطفرة النفطية في برامج للرفاه الاجتماعي بهدف شراء الشرعية والولاء السياسي للنظام الحاكم.


 
ما الذي يميز الأزمة الراهنة في فنزويلا عن سابقاتها؟
لم تكن الأزمة السياسية الراهنة في فنزويلا هي الأولى من نوعها، فقد شهدت الكثير من الموجات الاحتجاجية منذ وصول مادورو إلى السلطة خلفًا لهوغو شافيز عام 2013، ولكن تصاعدت حدتها عقب الانتخابات البرلمانية التي جرت في 6 ديسمبر (كانون الأول) 2015. وأسفرت عن فوز المعارضة بزعامة حزب «طاولة الوحدة الديمقراطية» بأغلبية الأصوات لتمثل بنحو 112 مقعدًا من إجمالي مقاعد الجمعية الوطنية البالغ عددها 167 مقعدًا، بينما لم يُمثل الحزب الحاكم «حزب فنزويلا الاشتراكي الموحد» سوى بنحو 55 مقعدًا فقط.
ومنذ ذلك الوقت، عملت المعارضة على تقويض شرعية النظام الحاكم، من خلال القيام بتنظيم المظاهرات، وجمع توقيعات المواطنين على عريضة للمطالبة بإجراء استفتاء على إقالة «مادورو» من منصبه. غير أن جميع المحاولات التي قامت بها المعارضة قد باءت بالفشل في ظل النهج الاستبدادي التسلطي لمادورو، الذي عمل على قمع الحريات العامة والمدنية، ومراقبة الاتصالات الهاتفية للمعارضين واعتقالهم لفترات طويلة.


وللموجة الحالية من الاحتجاجات والمظاهرات الكثير من جوانب التميز والتفرد، وإن كانت تشترك مع الموجات الاحتجاجية السابقة في بعض الجوانب. فالأزمة الحالية تتميز بنجاح جماعات المعارضة في تخطي انقساماتها الداخلية وتوحدها خلف زعيم واحد للمرة الأولى منذ عدة سنوات، وربما يكون «خوان جوايدو» شخصية جديدة نسبيًا في الحياة السياسية، لكنه ألهم أولئك الذين ينتقدون الرئيس مادورو بطريقة لم يفعلها زعماء المعارضة الآخرون من قبل. الأمر الذي ساهم في حشد أعداد كبيرة من المواطنين للتظاهر، خاصة مع انضمام سكان بعض المناطق المعروفة بدعمها التاريخي للحزب الاشتراكي، مثل غرب كاراكاس، إلى المسيرات المناهضة للحكومة. كما أن الاحتجاجات في المناطق الأكثر فقرًا في كاراكاس هي إشارة مهمة إلى أن المشاعر المناهضة للحكومة لم تعُد محصورة في الطبقات الوسطى والعليا، خاصة أنه في الماضي، كانت أفقر قطاعات المجتمع تميل إلى تأييد الحكومة التي كانت توفر لهم المساعدات الاجتماعية السخية. ومن مظاهر تميز الأزمة الراهنة أيضًا حجم الدعم الدولي والإقليمي الكبير الذي يتمتع به «خوان جوايدو»، كما سيتضح فيما بعد.
وفي الوقت نفسه، تُعد الأزمة الراهنة امتدادًا للأزمات التي شهدتها فنزويلا خلال السنوات الأخيرة، والتي كان محركها الأساسي الغضب الشعبي المتصاعد اعتراضا على تدهور الوضع الاقتصادي والأمني، نتيجة انخفاض معدل النمو الاقتصادي على الرغم من أن فنزويلا لديها أكبر احتياطي من النفط على مستوى العالم. وفي الوقت نفسه، ارتفع معدل التضخم مع توقعات لصندوق النقد الدولي بأن يصل إلى 10 ملايين في المائة في عام 2019. وبنهاية العام الماضي، تضاعفت الأسعار كل 19 يومًا في المتوسط، وتراجعت قيمة العملة الوطنية بشكل حاد، وأصبح تسعة من أصل كل عشرة أشخاص لا يستطيعون شراء طعامهم اليومي، مما ساهم في تفاقم الأزمة الإنسانية التي يعاني منها المواطنون خاصة مع النقص الحاد في السلع الأساسية والأدوية، ونزوح أكثر من 3 ملايين فنزويلي إلى الدول المجاورة منذ عام 2014. وفقًا للأمم المتحدة، إلى جانب انتشار جرائم السرقة والنهب وأعمال العنف.


 
الأزمة في فنزويلا في سياق موجة التحول إلى اليمين في أميركا اللاتينية
لا يمكن فهم الأزمة الراهنة في فنزويلا بمعزل عن التطورات السياسية التي شهدتها أميركا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة، وأفضت إلى وصول مرشحي تيار اليمين إلى سدة السلطة في بعض دول القارة. حيث كان للتحول نحو اليمين في القارة اللاتينية تأثير مزدوج على الأزمة في فنزويلا، فمن ناحية أعطى هذا التحول قوة دفع جديدة للمعارضة اليمينية، وأوجد دعمًا إقليميًا قويًا لها كي تمضي قدمًا في مطالبها الرامية إلى تغيير النظام الاشتراكي الحاكم في البلاد.
ومن ناحية أخرى، ساهمت موجة التحول نحو اليمين في أميركا اللاتينية في تشجيع الولايات المتحدة على تكثيف ضغوطها الهادفة إلى الإسراع بتغيير النظام الحاكم. فبعد فشل المحاولات الأميركية المتكررة للإطاحة بالرئيس الاشتراكي الراحل «هوجو شافيز»، من خلال دعم محاولات الانقلاب العسكري ضده، وكذلك عقب فشل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي مارستها واشنطن ضد الرئيس الفنزويلي الحالي، وجدت واشنطن في سيطرة اليمين على السلطة في الكثير من دول المنطقة فرصة مهمة لإيجاد الدعم الإقليمي اللازم لجهودها الأخيرة للإطاحة بنظام مادورو. نظرًا لأن الحكومات اليسارية في بعض الدول المحورية في أميركا الجنوبية مثل البرازيل، والأرجنتين، وشيلي، كانت تربطها علاقات قوية بكل من شافيز ومادورو، مما شكل حجر عثرة أمام المساعي الأميركية السابقة لتغيير النظام الحاكم في فنزويلا. ولكن ما لبث أن شاب التوتر والفتور علاقات الحكومات اليمينية الجديدة في تلك الدول بفنزويلا، لتستفيد واشنطن من هذا التغيير سواء في التيارات السياسية الحاكمة لبعض دول القارة أو في علاقاتها بفنزويلا، في فرض المزيد من الضغوط على نظام مادورو.
وتكشف مسارعة الحكومات اليمينية في البرازيل، والأرجنتين، وشيلي، وكولومبيا، وكوستاريكا، وغواتيمالا، وهندوراس، وباراغواي، وبيرو، بالاعتراف بجوايدو رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا عن تنسيق واضح مع الولايات المتحدة التي اعترفت به رئيسًا شرعيًا للبلاد بعد عدة دقائق من تنصيب نفسه رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا.


 
الأزمة الفنزويلية في إطار السوابق التاريخية للتدخل الأميركي
لم يكن الرئيس «نيكولاس مادورو» يشير باتهامه الولايات المتحدة بمحاولة تدبير انقلاب ضده، عبر دعمها لزعيم المعارضة، إلى سلوك جديد لواشنطن في أميركا اللاتينية، بل إلى تاريخ حافل بالتدخلات الأميركية في الشؤون الداخلية لدول القارة، فالولايات المتحدة التي حرصت على إعمال مبدأ مونرو (نسبة إلى الرئيس الأميركي جيمس مونرو) في علاقاتها بدول القارة منذ حصول الأخيرة على الاستقلال عن إسبانيا عام 1823، بهدف منع أي قوى خارجية (باستثناء واشنطن بالطبع) من السيطرة على المنطقة أو التدخل في شؤونها الداخلية، ما لبثت أن تدخلت عسكريًا وقامت بتدبير ودعم الانقلابات العسكرية ضد النظم المناوئة لها في بوليفيا، وباراغواي، وهندوراس، والإكوادور، كما دعمت واشنطن انقلابًا عسكريًا فاشلاً ضد الرئيس الفنزويلي الراحل «هوجو شافيز» عام 2002.
وبناء على ما سبق، فإن نجاح الولايات المتحدة في إدارة الأزمة في فنزويلا وتوجيه دفتها بما يصب في مصلحتها، تظل له الأولوية بالنسبة لها، لأن ذلك يوفر لواشنطن فرصة ثمينة لإعادة ترسيخ نفوذها، وفرض أجندتها على دول المنطقة، بعدما تراجع الاهتمام الأميركي بشؤون وقضايا القارة اللاتينية في ظل انشغالها في الحرب على الإرهاب في أفغانستان والعراق، واهتمامها بالتوجه شرقًا نحو آسيا.


 
الأزمة الفنزويلية في سياق التنافس بين القوى الدولية الكبرى
عمدت واشنطن مؤخرًا إلى تعزيز حضورها في أميركا الجنوبية بهدف التصدي لمحاولات روسيا استعادة مواقع نفوذها المفقود هناك، وكذلك لمواجهة تنامي الحضور الصيني في فنائها الخلفي، وما أسفر عنه من انتعاش العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين ودول أميركا الجنوبية بشكل غير مسبوق. وتُولي واشنطن اهتمامًا خاصًا بالدور الروسي في المنطقة نظرًا لغلبة الطابع العسكري عليه، مقارنة بالطابع الاقتصادي الغالب على علاقات الصين بدول أميركا اللاتينية.
وتزايدت المخاوف الأميركية من الدور الروسي المتعاظم في المنطقة، بعدما أصبحت موسكو المورد الرئيسي للسلاح لدول أميركا الجنوبية بنسبة 27 في المائة، تليها الولايات المتحدة بنسبة 15 في المائة، ثم فرنسا بنسبة 10 في المائة، وذلك وفقًا للبيانات الصادرة عن معهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRIبشأن مبيعات السلاح في العالم لعام 2017.
وتعمقت المخاوف الأمنية الأميركية من الحضور الروسي في المنطقة، عقب قيام روسيا بإرسال قاذفتين استراتيجيتين أسرع من الصوت من طراز «تي يو-160» إلى فنزويلا في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في ظل تكهنات قوية حول اعتزامها إقامة قاعدة عسكرية لها في فنزويلا التي تعتبر أكبر الدول المتلقية للأسلحة الروسية في أميركا اللاتينية؛ إذ مدتها موسكو بنحو 66 في المائة من مشترياتها من السلاح، وهو الأمر الذي قوبل برفض وغضب أميركي شديدين، لما يمثله ذلك من خطورة على أمنها القومي.
وفي هذا الإطار، كانت المساعي الروسية لتعزيز نفوذها في أميركا اللاتينية، مع الاهتمام بشكل خاص بتطوير العلاقات مع دول تحالف البديل البوليفاري لشعوب الأميركتين (فنزويلا، كوبا، بوليفيا، الإكوادور، ونيكاراغوا)، نظرًا لتبني تلك الدول توجهات معادية للولايات المتحدة.
وجاءت الرغبة الروسية في تعزيز حضورها العسكري والأمني في الفناء الخلفي للولايات المتحدة في سياق التنافس العالمي بين البلدين؛ فروسيا المتوجسة من إعلان الولايات المتحدة نيتها الانسحاب من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، عملت على التلويح بإمكانية إقامة قاعدة عسكرية في فنزويلا لتكون بمثابة ورقة ضغط على الولايات المتحدة، في أعقاب تمدد حلف الناتو في أوروبا الشرقية، ونشر منصات مضادة للصواريخ الباليستية على الحدود الروسية.
وفي هذا الإطار، ألقت موسكو بثقلها الدبلوماسي خلف مادورو، كما وردت بعض التقارير الصحافية التي تشير إلى وصول عشرات أو مئات من المرتزقة الروس لكاراكاس لحماية مادورو من محاولة انقلاب محتملة. الأمر الذي يشير إلى استعداد موسكو لحماية استثماراتها التي تُقدر بنحو عشرين مليار دولار أغلبها في صورة قروض لتطوير قطاع النفط في فنزويلا التي تُعد الحليف الأقرب لها في نصف الكرة الغربي.
في السياق ذاته، دافعت بكين عن الرئيس مادورو ورفضت التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية لفنزويلا، وهو ما يمكن تفسيره في إطار العلاقات القوية بين البلدين، حيث حصلت كاراكاس على قروض من بكين بقيمة 62 مليار دولار، خلال السنوات العشر الماضية، في مقابل النفط. وتأتي العلاقات الصينية الفنزويلية القوية في إطار مساعي بكين لتعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية مع دول القارة اللاتينية، حتى إنها أضحت شريكا تجاريا ومستثمرا ومقرضا رئيسيا للكثير منها.
ويمكن النظر لتنامي النفوذ الاقتصادي والسياسي الصيني في المنطقة، باعتباره رد فعل على سياسة الولايات المتحدة الساعية إلى التغلغل داخل المجال الحيوي للصين، ومناطق نفوذها، من خلال تعزيز وجودها الاقتصادي والعسكري في جنوب شرقي آسيا. لذلك فإن الصين تفعل الشيء نفسه في أميركا اللاتينية باعتبارها الفناء الخلفي لواشنطن وإحدى مناطق نفوذها الرئيسية.
وفي ضوء ما سبق، فإن الأزمة الفنزويلية هي في حقيقتها أكبر من أن تكون مجرد صراع بين القوى الداخلية على الشرعية والسلطة السياسية، حيث تأتي في نطاق أوسع للتنافس العالمي بين الولايات المتحدة من ناحية، وروسيا والصين من ناحية أخرى.


 
الأزمة السياسية في فنزويلا: ماذا بعد؟
يتحدد مستقبل الأزمة الراهنة بناءً على مجموعة من العوامل والمحددات الداخلية والخارجية، على النحو التالي:
 
العوامل والمحددات الداخلية
يتوقف مستقبل النظام الاشتراكي الحاكم في فنزويلا على مدى استمرار ميزان القوى الداخلية لصالح مادورو، الذي يمتلك الكثير من مصادر النفوذ، ومن أبرزها، سيطرته على القوات المسلحة التي أعلنت عن ولائها له في مواجهة ما سماه وزير الدفاع الفنزويلي «الانقلاب» المدعوم من قبل اليمين المتطرف. كما يسيطر مادورو بقوة على المحكمة العليا التي أكدت إجراء تحقيق جنائي ضد نواب البرلمان، واتهمتهم بمصادرة صلاحيات الرئيس. ويُحكم الرئيس الفنزويلي سيطرته أيضًا على الهيئة الانتخابية، ووسائل الإعلام، وكذلك الحرس الوطني والشرطة. وفي هذا الإطار، فإن حدوث انشقاقات كبيرة داخل الجيش، خاصة مع قيام الجمعية الوطنية بإصدار قانون للعفو عن الجنود وضباط الشرطة الذين ينشقون عن مادورو، وإعلان الملحق العسكري الفنزويلي لدى واشنطن انشقاقه، سوف يكون من العوامل الحاسمة لمستقبل البلاد.


 
العوامل والمحددات الخارجية
تُعد العوامل والمحددات الخارجية الأكثر حسمًا لمستقبل الأزمة السياسية في فنزويلا، في ظل انقسام المجتمع الدولي بشأنها. وفي هذا الإطار، تبرز بوضوح مجموعتان من الدول لكل منهما قراءة مختلفة لأسباب الأزمة ومآلاتها، كما تتباين الأدوات التي لجأت إليها كل مجموعة للتعامل معها.
ففي المجموعة الأولى، التي تدعم جوايدو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، تقف الولايات المتحدة وحلفاؤها في أميركا الجنوبية والوسطى، وكذلك كندا، وإسرائيل، وأستراليا، وبعض الدول الأوروبية، وتحديدًا بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والبرتغال، وإسبانيا، التي هددت بالاعتراف بجوايدو رئيًسا في حال عدم إجراء انتخابات نزيهة خلال ثمانية أيام. وتفسر تلك الدول الأزمة الراهنة باعتبارها نتيجة طبيعية للممارسات التسلطية للرئيس مادورو، الذي يعتقدون أنه قام باغتصاب السلطة عقب إعلان فوزه في الانتخابات التي جرت في مايو (أيار) الماضي، وشابها التزوير وقاطعتها المعارضة.
وفي هذا الإطار، اتخذت واشنطن، الداعم الأكبر لرئيس الجمعية الوطنية، بعض الخطوات للضغط على مادورو، ومن ذلك دعوتها لمجلس الأمن الدولي لعقد اجتماع في 26 يناير 2019 لمناقشة الوضع في فنزويلا، حيث طالبت، خلال جلسة المجلس، المجتمع الدولي بالاعتراف بجوايدو رئيسًا شرعيًا للبلاد، كما عينت «إليوت أبرامز» مبعوثًا للولايات المتحدة في فنزويلا. وفي ذات السياق، ضاعفت واشنطن من ضغوطها على فنزويلا، حيث فرضت عقوبات على شركة النفط الحكومية الفنزويلية (بتروليوس دي فنزويلا)، شملت تجميد أصول الشركة الموجودة داخل الأراضي الأميركية والتي تبلغ سبعة مليارات دولار، لتضعها تحت ولايتها القضائية، ومن شأن هذه الخطوة أيضًا إلحاق خسائر مالية تُقدر بنحو 11 مليار دولار قيمة صادرات فنزويلا من النفط خلال العام المقبل.
أما المجموعة الثانية من الدول فتمثلها روسيا والصين وبعض حلفاء فنزويلا في المنطقة وخاصة المكسيك، وكوبا، ونيكاراغوا، وبوليفيا، إضافة إلى تركيا، وإيران، وسوريا، وتدعم تلك الدول مادورو باعتباره الرئيس الشرعي للبلاد، وتعتبر أن الأزمة الراهنة تأتي في إطار التدخلات الأميركية المتكررة في الشؤون الداخلية لفنزويلا. وفي هذا السياق، عرقلت روسيا، والصين، وجنوب أفريقيا، وغينيا الاستوائية، مسعى واشنطن لاستصدار بيان في مجلس الأمن الدولي يعبر عن تأييد كامل للجمعية الوطنية الفنزويلية، باعتبارها «المؤسسة الوحيدة المنتخبة ديمقراطيًا» في البلاد.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن الأزمة السياسية في فنزويلا مرشحة للمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة، في ظل إصرار الولايات المتحدة على المضي قدمًا في اتخاذ الخطوات التي من شأنها الإسراع بتغيير النظام الحاكم. ولا يبدو أن جوايدو لديه أي استعداد للتخلي عن موقفه، حيث إنه يكتسب المزيد من الاعتراف الدولي مع مرور الوقت، مما يزيد من تمسكه بإجراء انتخابات رئاسية جديدة، ورفض إجراء حوار مع الرئيس مادورو، في الوقت الذي أعلن أنه سيتولى، باعتباره رئيسًا بالوكالة، السيطرة على أصول بلاده في الخارج. هذا في الوقت الذي يصر الرئيس مادورو فيه على البقاء في السلطة، رافضًا التهديدات الأميركية والإنذارات الأوروبية.
 
باحثة متخصصة في شؤون أميركا اللاتينية والكاريبي


اشترك في النقاش