صندوق النقد الدولي: التوسع العالمي يتراجع في سياق من المخاطر المتنامية

أسعار النفط أقل من 60 دولارًا للبرميل في 2019 و2020.. وانخفاض المعادن 7.4 في المائة
* استمرار الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة خلال العامين المقبلين
* تباطؤ الاقتصاد الصيني بدرجة أعمق خطرٌ على الاستقرار المالي النظامي
* تخفيض تكلفة التجارة وتسوية الخلافات دون زيادة الحواجز الجمركية وغير الجمركية
* تقليص الفساد والحد من التهرب الضريبي وتعزيز شبكة الأمان المالية العالمية
* اتخاذ إجراءات داعمة للإنتاجية تزيد من المشاركة في سوق العمل ولا سيما للنساء
* إبقاء نسب الدين في حدود يمكن الاستمرار في تحملها في ظل الأوضاع المالية الخارجية
* مرونة سعر الصرف يساهم في الوقاية من الصدمات الخارجية

أولويات السياسة الاقتصادية
 
القاهرة: رغم بقاء النمو العالمي في 2018 قريبًا من مستوياته المرتفعة، فقد بدأ الاقتصاد العالمي يميل إلى الضعف وبمعدل أسرع إلى حد ما مقارنة بالتوقعات السابقة. ومن المقدر للنمو العالمي أن يبلغ 3.7 في المائة لعام 2018، رغم تراجع الأداء في بعض الاقتصادات، ولا سيما اقتصادات في أوروبا وآسيا. ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بمعدل 3.5 في المائة في 2019 و3.6 في المائة في 2020. بانخفاض قدره 0.2 و0.1 نقطة مئوية بحسب تقرير آفاق الاقتصاد العالمي.
وخفض التقرير تنبؤات النمو العالمي لعامي 2019 و2020 لعدة أسباب من بينها الآثار السلبية لزيادات الرسوم الجمركية التي قررتها الولايات المتحدة والصين في مطلع ذلك العام. ويرجع جانب من التخفيض الإضافي للتنبؤات منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى الأثر المرحل لتراجع الزخم في النصف الثاني من 2018 – وهو ما يشمل ألمانيا عقب استحداث المعايير الجديدة لانبعاثات وقود السيارات، وإيطاليا حيث تأثر الطلب المحلي بالمخاوف المتعلقة بالمخاطر السيادية والمالية – ولكنه يُعزى أيضًا إلى تراجع المزاج السائد في الأسواق المالية والانكماش الاقتصادي في تركيا والذي يُتوقع حاليًا أن يكون أعمق من المقدر في التوقعات السابقة.
ويميل ميزان المخاطر إلى جانب التطورات السلبية فيما يتعلق بالنمو العالمي. فلا تزال زيادة التوترات التجارية عما تشير التنبؤات الحالية مصدر خطر كبير يحيط بالآفاق المتوقعة. وقد ضاقت الأوضاع المالية بالفعل منذ الخريف الماضي. وهناك مجموعة من المسببات بخلاف التوترات التجارية المتصاعدة يمكن أن تزيد من تراجع مزاج المستثمرين بالنسبة لتحمل المخاطر، مما يعود على النمو بانعكاسات سلبية، وخاصة بالنظر إلى ارتفاع مستويات الدين العام والخاص. وتتضمن هذه المسببات المحتملة انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي «دون اتفاق» وتباطؤ الاقتصاد الصيني بدرجة أكبر من المتصور.
وتتمثل أهم الأولويات المشتركة على صعيد السياسات في ضرورة قيام البلدان بتسوية تعاونية وسريعة للخلافات التجارية وما تسببه من عدم يقين بشأن السياسات، بدلاً من زيادة الحواجز الضارة وزعزعة الاستقرار في اقتصاد عالمي متباطئ بالفعل. ومن الأمور الضرورية في كل الاقتصادات اتخاذ تدابير لزيادة نمو الناتج الممكن وتعزيز طابعه الاحتوائي وتقوية هوامش الأمان في المالية العامة والقطاع المالي في بيئة تتسم بارتفاع أعباء الديون وزيادة ضيق الأوضاع المالية.

 




Caption


 
السلع الأولية والتضخم
اتسمت أسعار النفط الخام بالتقلب منذ شهر أغسطس (آب)، انعكاسًا لآثار العرض، بما في ذلك السياسة الأميركية تجاه صادرات النفط الإيرانية، ثم المخاوف التي ظهرت مؤخرًا من تراجع الطلب العالمي. ففي مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، بلغت أسعار النفط الخام نحو 55 دولارًا للبرميل وتوقعت الأسواق بقاء الأسعار حول هذا المستوى بوجه عام على مدار الأربع إلى الخمس سنوات القادمة. وسجلت أسعار المعادن والسلع الزراعية بعض الانخفاض منذ شهر أغسطس، وهو ما يرجع في جانب منه إلى انخفاض الطلب من الصين.
وظل تضخم أسعار المستهلكين تحت السيطرة بوجه عام في الشهور الأخيرة في الاقتصادات المتقدمة، لكنه سجل بعض الارتفاع في الولايات المتحدة، حيث يظل النمو أعلى من المستوى الاتجاهي. وفي اقتصادات الأسواق الصاعدة، بدأت الضغوط التضخمية تتراجع مع هبوط أسعار النفط. وبالنسبة لبعض هذه البلدان، تسبب تمرير انخفاض أسعار العملات إلى الأسعار المحلية في تحييد أثر هذا التراجع بصورة جزئية.
ومن المتوقع أن يبلغ متوسط أسعار النفط أقل بقليل من 60 دولارًا للبرميل في 2019 و2020، هبوطًا من نحو 69 دولارًا و66 دولارًا على الترتيب. ومن المتوقع أيضًا أن تنخفض أسعار المعادن بنسبة 7.4 في المائة على أساس سنوي مقارن في عام 2019. وهو ما يمثل انخفاضا أعمق من المتوقع، وأن تظل دون تغير يُذكر في عام 2020. وقد تم تخفيض تنبؤات الأسعار بدرجة محدودة لمعظم السلع الزراعية الرئيسية.


 
حقوق الملكية
ضاقت الأوضاع المالية في الاقتصادات المتقدمة منذ الخريف، وتم تخفيض تقييمات حقوق الملكية – التي كانت مفرطة في بعض البلدان – مع تراجع درجة التفاؤل بشأن الإيرادات المتوقعة وسط التوترات التجارية المتصاعدة وتوقعات تباطؤ النمو العالمي.
وأدت المخاوف المتعلقة بإغلاق الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة إلى زيادة التأثير السلبي على المزاج السائد في القطاع المالي قرب نهاية العام. كذلك يبدو أن البنوك المركزية الكبرى تتبنى منهجًا أكثر حذرًا. فبينما قام بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة برفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة على القروض الفيدرالية إلى 2.25 - 2.50 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، فقد أشار إلى السير بوتيرة أكثر تدرجًا في رفع أسعار الفائدة خلال العامين 2019 و2020.
وطبقًا لما أُعلن مسبقًا، فقد قام البنك المركزي الأوروبي بإيقاف مشتريات الأصول الصافية في ديسمبر (كانون الأول). غير أنه أكد أيضًا أن السياسة النقدية ستظل تيسيرية إلى حد كبير، دون رفع أسعار الفائدة الأساسية حتى صيف 2019 على الأقل، ومع الاستمرار لوقت طويل بعد الرفع الأول لأسعار الفائدة في إعادة الاستثمار الكامل للسندات التي يحل أجل استحقاقها. وساهمت زيادة تجنب المخاطر، مع تدهور المزاج السائد تجاه آفاق النمو والتحولات في التوقعات المتعلقة بالسياسات، في هبوط عائدات السندات السيادية – ولا سيما سندات الخزانة الأميركية، والسندات الألمانية، وسندات الخزانة البريطانية.
وبين اقتصادات منطقة اليورو، تقلصت فروق أسعار الفائدة على السندات الإيطالية مقارنة بالذروة التي بلغتها في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نتيجة التوصل إلى حل للخلاف مع المفوضية الأوروبية بشأن الميزانية، لكنها لا تزال فروقًا كبيرة حيث بلغت 270 نقطة أساس في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي. ولا تزال الفروق لدى اقتصادات منطقة اليورو الأخرى دون تغير يُذكر في هذه الفترة. وبخلاف السندات السيادية، اتسعت فروق العائد بالنسبة لسندات الشركات الأميركية، انعكاسًا لانخفاض مستوى التفاؤل والمخاوف المتعلقة بقطاع الطاقة نتيجة لانخفاض أسعار النفط.
وشهدت مؤشرات أسهم الأسواق الصاعدة موجة بيعية على مدار هذه الفترة، في سياق تصاعد التوترات التجارية وزيادة تجنب المخاطر. ونظرًا للمخاوف من الآثار التضخمية لزيادات أسعار النفط في وقت سابق، وكذلك سد فجوات الناتج أو تمرير انخفاض أسعار العملات في بعض الحالات، لجأت البنوك المركزية في كثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة في شيلي وإندونيسيا والمكسيك والفلبين وروسيا وجنوب أفريقيا وتايلند إلى رفع أسعار الفائدة الأساسية منذ الخريف. وعلى العكس من ذلك، احتفظ البنك المركزي في كل من الصين والهند بأسعار الفائدة الأساسية دون تغيير واتخذ إجراءات لتيسير أوضاع التمويل المحلية، عن طريق تخفيض متطلبات الاحتياطي الإلزامي للبنوك وتوفير السيولة للشركات المالية غير المصرفية، على الترتيب.
ومنذ مطلع يناير، ومع بعض الاستثناءات في المكسيك وباكستان، تواجه حكومات الأسواق الصاعدة عمومًا انخفاضا في عائدات السندات طويلة الأجل بالعملة المحلية مقارنة بما كانت عليه في شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول). وقد حدث بعض الارتفاع في فروق العائد على السندات السيادية بالعملة الأجنبية في معظم البلدان، وكان الارتفاع كبيرًا في بعض الأسواق الواعدة.


 
التدفقات الرأسمالية وأسعار الصرف
مع قيام المستثمرين بتخفيض تعرضهم للأصول الخطرة بوجه عام، تعرضت اقتصادات الأسواق الصاعدة لخروج تدفقات رأسمالية صافية منها في الربع الثالث من 2018. ومنذ مطلع يناير، لا يزال الدولار الأميركي دون تغير يُذكر بالقيمة الفعلية الحقيقية مقارنة بسبتمبر الماضي، بينما تراجع اليورو بنسبة 2 في المائة تقريبًا في ظل تباطؤ النمو والمخاوف المتعلقة بالأوضاع في إيطاليا، وانخفض الجنيه الإسترليني بنحو 2 في المائة مع ارتفاع عدم اليقين المحيط بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، ارتفع سعر الين الياباني بنسبة 3 في المائة تقريبًا نظرًا لزيادة تجنب المخاطر. وتعافت العملات في عدة أسواق صاعدة – منها الليرة التركية والبيزو الأرجنتينية والريال البرازيلي والراند الجنوب أفريقي والروبية الهندية والروبية الإندونيسية – مقارنة بتقييماتها المنخفضة في الفترة من أغسطس إلى سبتمبر 2018.
 
توقعات النمو
من المقدر أن يبلغ النمو العالمي 3.7 في المائة في 2018، مثلما كان في الخريف الماضي، لكن بوادر التباطؤ في النصف الثاني من 2018 أدت إلى تخفيض التنبؤات لعدة اقتصادات. وسينتقل أثر الضعف الذي شهده النصف الثاني من 2018 إلى أرباع العام القادمة، إذ تفيد التوقعات بانخفاض النمو العالمي إلى 3.5 في المائة في 2019 قبل أن يحقق ارتفاعًا طفيفًا إلى 3.6 في المائة في 2020، بانخفاض قدره 0.2 نقطة مئوية و0.1 نقطة مئوية، على الترتيب.
ويعكس هذا النمط الذي يسير عليه النمو انخفاضا مزمنًا - وبسرعة أكبر من المتوقع آنفًا - في معدل نمو الاقتصادات المتقدمة مقارنة بمستوياتها السابقة التي تجاوزت الاتجاه العام، كما يعكس انخفاضا مؤقتًا في معدل نمو اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية في 2019. بسبب الانكماش في الأرجنتين وتركيا، بالإضافة إلى تأثير الإجراءات التجارية على الصين وغيرها من الاقتصادات الآسيوية.
 
الاقتصادات المتقدمة
وعلى وجه التحديد، من المتوقع أن يتباطأ النمو في الاقتصادات المتقدمة من معدل تقديري قدره 2.3 في المائة في 2018 إلى 2 في المائة في 2019 وإلى 1.7 في المائة في 2020. ويقل هذا المعدل المقدر لعام 2018 والمتوقع لعام 2019 بمقدار 0.1 نقطة مئوية، وهو ما يرجع في معظمه إلى تخفيض التوقعات لمنطقة اليورو.
فمن المنتظر أن يسجل النمو في منطقة اليورو بعض التراجع من 1.8 في المائة في 2018 إلى 1.6 في المائة في 2019. بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية عن المتوقع في الخريف الماضي، و1.7 في المائة في 2020. وقد تم تخفيض معدلات النمو المتوقعة لكثير من الاقتصادات، ومن أبرزها: ألمانيا، بسبب انخفاض الاستهلاك الخاص، وضعف الإنتاج الصناعي عقب تطبيق معايير انبعاثات السيارات المعدلة، وتراجع الطلب الأجنبي... وإيطاليا، بسبب ضعف الطلب المحلي وارتفاع تكاليف الاقتراض مع بقاء عائدات السندات السيادية مرتفعة... وفرنسا، بسبب التأثير السلبي لاحتجاجات الشارع الفرنسي والإجراءات الصناعية.


 
بريطانيا
هناك عدم يقين كبير يحيط بالتوقع الأساسي البالغ 1.5 في المائة تقريبًا للنمو في المملكة المتحدة في 2019 - 2020. ويرجع عدم تغيير التوقع الحالي عما كان عليه في أكتوبر 2018، إلى الأثر السلبي المقابل المترتب على امتداد فترة عدم اليقين بشأن نتيجة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي والأثر الإيجابي لدفعة التنشيط المالي المعلنة في ميزانية 2019.
ويفترض هذا التوقع الأساسي التوصل إلى اتفاق مصاحب للخروج من الاتحاد الأوروبي في عام 2019 وانتقال المملكة المتحدة بالتدريج إلى نظام جديد. غير أن الشكل الذي سيتم به الخروج في نهاية المطاف لا يزال محاطًا بقدر كبير من عدم اليقين منذ منتصف يناير الجاري.
وبالنسبة للمجموعة التي تضم اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، من المتوقع حدوث انخفاض طفيف في النمو ليبلغ 4.5 في المائة في 2019. هبوطًا من 4.6 في المائة في 2018، قبل أن يتحسن مسجلاً 4.9 في المائة في 2020. ويقل المتوقع لعام 2019 بنسبة 0.2 نقطة مئوية عما ورد في عدد أكتوبر 2018 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي.
 
آسيا
سيهبط النمو في آسيا الصاعدة والنامية من 6.5 في المائة في 2018 إلى 6.3 في المائة في 2019 وإلى 6.4 في المائة في 2020. فرغم دفعة التنشيط المالي التي تعوض جانبا من تأثير ارتفاع الرسوم الجمركية الأميركية، سيتباطأ الاقتصاد في الصين نتيجة للأثر المجمع للتشديد المطلوب في إجراءات التنظيم المالي والتوترات التجارية مع الولايات المتحدة. ومن المنتظر أن يتحسن اقتصاد الهند في 2019. إذ يستفيد من انخفاض أسعار النفط وتباطؤ وتيرة التشديد النقدي مقارنة بالتوقعات السابقة، مع تراجع ضغوط التضخم.
 
ضعف النمو في أوروبا
من المتوقع حاليًا أن يضعف النمو في أوروبا الصاعدة والنامية في 2019 مقارنة بالتوقعات السابقة، ليبلغ 0.7 في المائة، هبوطًا من 3.8 في المائة في 2018، رغم النمو القوي عمومًا في أوروبا الوسطى والشرقية، ثم يتعافى إلى 2.4 في المائة في 2020. وترجع التوقعات إلى الانكماش الكبير المتوقع في 2019 وتباطؤ التعافي في تركيا عام 2020، في سياق تشديد السياسات والتكيف مع أوضاع التمويل الخارجي الأكثر ضيقًا.
 
أميركا اللاتينية
وفي أميركا اللاتينية، من المتوقع أن يتعافى النمو على مدار العامين القادمين، حيث يرتفع من 1.1 في المائة في 2018 إلى 2 في المائة في 2019 وإلى 2.5 في المائة في 2020، وهو ما يقل بنسبة 0.2 نقطة مئوية للعامين عما كان متوقعًا من قبل. وترجع التعديلات إلى تخفيض آفاق النمو المتوقعة للمكسيك في 2019 - 2020، انعكاسًا لانخفاض الاستثمارات الخاصة، وتعرض فنزويلا لانكماش أشد مما كان متوقعًا لها. وتتوازن هذه التخفيضات بصورة جزئية فقط مع التوقعات الأعلى الموضوعة للبرازيل في 2019. حيث يُتوقع استمرار التعافي التدريجي من الركود الذي شهدته في الفترة 2015 - 2016. وسوف ينكمش اقتصاد الأرجنتين في عام 2019 مع تباطؤ الطلب المحلي نتيجة لتشديد السياسات بغية خفض الاختلالات، قبل أن يعاود النمو في عام 2020.


 
الشرق الأوسط
وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، من المتوقع أن يظل النمو ضعيفًا عند مستوى 2.4 في المائة في عام 2019. ثم يتعافى إلى نحو 3 في المائة في 2020. وهناك عوامل متعددة تؤثر على آفاق الاقتصاد في المنطقة، بما في ذلك ضعف نمو الناتج النفطي الذي يوازن التحسن المتوقع في النشاط غير النفطي (السعودية)؛ وضيق الأوضاع التمويلية (باكستان)؛ والعقوبات الأميركية (إيران)؛ والتوترات الجغرافية - السياسية في عدة اقتصادات.
وفي أفريقيا جنوب الصحراء، من المتوقع أن يتحسن النمو من 2.9 في المائة في 2018 إلى 3.5 في المائة في 2019. و3.6 في المائة في 2019. ويقل النمو المتوقع في العامين بمقدار 0.3 نقطة مئوية عن المتوقع في أكتوبر الماضي، نظرًا لتخفيض التوقعات لكل من أنغولا ونيجيريا على أثر تراجع أسعار النفط.
وتخفي الأرقام الكلية للمنطقة تباينًا كبيرًا في أداء البلدان، حيث يُتوقع أن يحقق أكثر من ثلث اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء نموًا يتجاوز 5 في المائة في الفترة 2019 - 2020. ومن المتوقع أن يتوسع النشاط في كومنولث الدول المستقلة بنحو 2.25 في المائة في 2019 - 2020، بانخفاض طفيف عن المتوقع في أكتوبر 2018 نظرًا لتأثر آفاق النمو في روسيا بتراجع الاحتمالات المتوقعة لأسعار النفط على المدى القريب.
 
التوترات التجارية
من الخطوات المهمة نحو نزع فتيل التصعيد للاحتكاكات التجارية الحالية ما تم في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك (USMCA) لتحل محل اتفاقية «نافتا» للتجارة الحرة، و«مهلة» التسعين يومًا التي أعلنتها الولايات المتحدة والصين قبل زيادة الرسوم الجمركية، وكذلك ما أُعلِن من تخفيض للرسوم الجمركية الصينية على واردات السيارات الأميركية. غير أن النتائج النهائية لا تزال تخضع لعملية تفاوض قد تكون صعبة في حالة النزاع الأميركي - الصيني وإجراءات الموافقة المحلية على الاتفاقية. ومن ثم، فلا يزال الخطر يهدد التجارة والاستثمار والناتج على مستوى العالم من جراء عدم اليقين بشأن السياسات، وكذلك التوترات التجارية الراهنة الأخرى.
وإذا فشلت تسوية الخلافات وأسفر ذلك عن زيادة الحواجز الجمركية، فمن الممكن أن تزداد تكاليف السلع الوسيطة والرأسمالية المستوردة وترتفع أسعار السلع النهائية التي يتحملها المستهلكون.
وبخلاف هذه الآثار المباشرة، فإن ارتفاع عدم اليقين بشأن السياسات التجارية والمخاوف المتعلقة بالتصعيد والإجراءات الانتقامية من شأنهما تخفيض استثمارات الأعمال، وإحداث اضطرابات في سلاسل العرض، وإبطاء نمو الإنتاجية. ويؤدي ذلك إلى إضعاف آفاق الربحية في قطاع الشركات، مما يمكن أن يؤثر على المزاج السائد في الأسواق المالية ويزيد من ضعف النمو.


 
مزاج الأسواق المالية
انخفضت أسعار الأسهم في النصف الثاني من عام 2018 بمساهمة من احتدام التوترات التجارية، فضلاً على المخاوف المتعلقة بالسياسة المالية العامة الإيطالية، والقلق إزاء الأوضاع في عدة أسواق صاعدة، ثم القلق إزاء إغلاق الحكومة الفيدرالية الأميركية بالقرب من نهاية العام. ويمكن أن تؤدي مجموعة من الأحداث الدافعة في الاقتصادات الأساسية المؤثرة على النظام إلى إحداث تدهور أوسع نطاقًا في مزاج المستثمرين وإطلاق عملية مفاجئة وحادة لإعادة تسعير الأصول في سياق يتسم بارتفاع أعباء الديون. ومن المرجح أن يكون النمو العالمي أقل من المتوقع في السيناريو الأساسي إذا ما تحققت هذه الأحداث وتمخضت عن حالة عامة من تجنب المخاطر.
فقد ضاقت فروق العائد على السندات الإيطالية مقارنة بمستويات الذروة التي بلغتها في فترة أكتوبر - نوفمبر الماضيين، ولكنها لا تزال كبيرة. وإذا استمرت العائدات المرتفعة لفترة طويلة، فسوف تزداد الضغوط على البنوك الإيطالية، ويتأثر النشاط الاقتصادي، وتتفاقم ديناميكية الدين. وهناك عوامل أخرى ذات خصوصية أوروبية يمكن أن تتسبب في تجنب المخاطر على نطاق أوسع، ومنها تزايد احتمالات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بصورة مربكة دون اتفاق، مع ما يسببه ذلك من تداعيات سلبية عابرة للحدود وزيادة التشكك في أوروبا الذي يؤثر على نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي.
 
الاقتصاد الصيني
يشير التقرير إلى مصدر ثان للخطر على الاستقرار المالي النظامي، وهو تباطؤ الاقتصاد الصيني بدرجة أعمق من المتصور، مع ما يسببه من انعكاسات سلبية على الشركاء التجاريين وأسعار السلع الأولية العالمية.
فقد تباطأ الاقتصاد الصيني في 2018 لأسباب أهمها تشديد قواعد التنظيم المالي لكبح جماح نشاط صيرفة الظل واستثمار الحكومات المحلية غير المدرج في الميزانية، ونتيجة لاتساع نطاق النزاع التجاري مع الولايات المتحدة، مما كثف التباطؤ بالقرب من نهاية العام.
ومن المتوقع حدوث مزيد من التباطؤ في عام 2019. وقد اتخذت السلطات إجراءات لمواجهة هذا التباطؤ بالحد من إجراءاتها المتخذة لتشديد التنظيم المالي، وضخ السيولة عن طريق خفض متطلبات الاحتياطي الإلزامي في البنوك، وتطبيق التحفيز المالي عن طريق استئناف الاستثمارات العامة. ومع ذلك، فقد لا يصل النشاط إلى المستوى المتوقع، وخاصة إذا لم تقل التوترات التجارية. وكما حدث خلال الفترة من 2015-2016. يمكن أن تؤدي المخاوف المتعلقة بسلامة الاقتصاد الصيني إلى إطلاق موجات بيعية مفاجئة وواسعة النطاق في الأسواق المالية والسلعية بما يفرض ضغوطًا على الشركاء التجاريين والبلدان المصدرة للسلع الأولية وغيرها من الأسواق الصاعدة.
 
جدول أعمال الحكومات الجديدة
وبخلاف إمكانية تصاعد التوترات التجارية وحدوث تحول أوسع نطاقًا في مزاج الأسواق المالية، هناك عوامل أخرى تزيد من مخاطر التطورات السلبية على الاستثمار والنمو العالميين، وهي تتضمن عدم اليقين بشأن جدول الأعمال المنتظر لسياسات الحكومات الجديدة، وامتداد فترة إغلاق الحكومة الفيدرالية الأميركية، بالإضافة إلى التوترات الجغرافية - السياسية في الشرق الأوسط وشرق آسيا. وتتضمن المخاطر التي تتسم بطابع أبطأ إلى حد ما انتشار آثار تغير المناخ واستمرار تراجع الثقة في المؤسسات والأحزاب السياسية الراسخة.
 
أولويات السياسات
ومع تجاوز الزخم مرحلة الذروة، وميل المخاطر المحيطة بالنمو العالمي نحو التطورات السلبية، وضيق حيز المناورة من خلال السياسات في كثير من البلدان، تتضح الحاجة الماسة لتركيز السياسات المحلية ومتعددة الأطراف على منع زيادة التباطؤ وتعزيز الصلابة. ومن الأولويات المشتركة رفع آفاق النمو متوسط الأجل مع تعزيز الإدماج الاقتصادي.
ويبتغي تعاون صناع السياسات معالجة مصادر الاستياء من النظام التجاري القائم على القواعد، وتخفيض تكاليف التجارة، وتسوية الخلافات دون زيادة الحواجز الجمركية وغير الجمركية. وإذا لم يتحقق ذلك، يمكن أن تزداد زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي المتباطئ.
وبخلاف التجارة، يمكن أن يساعد توثيق التعاون في مجموعة من القضايا المتنوعة على توسيع نطاق المكاسب المحققة من التكامل الاقتصادي العالمي، بما في ذلك إصلاحات التنظيم المالي؛ ونظام الضرائب الدولية والحد من سبل التهرب الضريبي عبر الحدود؛ وتقليص الفساد؛ وتعزيز شبكة الأمان المالية العالمية لتقليل حاجة البلدان إلى التأمين الذاتي في مواجهة الصدمات الخارجية.
ومن التحديات الكبرى أمام المجتمع العالمي ضرورة تخفيف آثار تغير المناخ والتكيف معها لتقليل احتمالات وقوع آثار إنسانية واقتصادية مدمرة نتيجة للمستويات المتطرفة من ارتفاع درجات الحرارة وسقوط الأمطار والجفاف.
وعلى مستوى السياسات المحلية، لا تزال أولويات السياسات في الاقتصادات المتقدمة والأسواق الصاعدة والبلدان النامية منخفضة الدخل دون تغير يُذكر، لكن في الاقتصادات المتقدمة، من المنتظر حدوث بعض الانخفاض في النمو الذي تجاوز المستوى الاتجاهي ليصل إلى مستواه الممكن المحدود، لذا ينبغي أن تركز كل البلدان على اتخاذ إجراءات داعمة للإنتاجية، وتزيد من المشاركة في سوق العمل، ولا سيما للنساء، وكذلك للشباب في بعض الحالات، والتأكد من توافر التأمينات الاجتماعية الكافية، وهو ما يشمل الفئات المعرضة لآثار التحول الهيكلي. وأن تضمن السياسة النقدية استمرار ثبات التوقعات التضخمية، وعلى السياسة المالية العامة أن تبني هوامش أمان حيثما دعت الحاجة لتوسيع حيز المناورة المحدود على صعيد السياسات بغية التصدي لفترات الهبوط الاقتصادي.
وقد خضعت اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية للاختبار من خلال الأوضاع الخارجية الصعبة على مدار الشهور القليلة الماضية في غمار التوترات التجارية، وتصاعد أسعار الفائدة الأميركية، وارتفاع سعر الدولار الأميركي، وخروج التدفقات الرأسمالية، وتقلب أسعار النفط. وفي بعض الاقتصادات، سيتعين تعزيز أطر السلامة الاحترازية الكلية لمعالجة ارتفاع أعباء الدين الخاص وعدم التوافق بين العملات وآجال الاستحقاق في الميزانيات العمومية.
ويمكن أن تكون مرونة سعر الصرف عاملاً مكملاً لهذه السياسات عن طريق مساهمتها في الوقاية من الصدمات الخارجية. وحيثما كانت توقعات التضخم مستقرة، يمكن للسياسة النقدية أن تدعم النشاط المحلي حسب الحاجة.
وعلى السياسة المالية العامة إبقاء نسب الدين في حدود يمكن الاستمرار في تحملها في ظل الأوضاع المالية الخارجية التي أصبحت أكثر صعوبة. ويمكن أن يساعد تحسين توجيه الدعم إلى مستحقيه وترشيد النفقات المتكررة في الحفاظ على المصروفات الرأسمالية اللازمة لدعم النمو الممكن والإنفاق الاجتماعي المطلوب لزيادة التقدم في إدماج الجميع.
وبالنسبة للبلدان النامية منخفضة الدخل، سيكون تضافر الجهود في هذه المجالات عاملاً مساعدا أيضًا في تنويع هياكل الإنتاج، وهي ضرورة ملحة للاقتصادات التي تعتمد على السلع الأولية، والتقدم نحو تحقيق «أهداف التنمية المستدامة» التي حددتها الأمم المتحدة.
 


اشترك في النقاش