أطفال «داعش»

«ذئاب منفردة» بهيئة أطفال تفترس في أي لحظة

* «تنظيم شادي» بداية «أشبال الخلافة»
* «داعش» يحوّل البراءة إلى قنابل موقوتة
* تجنيد الأطفال من كل الجنسيات أخطر خطط «داعش» على مستقبل العالم

القاهرة: دراسة بعنوان «أطفال (داعش)... الذئاب المنفردة: تحول البراءة إلى قنابل موقوتة» للكاتب المصري عصام عبد الجواد، ترصد تجنيد تنظيم «داعش» الإرهابي الأطفال في مختلف أنحاء العالم، من خلال تجهيزهم وتدريبهم والدفع بهم لتنفيذ عمليات إرهابية مروعة تحول البعض منهم إلى ذئب منفرد قد يفترس في أي لحظة ليحصد الأرواح البريئة.
 
* أساليب التجنيد
 
قبل أن تدخل الدراسة في تفاصيل «داعش» تلقي «الضوء بشكل بسيط على أطفال الإرهاب، الذين استطاعت الجماعات المتطرفة في فترة التسعينات من القرن الماضي تجنيدهم في مصر، من خلال نشاطات (الجماعة الإسلامية)، (أحد التيارات المتطرفة في مصر) التي كانت منتشرة في جنوب البلاد تحديداً، وفي بعض محافظات الشمال والقاهرة، ومعها جماعة الإخوان، خصوصاً بعد أن رأت الجماعة الإسلامية والإخوان أن مستقبل التطرف في مصر وانتشاره لن تكون له الاستمرارية، إلا من خلال تجنيد الأطفال، حتى يضمنوا ولاءهم في الكبر. لذلك كان التركيز على الأطفال من المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، حتى إذا وصلوا للجامعة، يمكن أن يتم اختيار الأمراء والقيادات منهم».
وكشفت الدراسة عن أن أهم تنظيم أطفال في مصر كان «تنظيم شادي» في فترة التسعينات من القرن الماضي، الذي تحول بعد القبض عليهم؛ وعددهم 45 فرداً، إلى «تنظيم الأطفال» بعد أن تبين أن عدد الأطفال الذين تم ضبطهم داخل هذا التنظيم بلغ 27 طفلاً، وكانت اجتماعاتهم تعقد في «مسجد شادي» لجمع المعلومات ونقلها لأمراء الجماعة، وكان يتم تدريبهم ليكونوا جاهزين لأي عمليات إرهابية. وبعد القبض عليهم وأثناء التحقيقات تبين أن هؤلاء جميعاً كانوا يحضرون إلى المسجد من قرى ونجوع بعيدة ليلتقوا بقيادات الجماعة، وغسل أدمغتهم بالأفكار المتطرفة، وفي الوقت نفسه تستفيد منهم الجماعة في نقل أخبار وتحركات الأجهزة الأمنية في هذه المناطق.
وذكرت الدراسة أن العالم كله في حالة مراقبة لما يقوم به تنظيم داعش الإرهابي من عمليات إرهابية عن طريق استخدام ما تسمى «الذئاب المنفردة» التي تتكون من مجموعة صغيرة قد لا يزيد عدد أفرادها على 3 أشخاص يستطيعون تنفيذ عمليات إرهابية في المكان الذي يقيمون فيه دون أن ترصدهم أعين أجهزة الأمن، فقد استطاعت هذه الذئاب تنفيذ عمليات في قلب أوروبا وأميركا، مما جعل الأمر أكثر خطورة، لأن هؤلاء الإرهابيين غير معروفين أو مسجلين في سجلات أجهزة الأمن.
لكن الأخطر على الإطلاق وعلى مستقبل العالم كله، ما يقوم به «داعش» من تجنيد الأطفال من كل الجنسيات، وتجهيزهم وتدريبهم والدفع بهم لتنفيذ عمليات إرهابية، فيتحول البعض منهم «ذئابا منفردة» ليفترس في أي لحظة، لدرجة أن التنظيم بدأ ينظر لمستقبله في هؤلاء الأطفال الصغار بعد أن قتل فيهم البراءة نهائيا وأصبحوا قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت.
وبحسب الدراسة، فإن تقارير إعلامية غربية أفادت بأن تنظيم «داعش» يقوم على بدأ ممارسة عمليات غسل الأدمغة وزرع الفكر المتطرف في عقول عدد كبير من الأطفال، ليس فقط في سوريا والعراق وليبيا واليمن ونيجيريا والصومال؛ بل امتدت عمليات التجنيد إلى كثير من دول العالم، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، حتى يستطيع التنظيم أن يبلغ مراده في أي بلد يريد أن ينفذ عملياته فيه. كما أكدت دراسات غربية كثيرة أن خطط «داعش» تقوم على إرسال الأطفال بعد إنهاء دوراتهم التدريبية لتنفيذ عمليات انتحارية، أو تركهم ينضجون لمرحلة مستقبلية، أو زرعهم بصفتهم خلايا نائمة تهدد بظهور جيل من الدواعش في مستقبل أكثر تطرفا ودموية من الجيل الحالي.
وتقول الدراسة إن هناك دراسة أميركية كشفت عن زيادة أعداد الأطفال المشاركين في العمليات الانتحارية، وأن 89 طفلا وقاصرا قتلوا في معارك التنظيم المتطرف، وأن 39 في المائة من هؤلاء الأطفال قتلوا خلال تنفيذهم هجمات بسيارات مفخخة، في حين قتل 33 في المائة أثناء المعارك، حيث إن التنظيم الإرهابي يستخدم الأطفال سلاح قتل، حيث لا يشك أحد في هؤلاء الصغار. ومن هذه العمليات، على سبيل المثال، قيام طفلين يبلغان من العمر 12 و14 عاما بتفجير نفسيهما في مدينة ديلول التركية، بينما قامت طفلة عمرها 9 سنوات حملها والدها إلى قسم شرطة الميدان بمدينة الغوطة بدمشق في سوريا، بتفجير نفسها وسط زحام القسم بحزام ناسف وخلفت وراءها 17 مصابا من ضباط الشرطة، حيث فاجأ والدها الجميع ببث فيديو على صفحته في «فيسبوك»، يجمع الطفلة وشقيقتها وهو يتحدث إليهما عن العملية التي ينوي إرسالهما لتنفيذها، وهي تفجير نفسيهما داخل قسم الشرطة.


 
* أطفال «داعش» والخطة بعيدة المدى
 
وكشفت الدراسة عن أن «أشبال الخلافة» أو «أطفال داعش» جزء من خطة التنظيم الإرهابي بعيدة المدى لكي يبني جيشه الخاص، لذا فهو يستغل الآلاف من أطفال المناطق الخاضعة لسيطرته في العراق وسوريا، ويجندهم لاستخدامهم في أعماله لإرهابية، خصوصاً أطفال الإيزيديين وأتباع الديانات والطوائف الأخرى، حيث تشير تقارير عالمية إلى أن عدد الانتحاريين من الأطفال وصغار السن التابعين لـ«داعش» زاد 3 مرات عام 2016 مقارنة بعام 2015، مؤكدة أن تنظيم «داعش» يعتمد في تدريبه على آيات القتال في القرآن الكريم، خصوصا تلك التي يوجد بها قتال الكفار، لكي تتولد لدى الأطفال قناعة بقتل كل من يرونه كافرا؛ بحسب مفهوم «داعش».
وبحسب الدراسة، توجد لدى تنظيم الدولة 3 أنواع من المدارس لتهيئة الأطفال من خلالها وإعدادهم للقيام بالعمليات الانتحارية؛ فالمدرسة الأولى هي المدرسة الدينية الأكثر خطورة؛ إذ يتم فيها تشكيل عقول الأطفال ووعيهم بترسيخ الفكر الإرهابي في عقيدتهم وزرع كراهية غير المسلمين في نفوسهم. أما المدرسة الثانية فهي القتالية التي تقوم بتدريبهم على فنون القتال كافة بشكل علمي. والمدرسة الثالثة هي الفكرية، وتتم فيها تهيئة الأطفال فكريا ونفسيا لكي تكون لديهم القدرة على ذبح ضحاياهم دون رحمة أو شفقة.
وأكد 4 أطفال هربوا من «داعش» أن إراقة الدماء أصبحت شيئا عاديا بالنسبة لهم بعد تعرضهم لوقائع عنف في تلك المعسكرات التدريبية، ولعل أكثر ما كان يؤكده التنظيم لهم هو «أننا سنذهب للجنة فورا بعد الموت...»، بالإضافة إلى أن «(داعش) يعلم الأطفال الإجابة عن سؤالين؛ هما: كيف تقتل؟ وكيف تكون مخلصا لقائدك أو زعيم التنظيم؟».
ونقلت الدراسة ما ذكرته صحيفة الـ«إندبندنت» البريطانية من «أن تنظيم (داعش) يعلم الأطفال في المدارس كيفية صنع القنابل، ويغسل أدمغتهم بالفكر المتشدد، وأن التنظيم استبدل بالمدارس العادية مدارس تعلم الأولاد كيفية القتال والقيام بهجمات انتحارية».
والتقى باحث من منظمة «هيومان رايتس ووتش» مجموعات من الأهالي والأطفال الذين هربوا من مناطق سيطرة «داعش»، بمن في هؤلاء فتيات تعرضن للاغتصاب مرات كثيرة من مسلحيه. وتحدثت الأمهات عن مخاوفهن على أطفالهن الذين لم يستطيعوا الذهاب إلى مدارس عادية واضطروا إلى دراسة المناهج المتطرفة التي وضعها «داعش». كما ذكرت الدراسة ما صرحت به الباحثة في المنظمة سكاي ويلز للصحف، بأن الأطفال الذكور كانوا يجبرون على الخضوع للتدريب العسكري في معسكرات التنظيم بمنطقة الحويحة شمال العراق، مضيفة أن بعض العائلات توقفت عن إرسال أطفالها إلى المدارس خوفا من تعرضهم للقصف، لأن مقاتلي التنظيم يستخدمون المدارس قواعد عسكرية لهم؛ بما في ذلك صفوف حضانة الأطفال.


 
* «داعش» والأطفال... وقواعد التطرف
 
وأفادت الدراسة بأن تنظيم «داعش» نشر فيديو مصورا ظهر فيه طفلان إيزيديان قامت إحدى مجموعاته بتجنيدهما قبل أن ينفذا عملية انتحارية، ويسلط الفيديو الضوء على سياسة تجنيد الأطفال الفاعلة التي يتبعها التنظيم، والتي شهدت تصاعدا ملحوظا مع الهجوم على الموصل؛ ثانية كبرى مدن العراق، قبل أن تتحرر بالكامل. وشرح الطفلان المجندان كيف اعتنقا الإسلام، كما تحدثا عن التوجيه والتدريب اللذين قدمتهما المجموعة المتطرفة لهما، وادعى أحد «الطفلين» أن الإيمان الإيزيدي بمثابة عبادة للشيطان، ويمثل الجهل والوثنية. وتبين أن الطفلين ألحقا بما يسمي «المعهد الديني» التابع للتنظيم؛ حيث جرى تلقينهما عقيدة التنظيم قبل نقلهما إلى معسكر تدريب داخل سوريا، وتعهدا بالولاء والطاعة للقادة المحليين، وجرى تسجيلهما ضمن مجموعة المهاجمين الانتحاريين. وبعد ذلك ظهر الطفلان وهما على متن مركبه مدرعة تحتوي كمية ضخمة من العبوات الناسفة قبل تفجيرها، وانتهى الأمر بتفجيرها بالفعل... ولقيا حتفهما.
وأوردت الدراسة الرصد الذي قامت به مجلة «سي تي سنتينيل» الصادرة عن «الأكاديمية العسكرية الأميركية» حول نعي «داعش»، في إطار حملاته الدعائية، 89 طفلا، حيث زعم أن 51 في المائة منهم لقوا حتفهم في العراق، في حين قضى 37 في المائة منهم في سوريا، أما الأطفال الباقون فقتلوا خلال عمليات في اليمن وليبيا ونيجيريا، وجرى تصنيف 60 في المائة من العينة على أنهم «مراهقون»، وهو ما أظهرته الصور التي نشرها التنظيم، و34 في المائة صنفوا بأنهم من المراهقين الأكبر، و6 في المائة كانوا في مرحلة ما قبل المراهقة.
ومن خلال هذه البيانات يتضح دون أدني شك أن وتيرة تجنيد للأطفال واليافعين والشباب الصغار لأغراض عسكرية تشهد تسارعا؛ إذ ارتفع معدل قتلى الشباب الذين يقتلون في عمليات انتحارية من 6 أفراد إلى 11، في يناير (كانون الثاني) 2016. كذلك هناك ازدياد ملحوظ في معدل العمليات التي يقوم بها طفل واحد أو أكثر أو شاب أو أكثر، بما في ذلك العمليات الانتحارية، حيث تبين ارتفاع عدد العمليات الانتحارية التي شارك فيها أطفال بمعدل 3 أضعاف في يناير 2016، مقارنة بالفترة نفسها في عام 2015.

وقالت الدراسة إن الكتب المدرسية في عالم «داعش» تدين الديمقراطيات الغربية، وتشرح الفارق بين غير المؤمنين أو غير المسلمين والمنافقين أو المسلمين الذين يتعاونون مع الغرب والذين لا يدعمون تنظيم داعش، وفيها يبرر التنظيم منهج العنف، ويزعم أن القتل ضروري لأغراض دينية، ويستخدم هذه الكتب، وفق معد الدراسة، بهدف تشويه نظرة الأطفال إلى العالم بشكل كلي. كذلك تركز الكتب على واجب فرض السلطة الدينية ومحاربة المسلمين الذين يخالفون الشريعة الإسلامية، كما تحظر أي شكل من أشكال الحكم القائمة على المنطق البشري ويختلف عن شريعة الله. بالإضافة إلى ما سبق، فإن أحد الكتب يفصل مختلف الألقاب والوظائف الإدارية في «الدولة الإسلامية» المزعومة، كما يأمر بطاعة الخليفة، مقررا أن أي شخص يعصي أمر الحاكم يعد كافرا. كما يعمد إلى تدريب الطلاب الأصغر سنا في البداية ليصبحوا جواسيس، ومن ثم يجري تشجيعهم على الإبلاغ عن أفراد أسرهم أو الجيران الذين ينتهكون قوانين «داعش».
ووفقا للدراسة، فإن «داعش» يحول البراءة وقوداً للتطرف... وتقول: «...يحاول كبت نظرة الخوف المتعلقة بعيونه... لمحات الطفولة مرسومة بوضوح على وقفته، تحاول أن تنقل غير ذلك... يقبض على السلاح الذي يتمكن من رفعه بصعوبة وهو يقبض عروق وجهه، بينما يصوب نحو هدف مضبوط أمامه، وبمجرد أن يضغط بأصبعه الصغيرة على الزناد؛ ينتفض جسده مع اندفاع الطلقة، معلناً عن واحد من آلاف الأطفال الذين يحولهم التنظيم إلى آلات قتل على أمل أن يكملوا مسيرة الإرهاب، ويحققوا وهْم دولتهم خلال السنوات المقبلة... هذا المشهد المتكرر في فيديوهات التنظيم التي يبثها عبر شبكة الإنترنت وقنواته الافتراضية، يظهر جانباً ضئيلاً مما يعانيه الأطفال الذين وقعوا في أسر التنظيم، قبل أن يضعهم جبراً في صفوف وحداته المسلحة. ولم تكتفِ الفيديوهات بعرض مشاهد التدريب، التي يتعرض خلالها الأطفال للضرب، فعدد من الأطفال ظهر وهو يقول: (سنكبر لنقتل الكفار)، والآخر قال: (سنذبحكم ونقتلكم)... وفي مشهد آخر يظهر الأطفال وهم يودّعون طفلاً آخر سيقوم بتفجير نفسه».
 


اشترك في النقاش