قضية إرنستو أراوجو الغريبة

وزير خارجية البرازيل يريد إنقاذ الغرب مما بعد الحداثة
* يشير خطاب أراوجو المتطرف اليميني إلى أنه قد يكون الأكثر عقلانية في معسكر بولسونارو. وتلمح طريقة تفكيره إلى إمكانية إنهاء مشاركة البرازيل في الأمم المتحدة والسعي إلى تحالف غير مسبوق مع الولايات المتحدة وإسرائيل. 
* من المهم مراقبة أراوجو بسبب رغبته في أن يصبح الصوت الفكري للقومية اليمينية. ولديه اليوم الإمكانية لإيصال أفكاره وسيحاول الاستفادة منها.

أعلن الرئيس البرازيلي المنتخب جايير بولسونارو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 أنه سيعين إرنستو أراوجو في منصب وزير الخارجية. وتسبب هذا التعيين بإثارة جدلٍ واسع، إذ كان أراوجو البالغ من عمره 51 عامًا دبلوماسيا مهنيًا غير متميز في وزارة الخارجية البرازيلية (إيتاماراتي) وذلك خلال معظم فترة حياته المهنية. وشغل مؤخرًا منصب سفير الذي يعتبر متوسطًا في السلك. ووصفه زملاؤه بأنه ذو كفاءة وشخص مطلع، إلّا أنه كان المرشح الأصغر للحصول على الوظيفة العليا في بلدٍ ذي سلك دبلوماسي هرمي بامتياز.
ولم تكن هذه الظروف عادية. فبعد أن أمضى سنواتٍ في واشنطن يروج لسياسات الرؤساء المتعاقبين من حزب العمال اليساري البرازيلي، صدم أراوجو زملاءه عام 2017 عندما نشر مقالاً شديد التحفظ بعنوان «ترامب والغرب» في مجلة «إيتاماراتي» الرسمية. وأدان أراوجو في المقال الأمم المتحدة وغيرها من القوى التي تسمى القوى العالمية لمحاولتهم حل محل القومية الحقيقية التي تنشأ في نظره من «الآلهة والأجداد» بدلاً من النداءات إلى اتباع «القيم» الوهمية. وكتب أراوجو أن الغرب لم يكن يومًا موحدًا بسبب التحالفات والالتزامات مثل حقوق الإنسان بل وتوحد لأنه «مجتمع الأمم» الذي يلتزم بـ«ندوب الماضي»، من نصر اليونانيين على الفرس في سلاميس إلى هبوط الحلفاء في شاطئ أوماها.
ولم يتوقف وزير الخارجية البرازيلي عند ذلك. بل أشار إلى مفكرين رجعيين، بمن فيهم أوسفالد شبنغلر ويوليوس إيفولا، وادعى أن «التقليد الليبرالي والثوري ككل» منذ عصر التنوير كان قائمًا على «رفض الماضي»؛ «رفض الأبطال ورفض العبادة الدينية ورفض الأسرة»، وبلغ ذروته في «الرجل المعاصر ما بعد الحداثة والذي ليس لديه روح». وأدت هذه الأخطاء الفلسفية، بحسب أراوجو، إلى افتقار الحضارة الغربية الشديد إلى الثقة بالنفس. وقال إن الغرب اليوم غير مستعد للدفاع عن نفسه ضد التهديد الداخلي المتمثل في «آيديولوجيا ما بعد الحداثة الليبرالية» والتهديد الخارجي من الحضارات المتنافسة في آسيا والعالم الإسلامي. إلّا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض النزعة القدرية من خلال الترويج لقومية تستند إلى «روابط الثقافة والإيمان والتقاليد». وبحسب عظة أراوجو البليغة فترامب عبارة عن «السلام الملائكي للحضارة الغربية»، ومن الضروري أن تتحد البرازيل معه.
ويشير خطاب أراوجو المتطرف اليميني إلى أنه قد يكون الأكثر عقلانية في معسكر بولسونارو. وتلمح طريقة تفكيره على مستوى النزعات النظرية التي تدفع حركة بولسونارو وأعمال أراوجو المحتملة كوزير للخارجية، إلى إمكانية إنهاء مشاركة البرازيل الوطيدة في الأمم المتحدة والسعي إلى تحالف غير مسبوق مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن المهم مراقبة أراوجو بسبب رغبته في أن يصبح الصوت الفكري للقومية اليمينية. ولديه اليوم الإمكانية لإيصال أفكاره وسيحاول الاستفادة منها.


 
مثقف بين الشعبويين
اختار بولسونارو مزيجًا من الإداريين والشخصيات الآيديولوجية أصحاب الكفاءة العالية أثناء تشكيل حكومته، ويبدو أن قناعاتهم أهّلتهم ليشغلوا مناصبهم الجديدة أكثر من مهاراتهم. والمثال الأول على ذلك هو وزير العدل البرازيلي الجديد القاضي سيرجيو مورو؛ فقد اكتسب سمعة طيبة عند قيادته التحقيقات في أكبر قضايا الفساد السياسي في البرازيل وتعرف باسم «عملية غسيل السيارات» والتي تم من خلالها عزل رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف. أما أراوجو فإنه ينتمي إلى الفئة الأخيرة. ويشير شبابه النسبي ووضعه المبتدئ في إيتاماراتي إلى أنه لولا سمعته كمفكر يميني متطرف لم يكن من الممكن اختياره لهذا المنصب.
ويعود ترشيح أراوجو بعض الشيء لتأثير شخصية أخرى تعيد في الوقت الراهن تشكيل التيار المحافظ البرازيلي: وهو المثقف اليميني أولافو دي كارفاليو. كان يُنظر إلى كارفاليو الذي يعيش في الولايات المتحدة منذ فترة طويلة بطريقة مهمشة. وقد برز في السنوات الأخيرة من خلال مقاطع الفيديو التي ينشرها على موقع «يوتيوب» ويثني فيها على بولسونارو ويدين هوس اليمين البرازيلي التقليدي باقتصاديات العمل الحر دون تدخل الدولة. وأكسبته مقاطع الفيديو التي ينشرها نجاحًا كبيرًا وزادت نسبه متابعيه كثيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة التي سبقت انتخابات عام 2018. وتسببت شعبيته بتأمين منصبٍ له في فريق بولسونارو الانتقالي. ولفتت مقالة أراوجو بعنوان «ترامب والغرب» انتباهه ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي ونقل اسم أراوجو إلى الإدارة القادمة. وفي غضون ذلك، واصل أراوجو نشر مقالات ضد «الماركسية الثقافية» والصواب السياسي على مدونته الشخصية.
وصفّ أراوجو من خلال منشوراته التي نشرها في مدونته مع الأقسام المؤيدة لترامب من اليمين الأميركي. وأشاد بالموقع الإلكتروني المحافظ «العظمة الأميركية» (American Greatness)، مستشهدًا بمقال بقلم كاتب برازيلي مجهول انتقد التقارير السلبية عن بولسونارو المنشورة باللغة الإنجليزية ودافع عن تركيز المرشح في ذلك الوقت على الأمن العام. وبعد تعيينه وزيرا للخارجية، كتب مقالاً لموقع «المعيار الجديد» (New Criterion)، والذي يعد محرره روجر كيمبال أحد أبرز مؤيدي ترامب.
دافع أراوجو في هذا المقال عن عودة ظهور المسيحية كقوة في السياسة البرازيلية، مناقشّا أن الإيمان العام كان القوة الرئيسية وراء «إعادة الإحياء السياسي والروحي» للبرازيل، وهو مصطلح يتعلق بكل من تحقيقات الفساد وانتخاب بولسونارو. وفي 7 يناير (كانون الثاني)، نشر مقال رأي غريب في موقع «بلومبرغ» هاجم فيه أعمال الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين في القرن العشرين، والذي يكمن «تفكيكه للموضوع الإنساني»، كما ادعى، في أصل «الآيديولوجيا الشمولية العالمية الحالية». وناقش أراوجو أن إنكار ما بعد الحداثة للفكر المستقل والوكالة البشرية – أي أن أفكارنا مبنية على التركيبات الاجتماعية، وفقًا لما صورها فتغنشتاين - جعلت البرازيل سلبية على المسرح العالمي.
وكشف أراوجو في خطابه الافتتاحي كوزير للخارجية - المنصب الذي تسلمه في الثاني من يناير - عن خطة لإعادة توجيه سياسة البرازيل الخارجية وإصلاح صفوف إيتاماراتي. وقد تكون المرة الأولى التي يسمع فيها الدبلوماسيون الذين تم اختيارهم بهذه الفكرة. وأثنى أراوجو على البلدان التي أراد أن يرى البرازيل تتنافس معها، وهي: الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيطاليا، والمجر. وأدان أراوجو دور البرازيل العالمي في العقود الماضية قائلاً إنها لعبت دور خادم كوني للعولمة، وأعلن أنه من الآن فصاعدا، ينبغي على البرازيليين أن يقرأوا «أقل عن الشؤون الخارجية وأكثر لكلاريس ليسبكتور»، في إشارة إلى أحد أشهر الكتاب البرازيليين. وعلى الرغم من أن ليسبكتور كان مهاجرًا يهوديًا انتقد ديكتاتورية الجيش اليميني في البرازيل، إلا أن أراوجو كان يقترح على البرازيليين الاهتمام بأبطالهم القوميين بدلاً من خبراء السياسة الخارجية. وعبر كذلك عن رأيه في القضايا الاجتماعية واستنكر الإجهاض. ثم وبخ وزارة الخارجية بسبب غطرستها، معلنًا أنها أصبحت منفصلة عن الأمة التي كان من المفترض أن تمثل مصالحها، وقال: «لا يمكن لإيتاماراتي أن تظن أنها أفضل من البرازيل».
 
الإمكانيات الوزارية
بالنسبة لبولسونارو، يمتاز أراوجو بأنه يبدو مؤمنًا بمشروع الرئيس الجديد الخاص بتحالف البرازيل مع إدارة ترامب. وتمتاز قناعات أراوجو بأنها أكثر تطورًا وتطرفًا من قناعات بولسونارو: فيبدو الرئيس أكثر مرونة من الناحية الآيديولوجية من وزير خارجيته ويحتاج للحفاظ على ولاء الشخصيات العسكرية في حكومته، والذين يشككون بالتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة.
إلا أن التزامات أراوجو الآيديولوجية تجعل من تراجعه أمام مقاومة الجنرالات أو من بيروقراطية إيتاماراتي أمرًا مستبعدًا. ومن المحتمل أن تكون مثل هذه المقاومة: خطاب أراوجو في الثاني من يناير الذي استبعد الكثيرين في وزارة الخارجية اليسارية التي تفتخر بالتزامها القوي بتعددية الأطراف وحقوق الإنسان ولا تثق يالولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، عادة ما يتم اختيار وزير الخارجية في البرازيل من بين الشخصيات التي تشغل أعلى المناصب في الوزارة. وربما يكون فريق بولسونارو قر اختار أراوجو لأنهم ببساطة كانوا سعداء لعثورهم على بيروقراطي إيتاماراتي تتفق وجهات نظره على الأقل جزئيًا مع رؤيتهم.
ومن دون وجود نفوذ في الخدمة الخارجية سيحتاج أراوجو إلى دعم بولسونارو لتفعيل برنامجه. وسيعتمد الكثيرون على قدرته على إقامة علاقة شخصية مع بولسونارو وأبنائه الذين يبدو أنهم عازمون على لعب دورٍ بارزٍ في السياسة الخارجية. وقد سافر نجل بولسونارو إدواردو، عضو مجلس النواب البرازيلي، إلى واشنطن في ديسمبر (كانون الأول) حيث التقى مع عضو مجلس الشيوخ الجمهوري تيد كروز وماركو روبيو وكذلك دونالد ترامب. وسيحتاج أراوجو الابن أيضًا إلى أن يثني على فيليب مارتينز، 30 عامًا، وهو مساعد بولسونارو الأكاديمي الخاص الذي أمن لأراوجو منصبه والذي تمت تسميته مؤخرًا كممثل ارتباط بين الرئيس ووزارة الخارجية.
وينشط مارتينز تلميذ كارفاليو، على مواقع التواصل الاجتماعي ويعتمد الأسلوب الساخر للتعبير عن قومية أراوجو. في أكتوبر (تشرين الأول)، على سبيل المثال، نشر صورة لنفسه مرتديًا قميصًا عليه رسمة تشير إلى الحروب الصليبية واستخدمت هذه الرسمة لتمثيل اليمينية الشعبوية خلال الانتخابات الرئاسية في 2016. كما أقام مارتينز علاقات مع اليمين الأميركي والتقى في نوفمبر مع ستيف بانون، كبير استراتيجيي البيت الأبيض السابق.
وتم اختبار أراوجو في وقتٍ مبكر في 4 يناير خلال اجتماع مجموعة ليما – التي تضم 11 بلدًا من أميركا اللاتينية بالإضافة إلى كندا – والذين يعارضون الحكم الاستبدادي المتزايد للرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا. وصل أراوجو إلى الاجتماع مصمما على الحصول على إجماع قوي على فرض عقوبات ملموسة ضد مادورو، ولكنه لم يستطع سوى الحصول على بيان مشترك انتقد فيه أعضاء المجموعة مادورو وعبروا عن دعمهم لهيئة التشريع الفنزويلية. والأسوأ من ذلك أن المكسيك، التي يحكمها الآن الرئيس اليساري أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، رفضت التوقيع على البيان.
يختلف أراوجو عن حلفاء بولسونارو بسبب نظرته الشاملة والمثيرة والمتطرفة لتاريخ العالم وإحساسه بمكانة البرازيل في هذا التاريخ. ويبقى أن نرى ما إذا كان سيترك بصمته كرجل دولة منشق يغير بشكل عميق مسار السياسة الخارجية البرازيلية أو ما إذا كانت أفكاره ستكون حاشية أمام المواقف الأكثر واقعية لبقية أعضاء فريق بولسونارو. ودائمًا ما يذكر أراوجو - وهو من مشجعي كرة القدم الأميركية - السلام الملائكي في كتاباته. وإذا أراد بالفعل تغيير مكانة البرازيل في العالم فسيحتاج إلى هذه الصلاة.
 


اشترك في النقاش