الزيديون والحوثيون: بيت منقسم على نفسه!

[escenic_image id="557846"]

في السابع عشر من يناير، وقف حشد من أتباع الحوثي خارج الجامع الكبير في صنعاء يهتفون بعبارات : "الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود والنصر للإسلام". و في الواقع قد مثلت "الصيحة"، كما عرفت بعد ذلك "صرخة في وجه الصلف"، بحسب تعبير حسين الحوثي قائد حركة التمرد في ذلك الوقت. وعقب إلقائه محاضرة على أتباعه في وقت سابق في ذلك اليوم حول مخاطر الطغيان الأمريكي والخزي الذي يعاني منه العالمان العربي والإسلامي،  حث الحوثي هؤلاء الأتباع على توصيل رسالته في العاصمة وتحديداً في المسجد الذي تصادف وجود الرئيس اليمني فيه في ذلك اليوم.

ويعد النزاع الدائر اليوم في اليمن بين الحكومة وقوات المتمردين، المعروفين باسم "الحوثيين"، ذا أسباب متعددة، إلا أن جذور الصراع الحديث تبدأ خارج الجامع الكبير في عاصمة البلاد. ومنذ عام 2004، تسببت الجولات الخمس من القتال الدائر بين الحكومة والحوثيين في وجود ما يزيد على 160,000 شخص من المطرودين من ديارهم داخل الدولة. وأعداد بهذه الضخامة لا يمكن أن تعبر عن الآثار الإنسانية التي تمثلها بالنسبة لبلد يعيش 15 % من سكانه في ظل دخل يقدر بدولار واحد يوميا. وبطبيعة الحال، فإن أولئك الذين يقعون بين شقي رحى القتال الدائر يسألون أنفسهم: ما السبيل إلى وضع حد لتلك المأساة؟ وقد أعطت الحكومة التي يقودها الرئيس صالح إجابة شافية: عملية الأرض المحروقة.

ويصور العنوان المشئوم للحملة الأخيرة بين الثوار والحكومة إلى أي مدى أفسد النزاع الدائر استقرار بلد عرف تاريخياً بانتشار الأمن بين ربوعه وبقدرته على الجمع بين المتناقضات والتجانس عبر طوائفه المختلفة في منطقة أنهكتها مثل هذه التفاوتات الديموجرافية. وهذه السمات هي التي أكسبت هذا الوطن اسمه الشهير: اليمن السعيد.

واليوم، فإن التوترات الاجتماعية والسياسية والدينية قد قوضت هذا الاسم الذي يتباهى اليمنيون به فخراً.  وبينما لم يلق النزاع في صعدة اهتماماً دولياً كبيراً إلا من خلال وصف الحكومة اليمنية له على أنه ملاذ آمن جديد للجماعات الإسلامية المتطرفة، فإن هذا النزاع في الواقع يحمل مغزى خاصاً نظراً لما له من إمكانية التأثير على الأوضاع في اليمن والمنطقة بوجه عام. ولا يعكس هذا النزاع التوترات الداخلية التي ظلت تتراكم داخل اليمن حول بؤر التوتر الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية فحسب، بل إنه بالأحرى يمثل السياق التاريخي والجيوسياسي الأكبر الذي أخذ في التطور حول اليمن وداخله.

وبناء على ذلك، فإن فهْم ماهية الحوثيين وكيف ظهروا إلى حيز الوجود والقضية التي يقاتلون دفاعاً عنها هو أمر جوهري لفهم كيف أن اليمن يسير تدريجياً في الطريق الموصل إلى "اليمن غير السعيد". وتتمثل الإجابة المختصرة عن مثل هذا السؤال في أن الحوثيين هم طائفة من الزيدية، وهي أكثر الطوائف الشيعية اعتدالاً وأقربها إلى الإسلام السني. ولكن الأكثر من ذلك أن الحوثيين هم جماعة زيدية إحيائية يعتقدون أن الهوية الزيدية قد تعرضت للتهديد من جانب الهوية السلفية أو السنية. وهذا الشعور بالخطر الذي ينتاب الحوثيين له جذور متأصلة في دورهم التاريخي كقادة لليمن.

كما أن الحوثيين أيضا هم من الهاشمين الزيدين الذين حكموا اليمن لأكثر من ألف عام قبل الثورة التي اندلعت في اليمن عام 1962. وقد كانت هذه الثورة إيذاناً بنهاية الإمامية اليمنية في الشمال وبداية الاضمحلال الاقتصادي والسياسي للزيدين، مما فتح الباب أمام تطور العوامل التي حرضت على النزاع الحالي في صعدة.

الصلاة مع آيات الله

إن الصراع اليمني، وبالتالي ما ينطوي عليه معنى الهوية الحوثية، قد زاد من تعقيده مجدداً تلك الأواصر التي تربط بين الثوار والحكومة والدول الأخرى في المنطقة. فالحكومة تتهم الثوار بالتحالف مع إيران وكذلك مع حزب الله اللبناني. ومن ناحية أخرى، فإن قادة الحوثيين يدينون العلاقات الحميمة التي تقيمها الحكومة مع الولايات المتحدة وكذلك التدخلات السعودية المتمثلة في إمداد الحكومة والعشائر المحلية بالأموال. وبعبارة أخرى، فإن الصراع الدائر في اليمن تبرزه الأطراف المتورطة في القتال على أنه حرب بالوكالة  بين السعودية وإيران.

وبالرغم من صعوبة إثبات مزاعم حقيقية حول وجود تورط لأطراف خارجية في الصراع، فمن الجائز القول إن المنطقة  قد تأثرت تأثراً شديداً بالعلاقة التنافسية بين الرياض وطهران، وخاصة إبان الحرب العراقية الإيرانية.

وإذا كان التاريخ معروفاً عنه أنه يكرر نفسه، فإن العلاقة المتوترة بين إيران والمملكة العربية السعودية يمكن أن يزيدها سوءاً صعود نجم إيران في المنطقة، ولاسيما عن طريق مالها من نفوذ في فلسطين ولبنان. ويمكن أن يقال نفس الشيء عن تأثير النزعة الشيعية الاستردادية في المملكة العربية السعودية. ونظراً لما للحرب في اليمن من نزعة طائفية، فقد كان ثمة فرصة لتنامي المصالح المتعارضة خلال الحرب. ولكن إلى أي مدى تتحالف هذه الطائفة مع إيران ؟

إن الجذور التاريخية للصراع ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالفراغ الأيديولوجي الذي استشعره الزيديون في أعقاب سقوط الإمامية الأخيرة. فمع غياب الإمام، كان يتوجب على العلماء تعويض هذه الخسارة ومحاولة إحياء مشروعيتهم. ولقد أصبحت هذه المهمة أكثر يسراً مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والتي أمدت الشيعة في كل أرجاء العالم الإسلامي بنموذج بديل للحكم.

وحقاً سافر الزعيم الأصلي للحوثيين، حسين الحوثي، إلى إيران أثناء منفاه، وتأثر إلى حد كبير بتعاليم آية الله الخميني. إلا أن المزاعم التي تقول إنه كان من أتباع الخميني يصعب إثباتها. وبدلاً من ذلك، فقد كانت تجربة الحوثي في إيران أقرب إلى أن تكون تقليداً أعمى. وهكذا، فبينما لعبت إيران دوراً هاماً في البعد الأيديولوجي للصراع اليمني، فإن مدى تأثيرها يجب ألا يبالغ في تصويره.

الزهرة والصخرة

يشتمل اليمن على تنوع ديني قديم الأزل  يضم مسلمين ومسيحيين ويهودا. ومع ذلك، يشكل المسلمون غالبية سكان اليمن وينتمون إلى اثنين من المذاهب، وهما الإسلام السني أو الشيعة الزيدية. ورغم أن المسلمين السنة في اليمن هم الأغلبية، ويشكلون حوالي 60 % من سكان اليمن البالغ عددهم 22 مليون نسمة، فإنهم لا ينفردون بالسلطة في اليمن.

وينتمى علي عبد الله صالح، رئيس الجمهورية اليمنية منذ عام 1978، إلى أصل زيدي. ومع ذلك، فإن الأزمة الحالية بين الحوثيين والحكومة اليمنية تجعل التساؤل حول تركيبة اليمن  الدينية أمراً مثيراً للاهتمام، خاصة وأن الحوثيين زيديون من حيث المنشأ. ولكي نفرق بين الحوثيين والزيديين فمن المهم التأكيد على أنه ليس كل الزيديين حوثيين.

تعد الزيدية طائفة دينية شيعية، وهى مختلفة عن التيار الشيعي الإثنى عشري معتنق  فكر الإمامة، والذي يتركز في إيران بشكل أساسي. غير أن الظروف السياسية المعاصرة في اليمن خلقت انقسامات داخل المجتمع الزيدي وقربت بعض الحوثيين أكثر إلى إيران مما كان عليه الزيديون في الأصل.

وتزامنت الطموحات السياسية لحسين الحوثي، زعيم حركة الحوثيين في اليمن، مع مصالح إيران في المنطقة. وتعاظم تقارب حسين الحوثي مع  شيعة إيران ليغلب على تقاربه من الزيدية الأصلية، والتي هي قريبة من الإسلام السني من الناحية الثيولوجية. وتشير بعض الأعمال الأدبية عن الزيديين والحوثيين في اليمن إلي أن الحوثى وأتباعه ينتمون إلى طائفة الإمامة الإثنى عشرية الشيعية.

ويأتي في هذا السياق ما يشير إليه الكاتب عادل الأحمدي بتعبير "الزهرة والصخرة" في معرض حديثه عن  تركيبة اليمن الدينية. ونجد أن الصخرة، أو المتشددين هم الحوثيون في اليمن الذين غيروا ولاءهم الديني ومواقفهم لكي تلائم مصالحهم السياسية والتي ترتبط بإيران. ثم نأتي إلى الزيديين الآخرين، أو الزهرة، وهم ليسوا من الحوثيين، وقد ظلوا متحالفين مع حكومة اليمن وأدانوا الحوثيين معتبرين إياهم مجموعة من الزنادقة الذين سخروا مصالح اليمن لقوى خارجية مقابل منافع سياسية. ويقوم الصراع الدائر في اليمن اليوم أساساً على الخلافات القائمة بين الزهرة والصخرة ضمن الطائفة الزيدية.

الشباب المؤمن

ويبرز مفهوم الزهرة والصخرة أن الصراع رغم ما ينطوي عليه من مضامين دينية، إلا أنه يرتكز في اليمن على أساس  صراع سياسي من أجل السلطة أيضاً. وعندما أنهت ثورة 1962 حكم الإمامة الشمالي، صاحبها تغيير في النظام الاجتماعي الذي ساد اليمن في الماضي. و منذ ذلك الحين، تعرض الإقليم الذي يسكنه الزيديون لتهميش سياسي واقتصادي مطردين.

وتربط تحليلات عديدة للصراع هذا كله بحقيقة مفادها أنه بينما شهدت نهاية حكم الإمامة صعود الجمهوريين إلى السلطة، فضلاً عن التقارب المتزايد بين أكبر طائفتين دينيتين - الزيدية الشيعية والشافعية السنية-  ظلت هناك استثناءات. وكان أهمها ظهور السلفيين، والذين حافظوا على علاقاتهم مع المملكة العربية السعودية، وهمشوا الزيديين في اليمن لصلاتهم المزعومة بالجعفرية (وهى الطائفة الشيعية المهيمنة في إيران والعراق). وبالتالي تمت تعبئة الإحيائيين الزيدين، ولاسيما الحوثيين منهم نتيجة رفض نفوذ السلفيين في اليمن.

والأهم من ذلك، أدى هذا بالحوثيين إلى اعتبار الجمهورية معادية للهاشمية والزيدية من الأساس. غير أنه لكي نفهم التزام الحوثيين بقضية تمردهم يجب علينا أولاً تحديد الدور الذي لعبه حسين الحوثي في تكوين هذه الجماعة العسكرية. ويمثل حسين الحوثي في نواح كثيرة المصدر الأساسي  لفهم الصراع الجاري حالياً في اليمن. كان الحوثي عضواً في البرلمان باليمن قبل الحركة الانفصالية التي نشبت في البلاد في عام 1994.

حتى ذلك الوقت، كان حسين الحوثي عضواً في حزب الحق وهو حزب طائفي أسسه الزيديون. وقد خلق هذا الحزب للزيديين وسيلة مهمة للتعبير السياسي. إلا أنه خلال الحركة الانفصالية أيد حزب الحق الحزب الاشتراكي اليمني ضد حزب المؤتمر الشعبي العام، وهو الحزب الحالي في السلطة بقيادة الرئيس صالح، وخلق ذلك مشاكل لحزب الحق. مما دفع حسين الحوثي إلى الفرار إلى سوريا وإيران. وبعد عودته استقال من حزب الحق وأنشأ تنظيم الشباب المؤمن في عام 1997، وهي جماعة تسعى إلى إحياء النشاط الزيدي من خلال التعليم والتبشير.

عند هذه النقطة، تضاعفت أهمية حسين الحوثي، وتمكن من تكوين أتباع من المثاليين والذين حولوا الجماعة تدريجياً إلى نوع من الحملة المقدسة. ثم أسس الحوثيون جماعة ترتكز على أفكار مناهضة للولايات المتحدة ولإسرائيل، وفي بعض الأحيان مناهضة لليهود. إلا أن المطالب الفعلية لجدول أعمالهم لا تزال غامضة. والمعروف عن الحوثيين أن اعتقال حسين الحوثي قامت به الحكومة نتيجة تحريضه الناس على منع الزكاة واقتحام المساجد والترويج لأفكار قوضت سلطة الحكومة.

وأدت هذه العوامل إلى دعوات بإلقاء القبض عليه في عام 2004، وأخيراً تحولت محاولات اعتقال الحوثي إلى مواجهات واسعة النطاق بين الحكومة وأتباعه. ونتج عن الصراع الأول في صعدة وفاته، لكنها لم تؤد إلى القضاء على إرثه في صراع اليمن. وتعرضت الحكومة لانتقادات كبيرة حول كيفية تعاملها مع الأزمة، مما أدى إلى تزايد الدعم المؤيد للمتمردين. وعند حلول المواجهة الرابعة تطور الدعم المؤيد لحركة التمرد.

واليوم، لا يدعم إلا عدد قليل جداً من المؤيدين الشعار الذي كان قريباً من الحوثيين كجدول لأعمالهم. بالإضافة إلى ذلك، لم يعد المشاركون في القتال مجموعة متجانسة، ولا يتبعون فكراً محدداً. بدلاً من ذلك، امتدت المعركة إلى أعضاء آخرين في المجتمع القبلي. وانضم  أناس لم يسمعوا قط عن حسين الحوثي في القتال.

الهجوم والدفاع

في عام 1994، فر حسين الحوثي إلى سوريا ثم إلى إيران. وتعرف حسين في إيران على النظام الاقتصادي الإيراني وتركيبته الفكرية التي تحافظ على الجمهورية الإسلامية في المقام الأول. وعند عودته إلى اليمن، ترك حزب الحق لأنه لم يعد يروق له لقلة حماسه في تحدى الحكومة اليمنية.

ولم يعد حزب الحق متشدداً بما يكفى في معارضته، إن صح أنه قد صار متشدداً على الإطلاق. وهكذا، أسس حسين الحوثي "حزب الشباب المؤمن" أو "الشباب المؤمنين" في عام 1997. وأخذ تشكيل الحزب الجديد سمات فكرية من الثورة الإيرانية. ونظم الحزب مخيمات صيفية، حيث تلقى الأطفال تعليماً فكرياً وثورياً، و ظل يعظ الناس ضد الدولة اليمنية ويصور أميركا وإسرائيل وأنظمة عربية أخرى في المنطقة على أنهم معادون للإسلام.  

وعلى غرار أسلوب حزب الله، جمع الحوثي وأتباعه أموال الزكاة وأسسوا الجمعيات الخيرية، مما كان في الواقع بمثابة مؤسسات دولة داخل الدولة في اليمن، بحيث قد يصبح الحوثيون في الوقت المناسب قادرين على تحدي الحكومة اليمنية وفرض فكرهم السياسي، وبالتالي كسب المزيد من السلطة في اليمن.

لقد أراد حسين تكوين نظام اقتصادي مكتف ذاتياً، من شأنه أن  يوفر الإعالة لأتباعه ويجبر الحكومة اليمنية على الإذعان لمطالب الحوثيين. وكان تأثير هذه الإجراءات مهماً بشكل خاص بسبب نقص التنمية في اليمن. فنسبة المتعلمين في البلاد تبلغ 55 ٪ فقط من السكان، ويموت نحو 20 ٪ من السكان قبل بلوغهم سن الأربعين. وانطوت هذه الإجراءات على تحسن ملحوظ في مستوى معيشتهم. وبهذه الطريقة تزايدت قوة الحوثي وحركته.
 
ولم تكن المساعدة الاقتصادية التي قدمها حسين إلى الحوثيين فقط هي التي زادت التأييد له، ولكنها كانت شخصية حسين الجذابة أيضاً، والذي ألقى خطباً ثورية في المساجد. في هذه الخطب صور حسين الحكومة اليمنية باعتبارها تابعاً لأمريكا وإسرائيل، وأبرز مثال حركة حزب الله اللبناني. ونتج عن مقارنته بتلك الأطراف تطور جانب هام من الصراع، وهو علاقة الحركة بحركات أخرى وتأثير الدول المجاورة.

البحث عن السعادة

بينما كان صائغو إعلان الاستقلال يعكفون على بلورة ميثاق المبادئ الأمريكية، فقد واجههم قرار صعب. فمن منطلق تفهمهم أن الثراء لا يمكن أن يكون وعدا  يمنى به الجميع، ومع الإقرار في ذات الوقت بأهمية المساواة من أجل استقرار ونمو الوطن، فقد أعلنوا بدلاً من ذلك أن كل الأفراد يستحقون "الحياة والحرية وفرصة السعي إلى تحقيق السعادة". ومن نواح عديدة، فلكي يستطيع اليمن إعادة تدشين اسمه باعتباره اليمن السعيد، فعليه أن يفي بوعد مشابه قد قطعه على نفسه في دستور 1994.

وفي هذا الدستور يعلن اليمن أن "الاقتصاد القومي لليمن يقوم على الحرية التي تفيد الفرد والمجتمع وتعزز الاستقلال الوطني". إن العوامل التي تبرز الحركة الحوثية يتضح منها أن الصراع الدائر بين الحوثيين والحكومة اليمنية يشي عن عدم قدرة الدولة على تقديم التنمية الكافية للطبقات الاجتماعية المختلفة داخل الدولة. ومنذ توحيدها عام 1990، لم تتوقف اليمن عن المرور بطفرات عديدة سواء على الجبهة الجنوبية أو الشمالية. إن مشكلة اليمن لا تكمن في الأيديولوجية وحدها. فاليمن يعاني من فقر طاحن، يعلن عن نفسه في شكل حركات أيديولوجية مثل حركة الحوثيين.

وبالرغم من أنه تم عقد العديد من الاتفاقيات بين الحكومة وحركة الحوثيين من أجل وضع حد للقتال الدائر، فلم يطل أمد أي منها أكثر من بضعة أشهر. فمن ناحية، تستشعر الحكومة اليمنية بالحاجة إلى استعراض سلطتها المطلقة داخل اليمن، خوفاً من إمكانية أن تنتفض ضدها جماعات أخرى وتقوض سلطتها. ومن ناحية أخرى، فإن دولة اليمن بمواردها المحدودة عاجزة عن تقديم الرعاية الاجتماعية لمواطنيها. فهي تدور في فلك تحالفات إقليمية ودولية لا تقدم دوماً حلولاً مناسبة لمشكلات اليمن أو غيرها من الدول بموجب هذه التحالفات. 

ويترتب على ذلك أن القتال بين الحوثيين والحكومة اليمنية لن تتم تسويته بطريقة سلمية. ومن الأرجح أن تقوم الحكومة اليمنية بوضع حد لهذا الصراع من خلال استخدام القوة، كما تهدف حالياً عن طريق عملية الأرض المحروقة. ويتميز الحوثيون بقلة عددهم. وهم برغم تمركزهم في الجبال والمخابئ الوعرة، فليس لديهم من القوة الكافية ما يمكنهم من مواجهة القوات اليمنية لفترة طويلة، رغم أنه من الملحوظ أنهم قد حازوا أرض المعركة لوقت طويل في قتالهم ضد الدولة اليمنية.

كما أن الحوثيين لا يتمتعون بالتأييد الكامل من جانب المجتمع الزيدي الذي ينتمون إليه، وإنما يستلهمون العون من قوى خارجية غير مجاورة لهم جغرافياً، وهذا يضع الحوثيين في مأزق كبير. وإلى حد بعيد، لا يمثل الحوثيون المشكلة الوحيدة التي تواجهها الحكومة اليمنية اليوم، إلا أنهم يشكلون قائمة عريضة من التذمرات التي منشؤها التوترات التحتية الكامنة داخل المجتمع اليمني. وهكذا، فإن فهم ماهية الحوثيين وسبب قتالهم للحكومة يلقي الضوء على أهمية التنمية الاقتصادية والمجتمعية التي يحتاج إليها اليمن من أجل إقامة سلام دائم.