حزب الله اللبناني.. الاقتصاد الأسود

حزب الله اللبناني.. مقاومة وأشياء أخرى

يُشير خبراء واستشاريو منظمات مكافحة تبييض الأموال، إلى ارتباط الإرهاب بتجارة المخدرات وشبكات غسيل وتبييض الأموال، وبما أنّ حزب الله يُعتبر في القانون الأميركي ومنذ عام 1997 منظمة إرهابيّة، فليس غريبًا أن تُرصَد تحركاته بدقة، والمؤسسات الماليّة المُرتبطة به، ولكن من أين تبدأ القصة.

دولة داخل الدّولة

تُشِير منى حرب في كتابها "حزب الله في بَيروت (1985 ـ 2005).. من الضّاحِية إلى المَدِينة" إلى تَشَكُّل إمبراطوريّة اقتصاديّة اجتماعيّة، تتمايَز في تَشكيلها عن الدّولة اللّبنانية، أشبه ما تكون "بدولة داخل الدولة"، تستغل الهالة الدّينية ووهجها لإعادة ترتيب المُجتمع بما يُناسب مِزاجها التّنظيمي، وتَستخدم شِعار المقاومة النِّضالي في تأمين السِّرية اللّازمة وشرعنتها، بدا انعزال حزب الله عن سجلات الدولة مُسلَّمة توثِّقها السِّجلات الاقتصادية التي لم تَستَطِع رَصد أموال الحزب، على ضخامتها، هذا ما لمح إليه النائب اللبناني نديم الجميل الذي قال "إنّ حزب الله ليس مُهتَما إذا انهار الاقتصاد أم ظلّ مُتمَاسكًا، لأن اقتصاده على ما يُرام، واقتصاده مُستقل عن الدّولة اللّبنانية".

بنى الحزب إمبراطوريته وهو يُحِيطها بسِياج من السِّريّة فلا يَكاد أحد يَعرف بوضوح مصادر تمويلها أو قنواتها الماليّة، وحتى داخل النظام الاقتصادي لمنسوبي الحزب، فإن واجهات الحزب التجاريّة لا تستقر على لون استثماري واحد، فيتم تغيير الاستثمارات وإعادة تدوير رؤوس الأموال وضَخها في استثمارات جديدة من دون معرفة الأسباب بشَكل واضح.

كانت الظنون تَربط الإمبراطورية الاقتصاديّة للحزب بالمال والوَهج الإيراني، الذي يُغذِّي الحزب مُنذ الثمانينات، ولم تُؤخذ الاتهامات الأميركية بالإرهاب والفساد مأخذ الجد حتى على مستوى الدّول الأوروبيّة التي لما تُدرج الحزب كمُنظّمة إرهابيّة حتى وقت قريب، إلا أنّ وفاء الحزب بالتزامات ماليّة ضخمة، تَنُوء بحملها الدّول، خاصة في ظل الأزمة الماليّة، كان مَثار تساؤل، في ظِل الأوضاع السّيئة التي مرّت بها إيران وتمرّ بها حليفتها سوريا، مما زاد الشّكوك حول اقتصاد بديل غير مقتصر على تبرعات وإعانات الحلفاء، تصر وزارة الخزانة الأميركيّة أنه اقتصاد أسود، برأس مال مُلَوّث.

مصادر الدخل: إيران وسوريا والتبرعات

كان الدعم الإيراني السّنوي لحزب الله منذ ثمانينات القرن الماضي وإلى بداية العقد الماضي يُقدر بمبلغ 100 مليون دولار، وفي أوائل العقد الماضي تضاعف المبلغ ليتجاوز 200 مليون دولار سنويًّا، وفي أوقات نادرة (الانتخابات والحروب) قفَز الرّقم ليصل إلى 500 مليون دولار، ساهم في دعم هذا السّخاء ارتفاع أسعار النفط في العقد الماضي، مما حقق فائضًا ماليًا مكّن إيران من الوفاء بالتزاماتها الماليّة الضخمة تجاه الحزب، ولكن في العام 2009 تراجعت أسعار النفط بحدة، وتعرّضت طهران لعقوبات قاسية، كما هزّتها اضطرابات سياسية مثّلتها "الحركة الخضراء"، فتمّ خفض دعم حزب الله بنسبة 40 في المائة في أوائل ذلك العام بحسب التقديرات.

الاتهامات الجديّة التي دفعت بها وزارة الخزانة، لم تكن مُفاجَأة بالنّسبَة لراصِدي مَلف غسيل الأموال، ومتابعي الحرب على الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله، فقد كان هناك دخان فاسد لوقت طويل، فبحسب التايمز الأميركيّة فإنّ غالب وكالات الاستخبارات تعتبر حزب الله متلقيا سلبيا للمال المُلَوّث، هذا كما أن العجاج الأسود كان يشي بأشياء أخرى، فما الذي رسم خيوط الاتهام، وكيف تهيأ للمخابرات الأميركيّة رسم الاقتصاد الأسود.

صلاح عزّالدين



عجاج أسود

في بداية عام 2004 كان الخبر الأبرز لمتابعي حزب الله، هو تحطّم الطائرة التابعة لاتحاد النقل الأفريقي (141) المتجهة إلى بيروت، في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2003 وذلك عند إقلاعها من مطار مدينة كتونو البينينيّة في غرب أفريقيا. وكانت تُقِل مسؤولاً في العلاقات الخارجيّة لحزب الله اللبناني واثنين من مُساعِديه يحملون مليوني دولار، قِيل ـ يومها ـ إنّها جُمِعت من الأثرياء اللبنانيين المُقِيمين في أفريقيا، لصالح التنظيم في بيروت. ويومها كتب ماثيو ليفيت مدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب في معهد واشنطن، متناولاً ما سماه حزب الله ــ فرع أفريقيا قائلا "إنّ ناشِطي حزب الله في أفريقيا يقومون باستثمار وغسيل كميات كبيرة من الأموال، ويقومون بتجنيد ناشطين محليين، وجمع معلومات استخباراتيّة"، كان الظّن أنّ اختيار أفريقيا لتكون داعمة للتمويل، يتركز فقط لوجود تجمعات كبيرة شيعيّة ولبنانيّة مُغترِبة تُقيم في القارة، وللإمكانيات المادية الجيدة للبنانيين الأثرياء المقيمين في غينيا، وسيراليون، وليبيريا، وبينين ودول أفريقية أخرى، لكن المتشائمين حيال نوايا وأنشطة الحزب كانوا يؤكدون أنّ وجوده في إفريقيا يستغل عدم فعالية سُلطة القانون المحليّة في تلك الدّول.

لم يوثق الاتهام بشكل رسمي، حول غسيل الأموال، والاتجار بالمخدرات، إلا أنّ المُتَابعة للنشاط المالي. في تلك الفترة، أشّرت لوجود نشاطات غير قانونيّة، ففي شهادة الخبراء على الاتصالات في صراع الألماس والإرهاب، فإن سفير الولايات المتحدة الأسبق إلى سيراليون ليون جوزف ملروز، وسفير سيراليون السابق إلى الولايات المتحدة جون لاي، أكدا كلاهما أنّ الألماس المُستخرَج من المَناجم في سيراليون يُمول نشاطات جماعات إرهابية مثلا لها بحزب الله وتنظِّيم القاعدة.

كان الكشف عن حزب الله بفرع أفريقي ينخرط بفاعليّة في نشاطٍ مالي، ولوجستي، وعملياتي عبر القارة المهملة، صيحة منبهة لأجهزة الاستخبارات المنضويّة تحت لواء الحرب على الإرهاب، مما جعل الرّقابة طويلة المدى ضرورة حاضرة، وهو ما نظن أنه تمّ الاستفادة منه في العمليّات الاستخباريّة التي كشفت واستندت إليها السُّلطات الأميركيّة لتقديم الاتهامات للحزب، أو تلك التي لما يُكشف عنها بعد.

صلاح عزّالدين.. مادوف لبنان

واحدة من القضايا التي وفّرت مادة رئيسّة وأوضحت خفايا ماليّة مهمّة، كانت قضيّة إفلاس رجل الأعمال اللبناني الشيعي صلاح عزالدين، المعروف بأعماله الاستثماريّة والخيريّة في الجنوب اللبناني والدوائر الشيعيّة المُرتبطة بحزب الله. كان يستثمر أموال اللبنانيين الشّيعة وبعض العرب في محفظته الاستثمارية، ويقدّم أرباحًا تصل إلى 40 في المائة.

مثّل انهيار إمبراطوريته الحدث الأبرز في أغسطس (آب) 2009، وكانت المُفاجأة للكثيرين حينما كشفت التقارير عن ارتباط شبكته بالإرهاب والجريمة المنظمة، كان يستثمر رأس ماله في استثمارات مُتداخلة تتكاثر مثل كرة الثلج.

لعبت شبكات الحوالة والأنظمة البنكيّة السِّريّة دورًا مُثيرًا في شبكته، وقد وصفَت شبكته وقضيته بأكبر عمليّة احتيال في التاريخ اللّبناني، إلا أنّه لم يُعرف سبب الإفلاس المُباشِر، وتوزعت الأقوال بين ادّعاء باستثمار سيئ، وآخر باختلاسات، ويرجّح البعض اعتماده على أسوق النفط والعملات والحديد التي تكبدت في ذلك العام العديد من الخسائر، بينما يتحدث مراقبون عن احتمال وجود كمين دبّرته وزارة الخزانة الأميركية، في إطار اجراءات مكافحة غسيل الأموال والإرهاب.

بحسب تقرير خاص (Stratford Global Intelligence) فإن عزّالدين ضلع في استثمارات مشبوهة في أفريقيا، وكانت العوائد العالية 35/40 في المائة من أبرز الأدلة على وجود غسيل الأموال. الغريب أنّ هذه الاستثمارات المالية الضّخمة التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، والتي كانت تحملها الشّبكة، لم تكن تمر عبر النظام المصرفي!

وعلى الرّغم من النفي الرسمي لحزب الله، إلا أنّ اعتقادًا يسوّد محاضر التحقيقات وأوراق ودراسات مراكز بحوث مكافحة تبييض الأموال بأن عزّالدين له علاقات مباشرة بحزب الله وتركز أمواله في الجنوب اللبناني، وإطلاقه اسم (هادي "نجل نصر الله") على دار نشر، وقناة تلفزيونية، وإذاعة. والعديد من الوشائج الأخرى والوثائق، دللت على وجود علاقة مباشرة، كما أشار تقرير (Stratford Global Intelligence) أيضًا إلى استثمار عزالدين لأموال الحرس الثوري الإيراني، الموجودة في لبنان.

البنك اللبناني الكندي



البنك اللبناني الكندي

المصرف اللبناني الكندي، هو ثامن أكبر بنك لبناني حسب أصوله، التي بلغت قيمتها أكثر من 5 مليارات دولار في عام 2009، ربطت وزارة الخزانة الأميركيّة مديري المصرف اللبناني الكندي بمسؤولي حزب الله المقيمين خارج لبنان، ومن بينهم عبد الله صفي الدين مبعوث الجماعة ومقرّه في طهران. يقول ماثيو ليفيت إنّ المصرف ارتبط بحزب الله من خلال أحد المصارف التابعة له وهو پرايم بنك ومقره في غامبيا، وتقول وزارة الخزانة إنه مملوك جزئياً لأحد أنصار حزب الله في لبنان. إلا أنّ البنك نفى في بيان وزعه في فبراير 2010، وأبدى استعداده للمرافعة القانونيّة، وبعد ذلك وجرّاء تلك الاتهامات، تمّ بيع البنك لبنك فرنسي، مع إلزام المشتري بأن يحترم القانون والمسؤوليّة، وخفت صوت الاتهام طوال الأشهر التسعة الماضيّة إلى أن أعلن عن الاتهامات الجديدة.

شكوك قديمة..

في أوائل عام 2009، أدلى الأدميرال جيمس جي. ستافريديز، القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، بشهادته أمام "لجنة القوات المسلحة" التابعة لـ "مجلس النواب الأميركي" حول العلاقة بين الاتجار غير المشروع بالمخدرات ودعم الإرهاب. وقد شهد بأنه في أغسطس 2008، قامت "القيادة الجنوبيّة الأميركيّة" و"إدارة مكافحة المخدرات" بالتنسيق مع الدّول المضيفة لاستهداف عصابة تهريب المخدرات، وصفها بأنها تابعة لحزب الله في "منطقة الحدود الثلاثية" التي تَشمَل الأرجنتين والباراغواي، والبرازيل. كما قام المحققون الأميركيون والكولومبيون في أواخر عام 2008، بتحديد وتفكيك عصابة دولية لتهريب الكوكايين وغسل الأموال مقرها في كولومبيا. زعمت الإفادات أن قسم من أرباحها - مئات الملايين من الدولارات سنوياً - يذهب لتمويل حزب الله. مايكل جيكوبسون على صفحات "فليتشر فوروم" ذكر في شتاء 2010 أنه يجب أن لا يكون الكشف عن مثل هذه المعلومات أمراً مُستغرباً. ففي ديسمبر 2006، أدرجت "وزارة الخزانة الأميركيّة" الناشط بحزب الله صبحي فياض كإرهابي مصنّف بصورة خاصة. وقال مسؤولو وزارة الخزانة بأنّ فياض كان بمثابة حلقة الوصل بين السفارة الإيرانية ومجتمع حزب الله في "منطقة الحدود الثلاثية" ووفقاً للوزارة، شارك فياض أيضاً في مجموعة متنوعة من الأنشطة غير المشروعة بما في ذلك تهريب المخدرات وتزوير دولارات أميركيّة.

يُصِر المسؤولون الأميركيون والخبراء على التلميح إلى أنّ الحزب يمتلك سلسلة مشاريع إجرامية، مثل الاتجار في السلع المزيفة والمسروقة وكذلك الأسلحة. وبحسب ديرك مالتز من إدارة مكافحة المخدرات الأميركية فإن "قدرة حزب الله على الاستفادة من مصادر تمويل غير مشروعة، هو التحدي الأكبر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر".

ويشير المراقبون إلى أنّ عوائد الأنشطة استخدمت في تعزيز الأنشطة الإجرامية وصعّبت على الدول الغربية تقويضه. وعلى الرغم من هذا فقد قام عدد قليل من الدول بإدراج الحزب على قوائمها بصفة رسمية كمنظمة إرهابية. إذًا كان الاعتقاد العالمي، أنّ الحزب مُجرّد مُتلَق للأموال، وليس مُتّجِر بالمخدرات أو ضالع في عمليات غسيل الأموال، إلى أن جاءت الاتهامات الأخيرة، التي نعرض لها الآن، بروايتها المبسطة.

الرواية الأميركيّة

بشكل مُبَسّط وحسب الرّواية الأميركيّة فإن البنك اللبناني الكندي يقوم بتمويل شراء سلع استهلاكية وبضائع من الصين، تُصدّر إلى أميركا الجنوبيّة، ويستخدم العائد المالي لها لشراء مخدرات هناك، ويقوم تجّار المخدرات بتصديرها من أميركا الجنوبيّة إلى إفريقيا، ومن إفريقيا يُصدّر جزء إلى أوروبا، بالتزامن مع ذلك يقوم البنك اللبناني الكندي بتمويل شراء سيارات مستعملة من الولايات المتحدة ويصدّرها إلى إفريقيا ليستعمل عائد ربحها لغسيل المال الملوث من المخدرات، وتحوّل المبالغ المخلوطة من ربح المخدرات وربح تجارة السيّارات إلى لبنان، عبر شركات الصرافة، وحسب الرواية الأميركيّة فإن الحزب يستلم منها حصته، وكذلك البنك.

بدأت الاتهامات الرسمية مع مطلع عام 2010 بعد عملية تحايل قادتها إدارة مكافحة المخدرات، بين (بنين وغانا وأكرانيا ورومانيا)، تورّط فيها مشتبه بهم لهم صلة بحزب، منهم متهم إيراني اسمه ألوار لوريان وُصف بأنه متعاون مع الحزب، كما نتج عن العملية صدور اتهام للشبكة المشكوك في ارتباطها بحزب الله، وتطوّر الأمر لاحقًا ليصبح اتهاماً للحزب بضلوعه في غسيل الأموال والاتجار في المخدرات.

في فبراير 2010 حددت السّلطات الأميركيّة البنك اللبناني الكندي وفروعه بموجب المادة 311 من قانون مكافحة الإرهاب، على أنه مؤسسة مالية معنيّة بغسل الأموال، ووضع اللبناني أيمن جمعة إلى جانب رجال أعمال شيعة على القائمة السوداء، وتشير التحقيقيات إلى أن جمعة وحده قام بغسل أموال تصل إلى 200 مليون دولار شهريًا، وكشفت السلطات الأميركيّة عن اعتقادها لاحقًا بأن الحزب استمد الدعم المالي من الأنشطة الإجرامية لشبكة جمعة.

سُميت عملية إدارة مكافحات المخدرات التي أوقعت بعملاء الحزب باسم عملية طالبان، لأن عملاء مكافحة الإرهاب كانوا يُمَثِّلون دور وكلاء طالبان لبيع المخدرات وتسلمها، واستطاعوا استدراج الشّبكة التابعة لجمعة وبقية المُتَهمِين. وقامت الإدارة بتسجيل اجتماعات وثّقت عرض الأفراد تسلم أطنان من هيرويين طالبان وتخزينه ونقله وبيعه.

أيمن جمعة



الدعوى القضائيّة

في منتصف ديسمبر الماضي قامت مديرة إدارة مكافحة المخدرات ميشيل ليونارث ومدعي عام مكافحة جنوب نيويورك بريت بهارارا برفع دعوى مدنية ضد غاسلي الأموال وشكوى من خسائر ترتبط بنتيجة خطة دولية واسعة قامت بها مؤسسات مالية لبنانية بينها بنك وشركتا صرافة مرتبطة بحزب الله، وشبكة أخرى مسيحية مرتبطة بتحالف سياسي مع الحزب، قامت باستخدام النظام المالي الأميركي لتبييض أموال المخدرات المهرّبة، وغيرها من النشاطات عبر غرب افريقيا واعادتها الى لبنان. اعتبرت أن القنوات التي تعبر بها الأموال كانت خاضعة لإشراف حزب الله.

شملت الاتهامات إلى جانب البنك اللبناني الكندي وشركة صرافة حسن عياش وشركة صرافة اليسا هولدنغ وشركة شحن أخرى، اتهمت بتيسير تنفيذ الخطة، مما أدى إلى خسائر ومخالفة لقانون الطوارئ الاقتصادية (IEEPA) إلى جانب قرارات الإدارة وأنظمة وزارة الخزانة لجهة جرائم غسيل الأموال.

كانت إدارة مراقبة الأموال الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية (OFAC) حددت في يوم 26 يناير (كانون الثاني) 2011 شركة الصيرفة التابعة لحسن عياش وشركة اليسا بأنهما تعملان في مجال تهريب المخدرات لدورهما في نشاطات غسيل الأموال لأيمن جمعة وكان جمعة قد اتهم من قبل الادعاء العام في ولاية فرجينيا بالتآمر لتوزيع المخدرات والتآمر لغسيل أموال مخدرات مرتبطة بشبكات مكسيكية وكولومبية.

ويوم 10 فبراير 2011 حددت إدارة الجرائم المالية بوزارة الخزانة البنك اللبناني الكندي بأنه مؤسسة مالية أساسية في عمليات تبييض الأموال. وكان البنك اللبناني الكندي سمح للكيانات المالية المرتبطة بحزب الله بتحويل مبالغ ضخمة لصالحه وصلت في بعض الحالات إلى 260 الف دولار أو 200 مليون ليرة لبنانية يوميّا.

ازدهرت تجارة السيارات المستعملة في غرب افريقيا وتنامى إرسال عائداتها إلى لبنان منذ يناير 2007 تقريبا وحتى يناير 2011 إذ تمّ تحويل 329 مليون دولار على الأقل من البنك اللبناني الكندي، وشركة حسن عياش للصيرفة وشركة أليسا للصيرفة، وغيرها من المؤسسات المالية اللبنانية بينها بنك الشرق الأوسط وإفريقيا وبنك فيدرال لبنان وبنك بلوم إلى الولايات المتحدة لشراء وشحن السيارات المستعملة.

تمّ شحن السيارات المستعملة إلى مدينة كوتونو عاصمة جمهورية بنين حيث أودعت في مستودعات ثم بيعت من قبل شركات كبيرة للسيارات، بينها واحدة تعود ملكيتها إلى مجموعة اليسا وهي فرع لشركة اليسا هولدنغ.

بحسب الادعاء فإن أسامة سلهب يعتقد بأنه يعمل لصالح حزب الله ويعيش في جمهورية توغو يشرف على شبكة ناقلي الأموال. وكانت الأموال النقدية المنقولة من غرب افريقيا تستقبل في أغلب الأحيان بمطار بيروت، عبر الممر الأمني لحزب الله، حسب زعم الاتهامات.

تورّط الحزب أم أفراد؟

وعن احتمالية تورّط أفراد من الحزب من دون توجيه مباشر منه بالانخراط في الأعمال الإجرامية، يرى مراقبون للشأن اللبناني أن الاتهامات الأميركية تكون عادة موجهة إلى أشخاص ويشار إليهم بأنهم أعضاء في حزب الله أو مقربون منه، ولكن لا دليل أو معلومات مؤكدة على وجود تكليف من حزب الله لأشخاص بالقيام بغسيل الأموال"، وهذا ما ينتظر من المحاكم الأميركيّة البت حوله.

حزب الله اعتبر أن الاتهامات الأميركيّة مجرد محاولة "لاستهدافه وتشويه صورته" وأتت في إطار سياسي. ونفى الحزب "نفيًا قاطعًا ما ورد من تهم زائفة حول تورطه في تبييض أموال أو تجارة مخدرات أو علاقات بمعاملات مصرفية معينة". مشيرًا إلى أنها تأتي بعد فشل "الاستهداف الأمني الأميركي، وافتضاح أمر التجسس العدواني للاستخبارات الأميركيّة".

لماذا الآن؟

ولكن لماذا لم تحاكم الولايات المتحدة حزب الله، وهل للكشف الحالي عن هذه الاتهامات أي غرض سياسي كما يقول مناصرو حزب الله؟ ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن الأمريكية والباحث بمؤسسة كارنيجى للسلام الدولي استبعد أن يكون هناك غرض سياسي وراء التحقيقات. وقال إن إدارة مكافحة المخدرات تتناول تحليل الجماعات الإرهابية (مثل حزب الله في نظر النظام الأميركي) تمامًا كما يتم التعامل مع الجريمة المنظمة، فلم يكن هناك إطار سياسي للتحقيقات. وقد يكون هناك جو سياسي محفّز. المتابعات تؤكّد أنّ الإدارة الأميركيّة اكتشفت تورط البنك اللبناني الكندي منذ عام 2010، ولكنّ الإعلان عن الاتهام حينها كان سيُصنف على منحى سياسي، كما أن الشبكة الكاملة لم يتمكن من الإيقاع بها إلا قبيل الاتهامات الأخيرة.



ماذا سيفعل الحزب مستقبلا في ظل ضائقة الحلفاء!

في ظِل التغيرات الحالية، ماهو مصير التمويل المالي لحزب الله، هل ستنشط النظم البديلة؟

الأدلة تشير إلى أن النظام الإيراني المعزول دوليا يدخل مرحلة أكثر خطورة، فعلى خلفية مؤامرة اغتيال السفير السعودي، وبعد التفاصيل الجديدة عن البرنامج النووي الإيراني أعلن وزير الخزانة الأميركي ووزيرة الخارجية الأميركيّة في 21 نوفمبر الماضي، جولة جديدة من العقوبات تتضمن المادة 311، وصفت إيران كبلد يعمل في مجال غسل الأموال، وهو ما يهدد النظام المصرفي الإيراني الذي تصفه السلطات بأنه يلعب دورًا في دعم الإرهاب، وتحذو حذو أميركا دول أوروبيّة وغربيّة كثيرة، وتتعرض الدول الآسيوية لضغوطات لوقف التعاون عبر المصرف المركزي الإيراني، في حصار أشبه ما يكون بخنق إيران.

أي أن الوضع المالي يمضي في التأزم، وحتى النُظم المصرفيّة الموالية تواجه أزمات سواء في إيران أو سوريا، مما يستدعي وجود حليف بديل، فمن سيكون، هذا ما ستكشفه الأيام، إن صحت الاتهامات واحتاج حزب الله لنظام مصرفي مساند.

يقول خبراء في الشأن اللبناني إنه في "حال سقط النظام السوري، وهو مستبعد في المدى القريب، ستتأثر الحالة اللوجيستية لحزب الله باعتبار سوريا هي ممر لسلاح الحزب من إيران، وكذلك قد يتأثر وضع الحزب السياسي ولكن قوته العسكرية والاقتصادية منفصلة عن سوريا وعن الدولة اللبنانية، وهو لديه مؤسسات اقتصادية واجتماعية وعسكرية مستقلة وتمويله يأتي من خارج النظام المصرفي اللبناني، عبر الحقائب المرسلة من إيران وغيرها"، أما ناثان ج. براون فيقول "أنا واثق أن الأحداث في المنطقة تؤثّر بشكل كبير على حزب الله، ولكنني أظن أنه من الخطأ أن يتم التركيز على المسار الاقتصادي، لأن حزب الله متجذّر بشكل كبير في قطاع واسع من المجتمع اللبناني، إحساسي أنه دولة ضمن الدولة، ولا يمكن للدولة أن تقوم فقط على الاقتصاد".

خلاصة القول

تبقى الاتهامات الأميركيّة لحزب الله اتهامات إلى أن يبتّ القضاء فيها، ربما يحتاج الحزب إلى تحالفات دوليّة جديدة، وربما يحتاج النّظام الرّقابي العالمي، إلى مراجعة اتفاقيّة مكافحة الإرهاب بعد تغيّر الأنظمة في المنطقة العربيّة، وعلى ما يبدو فإنّ هناك ملفات كثيّرة سيطولها التغير، وأن التحقيقات ستواصل إثارة المراقبين، وستكشف الكثير، عن الجماعات الإسلاميّة، والإرهاب، وتمويله.

السؤال الصغير الكبير، أين هي إدارات ومراكز ومؤسسات وخبراء مكافحة غسيل الأموال العربيّة، وأين هي من ربط الإرهاب والمخدرات، خاصة أن الأصابع تشير إلى أنّ القاعدة لم تعفّ هي الأخرى عن إرضاع تنظيمها من هذا الثدي الملوث.


اشترك في النقاش