العنصرية.. جناية الفلسفات القومية

في عام 1862 منع الكونغرس الأمريكي، الرّق في جميع أنحاء الولايات المتحدة. في عام 1862 منع الكونغرس الأمريكي، الرّق في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

في عام 1862 منع الكونغرس الأمريكي، الرّق في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

عندما يسمع أحدنا اسم القس الأمريكي مارتن لوثر كينغ (1929 – 1968) يتبادر إلى الذهن مباشرة الإشكالية الكبرى التي ذهب الرجل ضحية لويلاتها، وكان ذنبه الوحيد أنه "صاحب حلم" يتمنى أن يتجسد على أرض الواقع، فمرض التمييز والفصل العنصري الذي استشرى بأمريكا في ذلك الوقت لم يترك له خيارًا سوى أن يجهر بأفكاره، ويبشر بحلمه الذي أصبح واقعًا؛ ولكن بعد أربعين سنة من مقتله قرَّر الأمريكيون أن يقطعوا صلتهم مع الإرث الثقافي الثقيل بانتخابهم لأول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

ينطلق الباحثون المهتمون بالدراسات الاجتماعية إلى اعتبار العنصرية أو فلسفة التمييز العنصري بأنها "أي تصور فكري ينطلق من الاعتقاد بتفوق مجموعة بشرية على غيرها ثقافيًّا وحضاريًّا بناءً على الاختلاف الجسماني كاللون والشكل أو العرق، وينزع إلى تفسير الاختلافات الثقافية بين البشر من خلال إرجاعها إلى أسباب بيولوجية، موروثة وخارجة عن سيطرة الإنسان".

يكاد الباحث لا يجد مجتمعًا ذا خلفية حضارية تاريخية إلا وله من هذه الآفة نصيب، فالكثير من أفراد تلك المجتمعات مارسوا نوعًا من أشكال التعالي على الغير، عن طريق تضخيم ميزات الجماعة وخصائصها في مقابل تبخيس الآخرين والإلحاح على دونيتهم!. وهذه الظاهرة الاجتماعية تكاد تكون كونيَّة، وتزداد كلما أوغل المجتمع في انغلاقه "حيث تتضاعف أوهام الامتياز لديه"! ولكنها ليست تجسيدًا حقيقيًّا لكارثة العنصرية وإن كانت تحمل في طياتها جذور بذرتها الأولى.

فلاسفة عنصريون

العنصرية هي موقف فكري ابتداءً قبل أن يصبح سلوكًا اجتماعيًّا، وعلى الرغم من مناصرة الاتجاه العام للحضارة الغربية للعدل والمساواة والإنسانية في كل مكان؛ إلا أن التدقيق يكشف عن وجود بذور التأسيس الثقافي لفلسفة التمييز العنصري في كتابات بعض فلاسفة التنوير الأوروبي، ممن فهموا الحياة بأنها صراع أجناس متحضرة ضد أجناس متخلفة، ولم يستوعبوا الطبيعة التعددية للحضارة البشرية، فافترضوا حتمية التخلف "البنيوي" لثقافات الشعوب غير الأوروبية، واختزلوا الإنسان إلى بعد مادي واحد يتم التعامل معه بلغة الأشياء، وأصبحت نظرية الانتخاب الطبيعي أداة منهجية في التمييز العرقي من أجل تبرير تقسيم الناس إلى بشر وأشباه بشر، مما مهَّد الطريق لظهور النزعات العنصرية العالمية –كالفاشية والنازية والصهيونية والشوفينيات القومية– وأشعل حروبًا كونية ونزاعات إقليمية، وفتح الباب على مصراعيه لاستغلال الضعفاء حول العالم.

يأتي المفكر الألماني "إيمانويل كانط" (1724 – 1804) على رأس دعاة تصنيف الأجناس البشرية بمعايير عرقية سافرة، وعلى الرغم من إضافته المهمة في نظرية المعرفة؛ حيث خلق منظورًا جديدًا في الفلسفة، إلا أنه قسَّم الأجناس البشرية حسب اللون، وجعل أكثر الأجناس تطورًا وذكاء ومساهمة في بناء الحضارات هي الأجناس البيضاء، تليها الأجناس الصفراء، ثم الأجناس السوداء، ثم تأتي الأجناس الحمراء – مثل الهنود الحمر وشعوب القارة الهندية – كأسوأ الأجناس ذكاء وأقلها تطورًا.

وبالغ المفكر الإنجليزي "ديفيد هيوم" (1711 – 1776) في إقصائه للأعراق غير الأوروبية حيث يقول: "أنا لا أشك أبدًا أن الزنوج وجميع أنواع البشر هي بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض"! وفلسفة أخلاق القوة أو "الإنسان السوبرمان" التي صاغها الفيلسوف والشاعر الألماني "فريدريك نيتشه" (1844 – 1900) صادفت هوى لدى الفاشيين لمبالغتها في إقصاء الضعفاء والمرضى، وتأثر بها "مارتن هيدجر" (1889 – 1976) أهم فلاسفة القرن العشرين، والذي كان يعتبره النازيون فيلسوفهم وكاهنهم الأكبر!. وانضم إليه صديقه عالم الأنثروبولوجيا "إيوجين فيشر" (1874 – 1976) المدافع بقوة عن فكرة تعقيم البشر والقتل الرحيم للمعوقين وإبادة اليهود.

[blockquote]المفكر الإنجليزي "ديفيد هيوم" يبالغ في إقصائه للأعراق غير الأوروبية ويقول: "أنا لا أشك أبدًا أن الزنوج وجميع أنواع البشر هي بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض"![/blockquote]

الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم 1776 الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم 1776

الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم 1776

يؤكِّد كثير من الباحثين أن فكرة الامتياز العرقي التي اعتنقها هتلر، وأصدر بسببها قانون "التعقيم لتحسين النسل" عام 1933 تعود بجذورها إلى كتابات المفكر الفرنسي "آرثر غوبينو" (1816 – 1882) الذي كان يعتقد أن اختلاط الأعراق وتزاوجها هو السبب في انحطاط الحضارات، ويبدي غوبينو في كتابه (دراسة في التفاوت) قناعته الشخصية في أن المسألة العرقية هي "صانعة التاريخ"، ويظهر تعصبه للعرق الآري –أرقى السلالات البشرية كما يزعم– من خلال كلامه عن الفن حيث يقول: " الآرية تنحدر عبر الاختلاط بالفنون الزنجية"!.

توظيف البيولوجيا

وجدت هذه الأفكار صدى في بريطانيا، حيث قام عالم البيولوجيا "فرانسيس جالتون" عام 1869 بوضع قواعد علم "اليوجينيا" الذي يختص بآليات التحكم في السلالة البشرية من خلال رصد التفاوت العرقي للحد من تناسل من لا يستحقون الحياة –بمعايير جالتون– كالمعاقين والمتخلفين ذهنيًّا، وأصحاب البشرة السوداء، وكشف عالم البيولوجيا البريطاني عن نزعة عنصرية مقيتة حينما بشَّر بنتائج أبحاثه قائلاً: "كلاب أفريقيا ستكف عن النباح إذا ما تنفَّسَت هواءنا"!.

ويكاد يتفق الباحثون أن الأفكار الأساسية التي حوَّلت أمريكا إلى معقل للحركات العنصرية ضد السود مبثوثة في كتب "إدوارد لونج" (1734 – 1813)؛ لأنه استعمل مصطلح "مكانة الزنوج في الطبيعة" لأول مرة في تقسيماته المعقدة للسلالات البشرية، حيث أيَّد استرقاق الرجل الأسود؛ لأن مكانه الطبيعي بيولوجيًّا –حسب تقسيماته– في أدنى سلم الأعراق البشرية!.

لقد اتخذ الفكر الغربي مسارًا جديدًا منذ أن نشر عالم الطبيعة البريطاني "تشارلز داروين" (1809 – 1882) كتابه الشهير "أصل الأنواع" الذي طوَّر فيه رؤيته لنظرية التطور، وارتقاء الكائنات الحيَّة، فعلى الرغم من أن داروين نفسه قد رفض بشدة مبدأ العبودية، وتقسيم البشر إلى فئات عليا ودنيا بحسب أجناسهم، وأصرَّ على أن سياسة المجتمع "لا يجب أن تتبع مفاهيم الصراع والانتقاء الطبيعي"؛ إلا أن بعض الفلاسفة والمفكرين قد نجحوا في استخدام فكرة الانتخاب الطبيعي (سُـميت لاحقا بالداروينية) كحجة أيدولوجية لتبرير أطروحاتهم العنصرية، وتحولت الداروينية إلى سلاح تنظيري لمحاربة كل من يرفض العواقب الأخلاقية لنظريات الانتخاب الطبيعي على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

شكَّـل مصطلح "البقاء للأصلح" الذي اشتهر به "هربرت سبنسر" (1820 – 1903) مخرجًا أخلاقيًّا لضمير الإنسانية حينما اعتبرت "الداروينية الاجتماعية" قانون الطبيعة الذي لا مفر منه، حيث لا مكان للضعيف في سباق الأقوياء!. فقد شهد العالم أحداثًا متتالية ذات طابع عنصري موغل في التوحش؛ كالمذابح الجماعية، والتهجير القسري بالإرهاب والتجويع، وحروب "الهنود الحمر"، وكانت بعض تلك الممارسات ترتكب بتبريرات قانونية!. إذ تقول "إيريكا أيرين دايس" (مقررة فريق الأمم المتحدة المعني بالسكان الأصليين) في دراسة عن السكان الأصليين وعلاقتهم بالأرض: "إن قوانين اكتشاف وغزو الأرض التي ليست ملكًا لأحد، هي التي تكوَّنت منها نظريات التجريد من الملكية"!.

[blockquote]مع ترسخ مفهوم الدولة القومية تكرَّست نزعة عنصرية في كتابات معظم القوميين العرب ساهمت في إحراق شعار الأمة العربية الواحدة "ذات الرسالة الخالدة". [/blockquote]

جناية القومية العربية

ليست البلدان العربية بأفضل حالاً من الغرب؛ نظرًا لارتكاز معظم الحركات التقدمية في العالم العربي على الأفكار الحداثية الأوروبية، فعلى الرغم من التضحيات التي قدَّمها القوميون من أجل تحقيق الاستقلال، وتحديث المجتمع والنضال ضد إسرائيل، ومحاولة توحيد القرار السياسي العربي؛ إلا أن الإيغال في تقوية الشعور بالانتماء القومي تسبَّب في نشوء كراهية عنصرية تجاه الأقليات، يقول جورج طرابيشي: "ثمة منظرون قوميون ذهبوا إلى إنكار واقعة الأقليات إلى حد اعتبارها من صنع الاستعمار، فالأقليات لا ماهية لها في ذاتها، بل هي في أحسن الأحوال مجرد رواسب تاريخية، بله مستحثات ينبغي أن تخضع من جديد لقانون التفتت والذوبان ثم الاندماج، وهي ليست بحال من الأحوال علامة تنوع ومصدر غنى حضاري".

وكان من الطبيعي أن تتفجر مشكلة الأقليات العرقية كنتيجة مباشرة لتجاهل القوميين للواقع التعددي للمجتمعات العربية، وتحولت مكاسب الحداثة العربية على صعيد التنظير للتسامح الديني إلى خسائر نتيجة تصاعد التعصب القومي، ومركزية الذات العربية –محور الأطروحات القومية– جعلت بعض المفكرين العرب يصرحون بآراء "شوفينية" تجاه الأعراق غير العربية كالأكراد والأمازيغ والبربر والأفارقة وغيرهم من الأقليات، ومع ترسخ مفهوم الدولة القومية تكرَّست نزعة عنصرية في كتابات معظم القوميين العرب ساهمت في إحراق شعار الأمة العربية الواحدة "ذات الرسالة الخالدة".

انتفاضة معاكسة

من الإنصاف أن نذكر هنا "انتفاضة" كثير من فلاسفة الغرب ضد هذه المقولات والأفكار العنصرية، لأن تمايز الشعوب حقيقة واقعية، ولكن الفروقات التي تميزهم عن بعضهم هي فروقات ثقافية وليست بيولوجية، وأبرز من أطاح بنظرية تفاوت الأعراق هو عالم الاجتماع الفرنسي "كلود ليفي شتراوس" (1908 – 2009) الذي صاغ نظرية العرق بطريقة عكسية مؤكدًا على أن "تنوع الثقافات الإنسانية يجب ألا يتم إدراكه على نحو ساكن"، ورفض الخلط بين الوضع الثقافي لجماعة بشرية وأصلها العرقي؛ لأن المجتمعات البشرية " ليست وحيدة، وعندما تبدو في أقصى درجات الانفصال فإن ذلك يأخذ أيضًا شكل الكتل أو المجموعات".

في عام 1957 فتاة أمريكية تُلاحق بالصراخ والشتائم العنصرية أثناء دراستها الجامعية في عام 1957 فتاة أمريكية تُلاحق بالصراخ والشتائم العنصرية أثناء دراستها الجامعية

في عام 1957 فتاة أمريكية تُلاحق بالصراخ والشتائم العنصرية أثناء دراستها الجامعية



وتضافرت مجموعة من الدراسات العلمية التي أنجزها كوكبة من المفكرين الغربيين في دحض أوهام "التميز العرقي" مثل كتاب (ليس في جيناتنا)، وكتاب (العرقية إزاء العلم)، وكتاب (السلالة والمجتمع)، وكتاب (خرافات عن الأجناس)، وكتاب (الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي)، وجميعها تؤكد على وحدة النوع الإنساني، وتهافت دعوى النقاء العرقي، وترفض تبرير التميز أو الأفضلية بمزاعم عرقية، فالاختلافات بين البشر قد ترتبط بطبيعة النظم الحاكمة للمجتمعات، أو أسلوب إنتاجها واقتصادها، أو تقاليدها الموروثة، أو غيرها من الأسباب التي لا علاقة لها بمسألة العرق!.

ومن هذا المنطلق أبرمت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة اتفاقية دولية "للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري"، نصَّت في مادتها الأولى على أن التمييز بين البشر هو إهانة للكرامة الإنسانية، ويجب أن يُـدان باعتباره انتهاكًا لحقوق الإنسان، وعقبة كبرى دون قيام علاقة وديَّة وسلميَّة بين الأمم والشعوب.

وانعكست هذه المقاومة الفكرية والأممية لفلسفة العنصرية على أرض الواقع، فقد تصاعد المد الثوري في الخمسينات الميلادية بين الأقليات المهمشة حول العالم بسبب سياسة التمييز العنصري، وتجسَّدت بصورة جلية في حركات الإضراب والعصيان المدني في جنوب أفريقيا، ومن أشهرها حادثة "شاربفيل" التي قتل فيها حوالي 69 شخصًا، وجرح أكثر من 168، حيث ظهر للعالم مقدار المعاناة التي يعيشها غير البيض في جنوب أفريقيا.

وارتفع صوت الضمير المدني في أمريكا بعد حادثة "روزا باركس" في ديسمبر عام 1955 صاحبة أشهر "لا" في تاريخ أمريكا، والتي قدحت الزناد الذي أيقظ حركة الحقوق المدنية حتى تحسَّنت أوضاع السود الأمريكيين، وتوفيت هذه السيدة سنة 2005 عن عمر يناهز 92 عامًا، وحضر جنازتها الآلاف، وبعض رؤساء الدول، ونُـكس في يومها علم أمريكا، وتم دفن جثمانها بأحد مباني الكونغرس تكريمًا لها، وبقيت ذكراها وقود كفاح وشعلة أمل لتحفيز ضحايا العنصرية حول العالم.


اشترك في النقاش