مصر بعد الدستور.. لا مجال للعبث الآن!

[caption id="attachment_55249614" align="aligncenter" width="620"]اصطف المصريون في طوابير طويلة للتصويت على الدستور في 14-15يناير الماضي، وكانت النتيجة الموافقة بنسبة 98% اصطف المصريون في طوابير طويلة للتصويت على الدستور في 14-15يناير الماضي، وكانت النتيجة الموافقة بنسبة 98%[/caption]

قد لا يكون الشارع حاسمًا في تأطير الممارسة السياسية، ولكنه العامل الحيوي في اتزان العمل السياسي، ورجاحة الميزان السلطوي، ولذلك حين يخرجن أولئك المصريات إلى الشارع ويمارسن الرقص على "واحدة ونص" فتلك دلالة ومؤشر عميق لمزاج ارتضى المضي في العملية السياسية بحسب خارطة الطريق إلى منتهاها، وهو الأمر الذي سيحدث برغم أي ملاحظات؛ لأن الدستور يعني استقامة المشهد العام في بناء دولة جديدة على ركام الفترة الماضية، وبالتالي الدخول في حالة سياسية متجددة تستوعب الماضي القريب والبعيد ولا تحمله معها إلى المستقبل.

كانت هناك حملات لمقاطعة الاستفتاء وتشويه الدستور، غير أنها لم تخرج عن سياقات الكيد السياسي، للسلطة الحالية التي تجد فرصًا لقبولها شعبيًّا بأكثر من غيرها، ولذلك فلا غرابة إن اصطف الإسلاميون وبعض اليساريين وشباب الحركات الثورية في خندق مضاد للدستور، فهناك حالة من عدم النضج السياسي، وافتقاد للحكمة والحنكة السياسية خاصة إذا ما نظرنا إلى ضيق المساحة الزمنية للتمتع بالديمقراطية والحريات التي تم الحصول عليها عقب 25 يناير، حيث أسيء فهم الحرية على نطاق عريض، ولكن المحصلة هي أن يجد كل مصري حقه في التعبير عن رأيه الذي انتهى إلى ما وصلت إليه الأمور حاليًّا، وفي ذلك تعبير ديمقراطي طبيعي ومنطقي لا يمكن تشويه نزاهته بوجود المؤسسة العسكرية في الواجهة؛ لأن الظروف اقتضت ذلك لحماية الإرادة الشعبية.

الدستور القويم هو مسلك ضروري لبناء دولة رشيدة تتمتع بالأفق الضروري للنمو، ومنح المجتمع حقوقه بحسب السياق الذي يتم التوافق عليه والموافقة عليه، والآن تأسست شرعية لأيّ برلمان أو رئيس قادم، وبالتالي فإن الرافضين يمكنهم الانضمام إلى المعارضة والعمل السياسي في منظومة غير معطلة لأداء الدولة وإنما داعمة لبنائها وإن كرهوا ذلك؛ لأن هذا هو الشرط الديمقراطي الحقيقي في الممارسة السياسية، وبدون ذلك يتحوّل العمل المعارض إلى تخريب وإساءة لأمن المجتمع والوطن، وضرب اقتصاده بتعكير الحياة العامة، وخلق رأي عام داخلي ودولي بعدم الاستقرار والتنازع غير الإيجابي حول مصالح ضيقة على حساب المصالح الوطنية العليا.

وحتى لا يستمرئ المصريون استهلاك المصطلحات السياسية ينبغي الكف عن فكرة طرح "الدولة المدنية"؛ لأنه في الواقع لا وجود لمثل هذه الدولة في الأدبيات السياسية، وإنما تأتي في إطار الكلام الكبير والاستهلاكي للسياسيين من خلال تلاعبهم بالألفاظ وأشواق الجماهير لدولة يتمتعون فيها بحقوق تفوق طموحاتهم، ولذلك فإن مدنية الدولية أمر نظري خادع، والشكل المدني فيها إنما هو تعبير عن بسط الحريات والتمتع بالحقوق دون مسميات هلامية وغير مؤسسة على وقائع سياسية حقيقية، فهي في النهاية موضوع انصرافي يشغل الناس عن الإنتاج والعمل، ولا يمكن الوصول إليها مطلقًا، ذلك لم يحدث في تاريخ الدول، صحيح هناك مؤسسات مدنية ولكنها تعمل وفقًا لمرجعيات من سلطة حاكمة تحكم بنظام ديمقراطي أو شمولي أو غيره من الأنظمة السياسية.

والآن وقد انقضى أمر المصريين في الدستور، تعود الكلمة للشعب الذي يعيدها للدولة في الشكل السلطوي الذي يرتضيه ويتوافق عليها انتخابيًّا بصورة نزيهة وشفافة، ومن لم يتم استيعابهم لخدمة وطنهم من السياسيين الذين أصبحوا خارج المسرح والنص والعملية السياسية عليهم الوصول إلى خيارات أخرى تسهم في البناء دون تعطيل أو تشويه وتخوين، فإرادة الشعب وكلمته تحسم أي جدل وصراع حول شكل الدولة الذي تم بناءً على الدستور، أو السلطة التشريعية التي سيتم انتخابها وتصبح ذات جذر شعبي يفرض إرادة شعبية، أو الرئيس الذي يعمل على إنفاذ وتطبيق الدستور.

في فترة سابقة عقب الثورة الأولى ظهرت نعرة استبدادية تفصّل قياسات الدولة بهوية عقدية غير مرغوبة لغالب الشعب، ولم يكن ذلك إلا تماسًا مع اتجاه لويس السادس عشر الذي يقول "أنا الدولة"، فأي ممارسة استبداد كفيل بأن يضع الشعب والدولة في نفق مظلم يستعصي لاحقًا الخروج منه، وليس مرغوبًا على الإطلاق إلباس الدولة أي ثوب غير الثوب الوطني الذي يتفق مع المزاج الشعبي، حينها لا بد أن يحدث تضاد، ولكن الآن مع نتائج هذا الاستفتاء أثبت الشعب حقيقة خياراته واتجاهاته وميوله، ولم تعد هناك فرصة للمراوغة والتلاعب بإرادته، فالاستفتاء تعبير عن مصر القادمة وخياراتها النهائية، والرافضون يجب أن يحترموا الإرادة لأنهم في الواقع أقلية لم يكن لها أن تملي أمرًا فوق الإرادة الشعبية، فذلك لا يمكن أن يكون منطقيًّا ومتناسبًا مع الأمن الاجتماعي والوطني الذي يبحث عنه المصريون، فلم يعد هناك مجال للعبث بمصر بعد الآن حتى من بعض بنيها الساخطين أو الرافضين أو غير المتجانسين مع بقية قطاعات الشعب.