الدولة الثيوقراطية.. أوهام الإخوان وأساطير إيران!

[caption id="attachment_55249913" align="aligncenter" width="620"]دعوات تحكيم الشريعة ازدهرت في حقبة الربيع العربي دعوات تحكيم الشريعة ازدهرت في حقبة الربيع العربي[/caption]

من ثوابت جميع الممارسات السياسية في العالم المعاصر ارتكازها إلى أنظمة ومرجعيات وأفكار سياسية غربية، سواء بتأريخ يعود إلى ما قبل الميلاد أو ما بعده، مرورًا بمرحلة عصر النهضة والثورة الصناعية، وحتى المرحلة الإنسانية الراهنة، وليس بالضرورة أن ينظر لذلك بأن العالم مدين للتجارب الغربية في التزام تلك الأسس والأنظمة السياسية، ولكن اعتناق أنظمة بعينها والعمل بموجبها يأتي في سياق تجارب بشرية تتعرض لعمليات نقل منهجية، خاصة إذا ما عدنا إلى الحقب الاستعمارية التي سمحت باختراق الفكر الإنساني، وغرس بذور تلك التجارب فيه، شاء أو لم يشأ؛ لأنه إجمالاً لم تكن هناك إبداعات سياسية أخرى أكثر جدوى في استقرار المجتمعات بأفضل مما أنتجته الحضارة الغربية في الفكر السياسي.

ذلك الفكر تعرّض لاختبارات عصيبة ولم يأت من فراغ، وربما كانت أحد أهم إنتاجاته العملية هو إقصاء الكهنوت من الممارسة السياسية، وإذا كان العالم يسير وفقًا لقياسات الفكر السياسي الغربي فحري به أن يفعل ويبعد ذلك الكهنوت؛ لأنه يتسبب في أضرار جسيمة في روح الفرد والجماعة، بما يجعل من الصعوبة علاج ذلك في سياق سياسي يعمل على استقرار المجتمعات والشعوب، وأقرن هنا بين الشعوب والمجتمعات للإشارة إلى الفوارق الإجرائية والبنيوية في المصطلحين، ذلك أن أي سلطة دينية حين تمارس السياسة فإنها تعمد إلى خلط الأشياء بما يتماس مع العبث في حظوظ الناس وحقوقهم في الاستقرار، ولذلك نجحت الحكومات الغربية منذ القرن السابع عشر في الحفاظ على مكونات الدولة وتطوير أدواتها بمعزل عن أي سلطة دينية.

نجح الغرب في إقصاء العامل الديني من العملية السياسية، حتى لا يرتهن إلى غيبيات وأمور غير منظورة تسمح بإسقاط ما يقترب من مفهوم الشعوذة والدجل، فالسياسة عملية واقعية ومنطقية لا تقبل تهويمات وارتباكات روحية يمارسها رجال الدين باسم سلطة عليا هم أنفسهم يفتقدون الرابط المباشر معها، وذلك يعيدنا إلى محطة تاريخية أنهت فكرة الدولة الثيوقراطية المشعوذة التي تعمل على مبادئ من الدجل والتصرفات غير الواقعية، وتلك المحطة هي معاهدة "وستفاليا" التي تمت في منتصف القرن السابع عشر، وتدهورت فيها السلطة البابوية، وتخلصت أوروبا والعالم من وهم الدولة الدينية التي تسوق الشعوب كقطيع الأغنام، وتلك المعاهدة تم توقيعها بين مندوبين عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وفرنسا، والسويد، والإمارات البروتستانتية التابعة لتلك الإمبراطورية، أي أنها تكاملت في رؤيتها العازلة لأي مظهر ديني في الحياة السياسية.

التالي لذلك يمكن أن نلمسه في اتجاهات "ميكافيللي" الذي أخذ الفكر السياسي في رحلة طويلة للشعوب القديمة التي تتبعت الأساطير في أدائها السياسي، وأهمية هذا الرجل في تناول الدولة الثيوقراطية، في أنه بحسب ما قال "فرنسيس بيكون" أنه يتناول الأشخاص كما هم لا كما يجب أن يكونوا، والدولة الثيوقراطية تتناول الأشخاص كما يجب أن يكونوا وفقاً لرؤية رجال الدين وأقيستهم وتفصيلهم للناس، وهو في الواقع تضليل واستغراق في الأساطير والأوهام؛ لأن كل تجارب هذا النوع من الدولة فاشلة بامتياز، وغير جديرة بأن تبقى، لذلك فإنها في السلّم السياسي تعتبر من المهملات التي لا ترد إلا في نوعية الأنظمة السياسية والتطبيقات الفاشلة للممارسة السياسية.

في عالمنا العربي ربما ظهرت هذه الدولة بنجاح بعض التيارات في الوصول إلى السلطة، ولكن ما هو الحصاد؟! الإخوان المسلمون في مصر كانوا أحد أسوأ التطبيقات السياسية التي تشير إلى سقوط الدولة الدينية واضطرابها، وعدم توافقهم مع المزاج المصري العام يظهر في تلك الجحافل المليونية التي خرجت في الذكرى السنوية الأولى لتوليهم الحكم وأسقطتهم، وخلال عام تولوا فيه الحكم ظهرت المؤشرات التي تدل على التضليل الذي يمكن أن يمارسه الدينيون باسم الدين وخداع الشعوب، ذات الأمر في إيران ذات الطبيعة والنهج الثيوقراطي، هناك أضرار عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والحقوقية.

الدولة الثيوقراطية تمثل بالفعل مصدر خطر على السلامة العقلية للمجتمعات بما تفرزه وتعززه من أساطير وأوهام باسم الدين والله، وتصادر حقوق الناس في التفكير المتوازن بين ما يجب أن يعيشوه ويحصلوا عليه في ظل سلطة طبيعية ومنطقية، بدقة أكثر، أن تكون واقعية تقدم خدمات أساسية دون غمسها بأساطير وخزعبلات تضع النار في كفة، والجنة في الكفة الأخرى، فمن حق الشعوب أن تحدد الشكل السياسي الذي يناسبها دون إقصاء أو تمييز، وهذا النوع السياسي من الدول والأنظمة يقصي ويميّز وينتقي ويفرض كل أشكال العسف الإنساني، ويتعامل بمنطق ديني استعلائي تنهار معه كل قيمة وأخلاق إنسانية، إنه باختصار يصادر حريات الناس، ويجعلها منّة من طغمة دينية لديها صكوك الغفران والرضا، فتتحول إلى وحوش مستبدة تنافق وتضلل، وتضل عن الاستقرار وسلامة المجتمعات.