التشيّع حين يختنق بحبال السياسة !

[caption id="attachment_55250019" align="aligncenter" width="610"]عراقيون يطالعون صورة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي أعلن حل تياره مؤخراَ واعتزال العمل السياسي عراقيون يطالعون صورة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي أعلن حل تياره مؤخراَ واعتزال العمل السياسي[/caption]

تفكيك العلاقة بين الدين والسياسة ليس بالضرورة أن يتماس مع الفكرة العلمانية، وإنما يضع صورة كليَّة تحدد الأدوار في حياة الإنسان، فالتدين لازم معنوي من لوازم الذات، وهو سلوك تعبّدي وعقدي يربط الخالق بالمخلوق، تمامًا كما نقيس ذلك في صورة مبسطة على قول طلبة بك مرزوق لعامر وجدي في رواية "ميرامار" لنجيب محفوظ: "كيف لا أؤمن بالله وأنا أحترق في جحيمه"، ذلك الاحتراق هو الذي يعني القبول بالمسلمات الإلهية التي تمنح اليقين، وبالتالي استواء العقل في صورته الدينية، أما الصورة السياسية فهي المعنية بالتدبير وفقًا للثوابت، دينية أو اجتماعية، تتحقق بها المصالح العامة، وذلك يعني أن الدين يحتمل السياسة بأكثر من الصورة المعكوسة التي تتاجر بالدين في العمل السياسي.

الإسلام كدين احتمل عبر التاريخ فرقًا وجماعات طفحت في جميع العصور والعهود والحقب، وبشكل مفاهيمي أرجو أن يكون الفرق واضحًا بين العصر والعهد والحقبة؛ حتى تتضح الرؤية فيما نذهب إليه من تحديد جذور ونشأة الفرق والمذاهب؛ لأن هذه النشأة أصبحت بحسب المجريات التاريخية أصلاً من أصول هذا الدين، وعبر التاريخ كان العامل السياسي حاضرًا في نشأة كثير من الفرق أو الجماعات، ولذلك فإن العزف على الوتر الطائفي أو المذهبي إنما يأتي في إطار سياسي مطلق.

بعض الجماعات المعاصرة رفعت شعار "القرآن دستورنا" فيما الفكرة الدستورية تتناقض مع العبث بموجهات النص وتأويلاته، ولذلك فإن الأمر لا يعدو مزايدة من أجل الكسب السياسي، وتوظيف الدين في العملية السياسية، وهو أمر يشمل جميع المكونات والفرق التي تزعم بانتمائها الديني، ومن بينها الحالة الشيعية، وهناك كثير من الظروف والمتغيرات السياسية عبر العصور والعهود التاريخية التي قدّمت التشيع في صبغة سياسية، ولا يصلح الدين أن يكون حبلاً لغسيل الطوائف والجماعات الدنيوي، ولكي نصل إلى الخلاصة بأن كل الجماعات والمذاهب والفرق التي احتكّت بسلوك يعزز انتشارها إنما مارست عملية سياسية ولأغراض سياسية ومنطلقات سياسية لا علاقة لها بالدين إلا عبر الشعارات والمزايدات الفكرية.

منذ وفاة الرسول الكريم، وبدء الدورة السياسية القائمة على الشورى، وما نتج عن السقيفة، لم تكن هناك فرق أو جماعات أو مذاهب، وحتى وصول الخلافة إلى الخليفة الثالث كان الدين بخير، إلى أن دخل العامل السياسي ونمت بذرته بمتغيراتها إلى حالنا اليوم، وذلك ما يذهب إليه الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه "تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي" في الجزء الثاني الخاص بالعصر العباسي الأول، والذي يتناول فيه حالة الأحزاب في آخر العصر الأموي، ويشير إلى الشيعة في تصنيفه للأحزاب والجماعات بأن معركة كربلاء (61هـ) وحّدت صفوفهم، وأثارت فيهم الحماس للأخذ بثأر الحسين بن علي، كما أنها أذكت فيهم روح التشيع بعد أن كان رأيّا سياسيًّا نظريًّا (حول الخلافة)، والرأي السياسي النظري هو أساس كل شيء، ما يعوق المحاولات المستميتة لما يمكن أن نسميه "تديين" المذهب، وهو لا حاجة له في ذلك لأن الأتباع مسلمون أصالة وإن اختلفوا في فروع ورؤى بعينها مع غيرهم، وذلك يتجه بنا إلى تأكيد المفكر علي شريعتي بأننا حوّلنا الإسلام من ثقافة إلى أيديولوجيا، وذلك ما حدث بالضبط مع التشيع وغيره من المذاهب.

[caption id="attachment_55250022" align="alignleft" width="230"]علي شريعتي علي شريعتي[/caption]

[blockquote]المفكر الإيراني علي شريعتي أكد أن تسييس التشيّع تم على يد الصفويين في إيران كجزء من لعبة كبرى أرادت رفع شعار آل البيت في مواجهة المد العثماني.[/blockquote]



علي شريعتي في كتابه (التشيع العلوي والتشيع الصفوي)، يؤكد على فكرة تسييس الدين، متخذًا التشيع نموذجًا، وهو مفكر شيعي بارز، وله رؤى عميقة ومهمة في المجريات الدينية، وما سبق أن أشرت اليه سابقًا حول الحالة الظرفية والتاريخية التي اتجهت بجماعات معينة إلى التعاطي مع الدين من خلال الممارسة السياسية يؤكده في حديثه عن التشيّع الذي دخل حيّز التسييس، فهو يرى أن تسييس التشيّع تم على يد الصفويين في إيران كجزء من لعبة كبرى أرادت رفع شعار آل البيت في مواجهة المد العثماني.

ولن نذهب بعيدًا لنلمس دور إيران في إنشاء حزب الله، وهو حزب سياسي في إطار عملية سياسية تتجاوز القطري إلى المناطقي والإقليمي، متخذًا التشيّع كحاضنة دينية وفكرية لاستقطاب وتجنيد الأتباع، وفي حقيقته جزء من منظومة وسلوك سياسي كبير تعامل بالمعكوس الذي أشرت له في استهلال المقال من خلال توظيف الدين سياسيًّا، وذلك خطأ منهجي لا يمكن أن يستمر طويلاً، على نحو ما يقول به شريعتي في استعراضه للمسار التاريخي لتسييس التشيّع، فهو يشير إلى أن للتشيع حقبتين تاريخيتين مختلفتين، تبدأ أولاهما من القرن الأول الهجري، وهي التي كان يعبر فيها التشيع عن الإسلام الحركي مقابل الإسلام الرسمي الذي كان يتمثل في المذهب السني، ويمضي بهذه الحقبة إلى أوائل العهد الصفوي، فيما الحقبة الثانية تحول فيها المذهب الشيعي من تشيع حركة ونهضة إلى تشيع حكومة ونظام.

تسييس المذهب ليس فكرة عصرية أو في التاريخ القريب، وإنما كما أشرت لها امتدادها التاريخي، الذي ظلت تسنده وتدعمه الدولة الفارسية، ولا يمكن له أن يكون أمرًا دينيًّا على الإطلاق، حتى وإن ظهرت جماعات وفرق سنِّية تتطلب مواجهتها بقناع طائفي، فالجميع سواء، ولكن الفكرة هي أن التشيّع مارس دورًا سياسيًّا لفكرة دينية تبدأ وتنتهي في إيران عبر العصور، وحين نبقى مع شريعتي في رؤاه نجد أنه خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت إيران تقع في منطقة خاصة من ناحية التقسيمات والاستقطابات العسكرية والسياسية في العالم، وكان من الطبيعي أن تتعامل مع الأحداث بموجهات سياسية توظف الدين للاستقطاب والاستقواء، وما يمكن أن يكون معقولاً في نظر شريعتي فيما يتعلق بطبيعة المنهج الشيعي ينتهي به إلى أن "هذا المعقول أصبح في زماننا هذا لعبة بيد قوتين سياسيتين متشابهتين ومتخالفتين في آن واحد، وهما الدولة الصفوية والدولة العثمانية، وتحول بالتالي إلى أداة لزرع الأحقاد بين رعايا الدولتين، وإلى درجة تثير السخرية".

ذات الأمر يمكن التوافق فيه مع ما يذهب إليه أحمد الكاتب في كتابه "التشيع السياسي والتشيع الديني" بإشارته إلى أن ما قام به الإمام علي والحسن والحسين كان نوعًا من التشيع السياسي، ولم يكن ذا طبيعة دينية، وأن ما حدث من تحول هذا التشيع السياسي إلى نظرية الإمامة الإلهية لآل البيت شكَّل مادة خصبة للتفرقة بين المسلمين، وقد قرّر شريعتي أن كل رموز التشيع الموجود في إيران وشعائره، أدخلها الصفويون على يد طلائع الغزو الفكري الغربي؛ لكي يفصلوا إيران تمامًا عن الإسلام السني، الذي كان مذهب الدولة العثمانية عدوتها التقليدية، كما أن الصفويين قد ارتكبوا ذلك الخطأ الفادح بالتحالف مع الأوروبيين ضد العثمانيين، مما أودى بإيران وبالدولة العثمانية معا"، واستخلاصه المثير للاهتمام هو أن الخلاف بين الشيعة والسنة هو في الأساس خلاف فكري وعلمي وتاريخي يرتبط بطريقة فهم حقيقة الإسلام، وقبل ذلك رؤيته بأنه لو خرجت كل المظاهر الدخيلة على التشيع فلن يبقى هناك أي خلاف يذكر بين مذاهب الإسلام، وذلك ما نحتاج إليه، أنه لا خلاف بين مذاهب الإسلام وأنها بحاجة إلى أن تتعامل بتقارب مستمر من أجل أن تجرّد الدين من العامل السياسي الذي تترتب عليه مصالح متناقضة تنتهي بالخلاف إلى اختلاف يصعب السيطرة عليه.