أنسي الحاج.. روح الشعر التي «لن» تترك كرسي التمرد!

أنسي الحاج.. (1937 – 2014(

أنسي الحاج.. 1937 – 2014

منذ كتابه العاصف «لن»، وأنسي الحاج جزء من أي فكرة شعرية، من أي تجربة، ومن أي نص يستعد للتشكل. ومع أنه كان في عشرينات عمره، إلا أن «لن» بقي مينيفستو التغيير في الشعر، روح الشعر كلها التي «لن» تترك كرسي التمرد.

في جملة الحاج لعبة، إيقاع منقوص بعناية، لتظل شهوة القول الشعري صاعدة إلى النص، ومتخيلة الامتلاء الذي «لن» يأتي. والتعبير الذي عرفه أنسي بأنه «خبرة ناقصة» هو معيار المخطوط الذي لم يتوقف عن كتابته وتنقيحه، ذلك أن «تشويه» الإيقاع والتخلص من انسجامه، هو آيديولوجيا الحاج، في الأصل. كل عدم إشباع إيقاعي، في جملة الحاج، متعمدة، ناتجة من تصور فريد مأخوذ عن رؤية للكون.

كانت شعرية أنسي الحاج، هي الشعرية العربية الوحيدة التي لم ترتجف أمام فخامة الشعر التقليدي. لا المتنبي، ولا أبو تمام، ولا أبو نواس، ولا أبو العلاء المعري، أو سواهم من طبقتهم، جعلوا أنسي الحاج يرتجف أمام فضاءاتهم. على العكس: بادر الشاعر إلى الحفر في باطن التركيب العربي للجملة، واخترع منه تناقضات صورية خارجية، أثمرت أثرا شعريا غامضا ونادرا. هذا الكسر للإيقاع جعل أنسي شريكا مع أسلافه، دون اشتباك نصي، دون تناص واحد على الإطلاق. وهو أمر يكاد يقترب من المعجزة الشعرية، إذ كيف يمكن عدم الوقوع ولو بتناص واحد مع الأسلاف!

هارولد بلوم، الناقد الأميركي الشهير، وفي كتابه «قلق التأثر»، حسم أمر التناص، على طريقته، ورآه «تكتما» في البداية، ثم تتحرك كتلة التكتم باتجاه «الانحراف» أو التحويل، وذلك بقصد الإخفاء. إلا أن النهاية التي حسمها الناقد حاد الذكاء، ستكون في «عودة الموتى»، حيث تتولى هذه المرحلة الكشف عن ما أخفاه التكتم وغيره التحويل. حيث تتولى «عودة الموتى» إظهار حجم وعدد المواهب التي أقلقت موهبة شعرية معينة وأثرت في نضوجها الفني. لكن، ها هو أنسي الحاج، يمضي، ولم يكشف نصه عن قلق تأثر محدد، أو مباشر، أو طاغ. هل هي المقدرة على الإخفاء؟ هل هي الموهبة التي تتناهى وقلقها التأثري إلى الحد الذي يجعل من «عودة الموتى » أمرا لن يحصل، ولن يكون؟!

كان أنسي الحاج يحب قراءة كتب تراجم الشعراء أكثر من دواوينهم. ففي التراجم، يظهر النص من لحم ودم. مرة حدثته عن كتاب «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس، وعرف أن الكتاب يتحدث عن البنية الحروفية للأفعال وتحليل توافقاتها في مصادرها الثنائية والثلاثية وغير ذلك. طرب الشاعر للفكرة، طربا لا يحد. وعندما أهديته الكتاب ابتهج بالمؤلف بطريقة جعلته يبدأ على الفور بقراءته، مع أنه كان على مكتبه في جريدة «النهار» اللبنانية رئيسا لتحريرها، وأهمل المواد المتراكمة أمامه، ويعكف على تقليب المقاييس مظهرا تعجبا واستمتاعا لا نظير له. وقتها، قال أنسي، إنه لا يحب الدواوين الشعرية بقدر حبه لتراجم الشعراء، ومنها الكتاب الفخم «وفيات الأعيان» لابن خلكان وكتاب «معجم الأدباء» لياقوت الحموي. حيث أبدى الحاج تأثرا بمقدمة الحموي، خصوصا في حديثه عن حياته صبيا يتيما وهاربا بين الأمكنة.

كتاب "خواتم" لأنسي الحاج

كتاب "خواتم" لأنسي الحاج

[blockquote]في جملة الحاج لعبة، إيقاع منقوص بعناية، لتظل شهوة القول الشعري صاعدة إلى النص، ومتخيلة الامتلاء الذي «لن» يأتي. والتعبير الذي عرفه أنسي بأنه «خبرة ناقصة» هو معيار المخطوط الذي لم يتوقف عن كتابته وتنقيحه[/blockquote]

وقتذاك، رشحت له كتاب «وفيات الأعيان»، كأفضل كتب التراجم من وجهة نظري، فهو مكتوب بلغة سلسة خطها قاضي قضاة بقلم متمرن على أصول الفقه الإسلامي ومتأثر بالنثر المصري والتعبير المصري المباشر غير الميال للتفخيم والمبالغات، ذلك أن ابن خلكان عاش فترة طويلة في تلك الديار المحروسة. على عكس كتاب «معجم الأدباء» للحموي، الذي يغلب فيه التقيد الحرفي بالمصادر دون تجرؤ على حكم أو تقريظ إلا بالحدود التي يفترضها السياق.

هكذا تظهر التراجم أثيرة لدى الحاج، وهي سر من أسراره الشعرية. فحياة الشعراء وحركتهم في الواقع، تلهمه وتذكره بحركته هو. لكن نصهم يعجز عن هذا الإلهام، فنصهم مكتمل، غايته «التعبير» الذي يعتبره أنسي، أولا وأخرا، خبرة ناقصة! من هنا، لن تستطيع تلك الخبرة الناقصة أن تلهمه أو تخلق لديه قلقا تأثريا كما يريد هارولد بلوم. وهو السبب وراء اكتمال تجربة أنسي دون أن تظهر على سطحها مراحل تكتم وتنتهي بعودة موتى. في نص أنسي، الموتى لا يعودون أبدا. هناك أحياء فقط، تراجم فقط، وشعراء يعيشون، لا يموتون.

مصادر أنسي الأصلية، والحالة هذه، هي الحياة وشخوصها. وإن عدنا إلى بلوم، في أن عودة الموتى، هي الظهور الصريح للمؤثرات التي أخفاها التكتم، سنجد أن آخر مقالات أنسي الحاج كانت جميعها أشخاصا عبروا في حياته، شعراء ورواة ورسامين ونقادا وأكاديميين. هل الأمر مصادفة؟ هل صدق هارولد بلوم هنا؟ لكن أنسي لم يذكر عشرات الأسماء كمؤثرات، بل كأشخاص عرفهم، عرفهم وحسب. هل كان يودع أصدقاءه في تلك الحميمية؟ والإجابة: بلى. كان يودعهم، فحسب. يودع كل من لا يزال يتذكر اسمه. لم تكن المسألة قلق تأثر، بل كانت قلق انكشاف ما بين ذات الشاعر الواقعية والناس الآخرين، أي آخرين، لا كمؤثرات، بل كمساحة انسجام أو اشتباك.

هكذا من «لن» 1960 إلى «خواتم» مرورا بـ«الوليمة» 1994 و«الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» 1975 و «الرأس المقطوع» 1963 و«ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة» 1970، لم تتغير منظومة تركيب الجملة الشعرية لدى أنسي، التي كان يغلب عليها استخدام الأفعال على الأسماء. ذلك أن الفعل يمكن من اللعب على الزمن وكسر بنيته. كسر البنية الزمنية تلك، ستجعل من نص أنسي حركة بأكثر من اتجاه ذات وظيفة مزدوجة، واحدة للقول، وأخرى للتخيل. وستجعل من قصيدته دون أسلاف مباشرين يحددون مضمونها، بل على العكس، تمهر قصيدة أنسي مبدأ النسيان والتلاعب بالذاكرة والتقديم والتأخير في بناء وتركيب الجملة، ليتخفى التعبير وراء شبكة متراصة من المؤثرات الدلالية المتضاربة.

التراجم مقدمة على النص. والشاعر على الشعر، والفعل على الاسم. هي مواجهة مفتوحة، إذن، ما بين «الكلمات» - اسم كتاب جمع فيه مقالاته التي كتبها – والحياة. كان أنسي الحاج يرى أن كل الجهد الأدبي مجرد كلمات أمام الحياة، أمام الأشخاص الأحياء، أمام الوجود المحسوس فعلا. كان يرى الأشخاص ألغازا متنقلة، أحجيات منطوية في آدميين. الأشخاص هم سر الفن، سر سبب الأدب، وهم محرضو اللغة. من هؤلاء الأشخاص، تأتي المرأة في مفرداته، كما لو أن الكلمات كلها امرأة. يسميهن «عابرات»، مهما كن مقيمات. ويسمي نفسه في اسمه الحركي الشهير «عابر». لاحظوا دلالة العبور: حركة من وإلى، بينهما أشخاص، أشخاص وحسب. لا كلمات، لا تعبير. وللعابرات، أيا كن، حضور مكثف، مهما دفعهن الشاعر إلى العبور. إلى الدرجة التي يقول فيها لإحدى العابرات، وفي إحدى أجمل كلماته: «لم تصنع بي امرأة ما صنعت».

رحل أنسي الحاج. رحل النبل والنقاء كله.


اشترك في النقاش