خيارات ليبيا.. أزمة الدولة الفاشلة!

المليشيات المسلحة مازالت تسيطر على الوضع في ليبيا وتعيق العملية السياسية

المليشيات المسلحة مازالت تسيطر على الوضع في ليبيا وتعيق العملية السياسية

في يناير (كانون الثاني) الماضي، دعا رئيس حكومة إقليم برقة -المعلنة من جانب واحد- في شرق ليبيا الشركات الأجنبية لشراء النفط من المرافئ الثلاثة التي تسيطر عليها حكومته منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2013، وتعهّد بحمايتها، بالرغم من تهديدات "طرابلس". وبالفعل رَسَت في 8 مارس (آذار) الجاري الناقلة "مورنينغ غلوري" (التي يقال إنّها كوريّة) في ميناء السدر، ولم تكن هذه هي التجربة الأولَى التي يَبيع فيها إبراهيم الجضران النفط الليبي خارج المؤسسات الليبية الرّسميّة، فقد استولى خلال الاضطرابات التي أسقطت نظام العقيد القذافي العام 2011 على الموانئ؛ واستفاد منها في تصدير النفط لحساب جماعته والثوار، ما مكنه من تكوين قوّة عسكريّة يستند إليها مجلس برقة الذي يرأسه الآن، ويستند إليه لإنشاء دولة فيدرالية، في الذكرى الثالثة لبداية الاحتجاجات؛ وعلى خلفيّة "فشل الدولة في منع الناقلة الكورية من نقل النفط من برقة، وبعد خروجها من المياه الدوليّة، صوّت "المؤتمر الوطني" في 11 مارس(آذار) الجاري بحجب الثقة عن حكومة زيدان، بـ124 صوتًا، وكلف وزير الدفاع بتسيير الحكومة.

ليست هذه هيّ الأزمّة الأولى، ولن تكون الأخيرة، ما دامت جذور الأزمة حاضرة، وما واصلت تداعياتها التراكم لتصبح جزءًا أكثر أصالةً من الجذور، ففي ليبيا يُشَكِّل غِياب القوات النّظامية؛ وانتشار السلاح؛ وتردد برامج إعادة إدماج الثوار والنظاميين السابقين في العمليّة السياسية أو العسكريّة النظاميّة؛ أحد أبرز المعوّقات أمام احتكار الدولة الليبية العنف، فتقوم المليشيّات بتوزيعه بسخاء شديد. وهي للأسف، منقسمة على ذاتها بشكل عميق، فمنهم ثوار يودون إطاحة النُّخَب السّابقة بشكل شامل، طامحين لاحتلال مقاعدها، وهم ينطلقون إما من إيديولوجية إسلاميّة مصمتة أو من مصالح محليّة أو منهما معًا، وعلى نقيضهما يقف آخرون في تيّار غير متجانس لا يتفق مع الثوريين الإسلاميين، ولكنّهم قد يشكلون أيضًا مصالحَ محليّة.

ولكنّ التقسيم الأبرز ينتهي ليصبح مناطقيًا، فمثلاً مليشيات طرابلس الرئيسة، «غرفة ثوار ليبيا»، والجماعة الليبية المقاتلة، تحاول إبعاد جسم مصراته والزنتان عن مركز القوّة والعاصمة، وهنا، مثلاً، يذكّر وزير الإعلام الأسبق والإعلامي الليبي، محمود شمّام، وهو مستنير مفكر، أنّ "مصراته تملك كل مقومات الصمود والبقاء منفردة، فلديها ميناء على البحر، ولديها مطار، ولديها حركة تجارية نشطة، ولديها قوات عسكرية منظمة"، ولا يخفى خطورة توصيفه هذا، ولكنّه يقدمه للتحذير من الحرب الأهليّة، ولكن هل لا زالت الحرب الأهليّة أمرًا يُحذَّر منه؟

[blockquote]الخطير في ليبيا وغالب دول فوضى الربيع أن الجميع يعيش بإحساس الفترة الانتقاليّة الممتدة بلا نهايّة؛ ويحسّونها أوانَ جرد الحِساب وإفراغ حمولات الغضب، دونما انتباهٍ حقيقي لمستوى الخطر الذي ينزلق إليه “الجميع” اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا[/blockquote]

في دراسته المطوّلة "تصدعات الثورة الليبية" يرفض الباحث الألماني بمعهد الألماني للسياسة الدولية والأمنية في برلين، "فولغرام لاخر" أن يصف الصراعات المريرة في ليبيا على أنّها حرب أهليّة (تصدعات الثورة الليبية، مركز الإمارات للدراسات، 2014)، أمّا محمود شمّام في حواره مع الشرق الأوسط، فإنّه يمرحل الحرب الأهليّة ويراوغ في الاعتراف الكامل بها فيقول "أذكر أن اللبنانيين لم ينتبهوا إلى أنهم في حربٍ أهلية إلا بعد سنتين من نشوبها. ولقد أطلقت على ما يجري في ليبيا حاليا «حروب أهلية أفقية» موجودة خاصة في (مناطق) الغرب الليبي؛ موجودة بين «الزاوية» و«ورشفانة».. وبين «زوارة» و«رقدالين»، وبين «الزنتان» و«المشايشة»، وبين «مصراتة» و«ورفلة» و«تاجوراء». هذه حروب أفقية. في اعتقادي" (الشرق الأوسط، 22 نوفمبر(تشرين الثاني) 2013)، وخيار الحرب الأهليّة يبقى منطقيًا، للدول الهشّة والمتأرجحة بين إرادة التوحّد وواقع التقسيم. ولا يوجد محفّز لهذا الخيار مثل التجاهل عن مواجهته، الغريب في الأمر أن التعامي عن هذا المصير المحتمل يمارسه البعض استنادًا إلى وهمٍ جميل، يفيد أن مُثَلاً أخلاقيّة تعصم الشعوب عن الانزلاق إلى درك الحروب الأهليّة (ليبيا، والعراق، ...) وغيرها؛ وللأسف هذا حديث غير دقيق، فخطر الحرب الأهليّة محكوم بعوامل "جيوسياسية" وتوازنات قوى وعوامل اقتصادية أقوى من الأخلاق، بل إنّ الأخلاق تلعب أحيانًا دورًا مهمًا في تأجيج هذه الحرب الأهليّة!

في غالب الخبرة العربيّة، تكمن معضلة التحوّل الديموقراطي في غياب منطق التسويّة، ونشوء صراع بين الحالي والمنحل لا ينتهي، ففي الحالة الليبية بعد أن انحسم الأمر لاتجاهٍ ثوريّ، تمّ عزل الكثير من القيادات السياسية المؤثرة؛ وحتى تلك التي تحمل توجهات تقدميّة ومهمّة لمرحلة ما بعد القذافي، طالها الإقصاء إمّا بالضغط الشعبي أو بالعزل السياسي، وتمّ تحويلها من قبل "من تبقى" إلى وقود، فمع كل فشلٍ يتم اتهامهم بالمشاغبة وعرقلة الفعل السياسي، بل وإنّه كلما زادت احتمالات الأزمة؛ يتمّ استدعاء القذافي بخصه وإرثه، أو أحد أبنائه، كما جرى مع "سيف الإسلام"، ويجري مع "الساعدي" الذي سلّمته النيجر قبل أيام.

الخطير في ليبيا وغالب دول فوضى الربيع أن الجميع يعيش بإحساس الفترة الانتقاليّة الممتدة بلا نهايّة؛ ويحسّونها أوانَ جرد الحِساب وإفراغ حمولات الغضب، دونما انتباهٍ حقيقي لمستوى الخطر الذي ينزلق إليه "الجميع" اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، والوضع في ليبيا ينقاد إلى حالة عدم استقرار طويلة في ظلِّ تكافؤ الفصائل؛ واستحالة حسم إحداها الأخرى عسكريًا؛ كما أنّ الموارد الموزّعة جغرافيًا، والتركيبة المهيأة للتقسيم، ومملكة الخوف من الآخر التي تتسع، تُصَعِّب خيارَ الوحدة والبقاء المتجانس، ولكنّ أمل بناء الجيش الوطني الليبي، وتقويته عبر دولٍ صديقة، ودعم خارطة طريق ترعاها دول "تأمين" الخط المدني للدولة، هو خيار وحيد لسيناريو ناجح، ولن ينجح وحده، ما لم يعتمد النظام مشروعاتٍ قوميّة كبرى، ترتبط بالأحلام، ليس على غرار النهر الصناعي العظيم، ولكنّها ذات جدوى هذه المرّة، فخلق رابطة "وجدانية" مشتركة مهم جدًا، ويمكن أن يتم بغير إثارة المخاوف ورفع فزاعة عودة الفلول، ولكن لا بد من أن تخلف بالآمال، وهذا ما ينبغي الاستثمار فيه ودفعه، بعد جلسات "المصالحة الوطنية" أو أثنائها.

يجب ردم الهوّة والتصدعات التي خلفتها وتخلفها "الحرب الأهلية"، فليس التحرر من تركة القذافي فحسب بل من تركة الحرب الأهليّة، التي ولّدت جروحًا عميقة، كما ينبغي أن يتنازل السياسيون والمليشيات عن بعض طموحاتهم، وأحقادهم، ويلجأون إلى اتفاق "طائف" أو "أوسلو" جديد؛ يُقبل فيه بالحوار مع الجميع حتى ولو اضطرّ الليبيون إلى الاستماع لأطراف نظام القذافي، هذا أو ستتحوّل ليبيا إلى دولة فاشلة، على أحسن الأحوال، ودولاً فاشلة على أسوئها!


اشترك في النقاش