الطفولة الشعرية ومعارك الآخرين!

تمثال للشاعر التونسي ابو القاسم الشابي نحت على الصخر في مدينة توزر

تمثال للشاعر التونسي ابو القاسم الشابي نحت على الصخر في مدينة توزر

إن كان الشاعر يخلد ذكرى الآخرين، في قصائده، فإنه في الوقت نفسه يخلد نفسه، في إطار من قدرة النص الأدبي على تحويل حياة الشاعر إلى مجرد كلمات وحروف، ومن ثم قصائد. حقيقة، في كل مرة يضرب اليأس ضربته، ويفرغ قلوب المثقفين من الإيمان بالشعر، تأتي لحظة مفاجئة، وبظروف غامضة، ليعود الإيمان بقوة الشعر، وبجماله، وبأهميته. ذلك أن الشعر، هو نوعية خاصة من التعامل مع الأشياء، ومع الكون. وهو طفولة لا تنفك تدافع عن نفسها في وعي متطرف غاية في الرشد.

الطفولة، شعريا، ليست عدم معرفة بالأحجام والمقاسات، والتناقضات، والأبعاد. الطفولة الشعرية هي الكشف عن مدى الترابط الخفي ما بين الأشياء المتناقضة، في الظاهر، إنما يجمعها حس بالفقدان يتحول منهج كتابة وحياة. والطفولة، تلك، خلاص من قساوة العالم الخارجي، الذي هو، في الأصل، أحجام ومقاسات وتناقضات. حينها، يمكن لشاعر مثل (خيمينيث) أن يقول: «كنت طفلا، كنت خالدا، كنت لا أعرف أي شيء عن الموت». حقا، إن الطفولة الشعرية خلاص من الوعي الشقي القائم على تلقي ضربات الثنائيات التي أشهرها: حياة وموت أو فناء وخلود، وفي الأصل خير وشر.

لكن الطفولة الشعرية، ليست مجرد خلاص للتهرب من الصراع والمواجهة. كانت كذلك في الرومنطيقيات العربية التي تأثرت بالرومنطيقية الغربية في شكل مشوه. وهو أمر فنده الناقد والشاعر محمد بنيس في كتابه المهم عن الحداثة الشعرية والمعروف بـ«الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاته»، حيث أشار وبالتفصيل إلى الصورة المشوهة للرومنطيقية العربية التي فهمت الرومنطيقية على أنها مجرد بكائيات هروبية وتغن لجوئي بالطبيعة. في الوقت الذي كانت فيه في الغرب - والكلام لا يزال لبنيس - ثورة شاملة في النظرة إلى العالم وتدميرا لهرميات مؤسسية معينة. وكذلك تعلي النزعة الفردية في مواجهة المجتمع. إذن، الطفولة الشعرية، ليست خلاصا وتهربا من الصراع، بل هي دخول عميق في قلبه.

في الكتابة الشعرية الحديثة، خصوصا مع بدء ثمانيناتها في القرن الماضي، كانت سجلا ومذكرات وتدوينات يومية طاغية. لم يجرؤ الشعراء الجدد على تفكيك شيفرة الطفولة بعدما أنهكها الرومنطقيون بالعزلة والتغني والهروب، وبعدما هجرها الشعر الحديث باتجاه تفعيل نظام تفكير شعري أكثر منه نظاما نصيا محددا. وتعرقلت كل المحاولات لإعادة «مجد القصيدة» بعدما التهمها الهمس والدبيب الهيدغري. فكانت قصيدة قلقة تناقش نفسها أكثر مما تتفاعل مع العالم الخارجي. هذا مع الزعم المتواصل بأن الشعرية الجديدة هي «تغيير للعلاقة ما بين الكائن والأشياء».

أدونيس. فلم يتظهر العالم الخارجي، بل الداخل، والعودة غير المتوقعة إلى بيت الرومنطيقيين الذي هجره أصحابه ولم يعودوا إليه مرة أخرى. ولعل أعظم الرومنطيقيين العرب كان أبو القاسم الشابي، ذلك الشاعر الذي ينتمي إلى الطبقة الأولى من طبقات الشعراء العرب المعاصرين، ليس بسبب موهبته المفرطة، فحسب، بل لأن العالم الخارجي الذي هو الطبيعة، لم يعد مكان هروب وبكاء وشكوى، بل فضاء يعيد التذكير بالشراكة المفتوحة ما بين الكون والأنا، وما يعنيه ذلك من تحريض مستمر على الكفاح والصراعية. وهو ما اشتهر به الشابي عندما تكون الطبيعة مفردة متطابقة مع التمرد والدعوة إلى الكرامة والنصر.

وبالعودة إلى الطفولة الشعرية في الكتابة الحديثة، وإشارتنا إلى طبيعتها التدوينية الصارمة، نجد أن الكتابة الحديثة أعادت خطأ الرومنطيقيين السابقين، عبر نزعة التشيؤ الحادة التي ميزت تفاصيل العالم الخارجي التي تظهر في النص، حيث تنوب التفاصيل عن صاحب التفاصيل، ويتحول البيت إلى فضاء عوضا عن الطبيعة، وعوضا عن بكائيات الآباء الرومنطيقيين الأوائل، سنجد نصا يخلو من الحب ويخلو من المرأة بصفتها ملهما قديما أحيل إلى التقاعد، كنوعية صامتة من التشكي القديم والهروب القديم. وهكذا، عاد الأبناء إلى بيت الأب، في الوقت الذي كانوا يقولون فيه إننا نبني بيتا جديدا. ووقعوا في محظور حذر منه الألماني هولدرلين عندما كتب مرة: «من لم يبن بيتا، فلن يبني بيتا أبدا»..

العلاقات التي يمكن أن يظهرها الوعي الطفولي بالعالم، لا يمكن أن يظهرها وعي علمي أو نظري آخر. سمة الوعي الطفولي ردم الهوة التي يصنعها الوعي الشقي، ذلك الذي تحدث عنه «هيغل» عبر الإحساس الطاغي بقوة المتعارضات ما بين الجسد والروح. هنا، تأتي الطفولة الشعرية لتخفف من هذا الضغط الرمزي، باتجاه وحدة متخيلة أو جارية، رأينا مثيلاتها في الشعر الصوفي الذي يمثل تطرف الوعي الطفولي الجامع ما بين الجزء والكل، أو يشكل تصعيدا لهذه الطريقة بالتفكير الشعري أو غير الشعري. ولعل شعرية الشاعر الرفيع ابن الفارض صورة لتدمير الوعي الشقي الذي يرضخ تحت ضغط الثنائيات. وخصوصا في قصيدته التي مطلعها:

سائقَ الأظعان يطوي البيد طيْ

مُنْعِما عرِّج على كثبانِ طيْ

القصيدة الحديثة، سواء منها النثرية أو المفعلة أو التقليدية، لا تقع الآن على طفولتها إلا بالقدر الذي يفترضه التدوين. ولم يعد الكشف عنها أو استعمالها قلقا نصيا، بل فقط كأوتوغراف عليه إمضاءات الآخرين، وإمضاء الذات، لكن ليس كمواجهة مباشرة مع العالم، بل كما لو أن الذات نفسها، جزء من مقتنيات الآخرين، وبعض ما تبقى من معركة خاضها الغير، ولم يعد بالإمكان سوى الإحساس بسعادة النجاة!


اشترك في النقاش