"داعش" و"حزب الله".. اختطاف الدين لمسار الإرهاب والدم!

[caption id="attachment_55250427" align="aligncenter" width="620"]جانب من الفصائل المقاتلة في سوريا جانب من الفصائل المقاتلة في سوريا[/caption]

ممارسة السياسة ليست عملية جراحية معقدة، أو تتطلب كمًّا فلسفيًّا كثيفًا لوضع ضوابط تلك الممارسة، إنها باختصار فن في الحكم وإدارة شؤونه بشفافية ووضوح من واقع أسس موجودة أصلاً، سواء كانت تلك الأسس تنتمي إلى فكر ديني أو عرف اجتماعي، ولكن من واقع النشاط الذي تتحرك فيه بعض التيارات والجماعات ذات الصيغة الدينية نجد أننا أمام مفارقة مثيرة للاهتمام، وهي الفوضى والتأويل النفعي للمرتكز الديني في ممارسة أي شكل من أشكال العمل السياسي، ولدينا من التجارب التي تعبث في مجتمعاتنا ما يقدم بانوراما واسعة وكوميديا سوداء تكتب فصولاً مأساوية لتراجيديا الصراع في المنطقة.

ظهور حركات مثل "داعش" وظهور وجه ملوث بالدم لحزب الله، لا يدلّل إلا على مستوى الهزال الديني في تحكيم نص أو تأصيل اجتهاد خاطئ في مجتمعات لا تملك الكثير لتعبّر عن رفضها لسلوكيات لا تتوافق منطقًا ومعقولية مع ركائز دين أو أخلاق وأعراف مجتمع، فهناك تحطيم منهجي للفكرة الدينية في الممارسة السياسية والأمنية في سلوك المتناحرين الكبيرين على الساحة، وكلاهما يختطف الدين وفقًا لمذهبه الذي ينتمي إليه، وكلاهما يمارس رذيلة التضليل والإضلال والابتداع وتجريم الآخر، وكلاهما تشويه للإنسانية؛ لأن سلوكهما السياسي يخلو من أي عمق إنساني وأخلاقي، وصراع كليهما مع من حولهما أو ضد بعضهما قائم على الفعل ورد الفعل.

"داعش" اختطفت دينها من وجهه السني، وأقامت دولتها الوهمية في مساحة جغرافية ليست لها إلا بحق الفوضى واستباحة الأقيسة غير الإنسانية، ومضت في فضاء اجتهادي يمكن الجزم بخطئه ابتداءً وبداهة، فقطعت يد الجائع لأنه سرق ولم تنظر ببصيرتها المثقوبة بالعنف بماذا يكسب رزقه ويأكل عيشه الذي لا يجده، فتركته يتمزق في جميع الأحوال؛ ذلك لأنها تسببت في المشكلة ولم توجد الحل الذي ليس لديها أصلاً، ورجمت الفتاة التي تصفحت "فيسبوك" لمجرد متابعتها المعرفية والاجتماعية، وأقامت عليها حد الزنا رغم الشروط المتشددة لهذا الحد، فأزهقت روحها كضحية لفكر متطرف لا يرى في غيره سوى الصلاح والفلاح.

"داعش" نموذج متطرف لأحد أسوأ الكوابيس الدينية والاجتماعية التي يمكن أن تعصف بأي مجتمع توجد فيه أو تحتك به، فهي تسبب مشكلات في حياة أهل العراق وسوريا باسم الدين، وهي كغيرها من الحركات والتيارات التي تعلمت الطيران بكتيب إرشاد علّمها قواعد الطيران، وعندما طارت وجدت أن الهبوط في كتيب قادم لم يطبع بعد، فماذا نتصور غير أن يكون سقوطها رهيبًا، هو انعكاس لما تقوم به في المناطق التي تسيطر عليها في غياب الدولة الوطنية والسلطة السياسية، لنحصد في خاتمة المطاف انهيارًا كلّيًّا في فكرة الحاكمية والدولة الدينية والمنظومة الاجتماعية التي تعيش الكبت والعسف بسبب هذه السلوكيات المعيبة التي تفتقد الروح الإنسانية والأبعاد الأخلاقية، ومحاربة كل شيء حتى طواحين الهواء كما فعل "دون كيشوت في رائعة سرفانتس".



[blockquote]"داعش" و "حزب الله" وجهان لعملة واحدة، ونموذج لأحد أسوأ الكوابيس الدينية والاجتماعية التي يمكن أن تعصف بأي مجتمع توجد فيه أو تحتك به[/blockquote]



ذات المثال ينطبق على حزب الله الذي ضلّ الطريق وصادر الوجه الشيعي لدينه، ودخل في دوامة الاجتهادات الخاطئة التي تمنحه جرعة التطرف وانفلات القيادة ليتعامل بمنطق رد الفعل، فيقتل على الهوية، ويستبيح ويفقد حق المقاومة التي يدّعيها، وحين يمارس القتل باسم الدين فلا مجال لإخراجه من نفق التطرف؛ لأنه يصبح حينها يمارس الإرهاب، وذلك يتنافى مع قواعد اللعبة السياسية والأمنية، وهو ليس حزبًا يناصر حقًّا بعد الآن، إذ فقد ذلك الحق ولم يعد يفرقه عن "داعش" وغيرها فارق، لقد تواضع الحزب في منهجه وفكره وضلّ طريق المقاومة واستقام مع معايير الإرهاب، إذن فهو إرهابي.

إننا في الواقع نعيش فترة تاريخية مفصلية أنتجت مثل هذه الحركات والأحزاب التي تمارس الإرهاب والتضليل وتزييف النصوص الدينية، لقد أصبحنا أمام حالة إنسانية متردية ومنهارة بسبب الخشونة التأويلية التي جعلت من هؤلاء في زمن الفوضى أوصياء على دين الناس ومذاهبهم، إننا أمام سؤال إنساني وحضاري كبير، هل يمكن للدين أن يكون أكثر قيمة في دعم القيم والتعايش دون غطاء إنساني؟ دون إنسانية تحترم الآخر وفرص التعايش السلمي، وتضع الحلول للأزمات الأخلاقية التي نعيشها باسم الدين، لا يمكن لجهة ما أن تكون سليمة الفكر، فالإنسانية هي أساس كل مرتكزاتنا، وقتل النفوس واستباحتها، وقطع الأيادي وحرمانها من العمل والعيش بكرامة، وترويع الآمنين، وتهديد المجتمعات يجعل من تلك الحركات راقصًا عظيمًا في سيرك المهزلة الإنسانية، ولكن دون ساقين.. ذلك عين العمى السياسي، وفقدان البصيرة التي لا يمكنها أن ترى مثل "داعش" وحزب الله سوى مشروعات إرهابية تسقط من السماء؛ لأنها لا تعرف كيفية الهبوط والعيش بسلام، أو تكون جزءًا من سلام الأرض والناس.