الحداثة التي أيقظها السورياليون وطُرِدوا منها!

يعد الشاعر الفرنسي لوتريامون أول من كتب قصيدة النثر وذلك في كتابه (أناشيد مالدورو) 1867

يعد الشاعر الفرنسي لوتريامون أول من كتب قصيدة النثر وذلك في كتابه (أناشيد مالدورو) 1867

انتهت حكاية الإلهام الشعري منذ زمن بعيد، تحديدا مع نهاية الرومنطيقيين وبداية شعر الحداثة العربية. كانت الرومنطيقية مرتبطة بالعمق، بفكرة الإلهام، إلى الدرجة التي كان يرى فيها ملهِم الرومنطيقيين العرب، الشاعر الفرنسي لامرتين، أن أفكاره هي التي تتحكم به وهي التي تقوم بفعل التخيل وحدها، إشارة منه إلى سيطرة الخيال الأدبي الذي وصل إلى أقصاه في قصيدته الشهيرة، والتي أثّرت في الرومنطيقية العربية أشد التأثير، وحرفتها عن سياقها، وهي قصيدة البحيرة.

حقيقة الإلهام الشعري غامضة. في الأصل لا أساس علميا لها خارج الفطرة والطبع. من هنا كان النقاد العرب القدامى يعبّرون بـ«الشعر المطبوع» أو «الشعراء المطبوعين» عن نوعية من الشعراء تكتب بالقريحة الحالية الفياضة، دونما علم بالضرورة بقواعد الشعر أو حتى حقيقة البناء النحوي واللغوي. وقتذاك، كان «شيطان» الشاعر، هو التعبير الكودي عن تلك القريحة الحالية، وتلك الطبيعة التلقائية للقول الشعري. وما إن استقرت أحوال الشعر العربي، في بغداد الأموية، حتى اختفت تلك الشياطين، وحلّ محلها، وكما عبّر علي الجرجاني: «الطبع والرواية والذكاء». الأولى للموهبة. والثانية للمثاقفة. والثالثة للدَّرَبة والحنكة في الصناعة، حيث إن دور الصناعة يأتي بعد دور الطبع. وقد اختار أبو تمام لها، أي الصناعة، وقت أول الليل، بحيث يكون الذهن جاهزا للتفكر في حال الجملة وغرض القول. على عكس ما يراه ابن قتيبة في «الشعر والشعراء» في معنى أول الليل. فقد رآه يتناسب والإلهام واللحظة الأولى للقول الشعري.

كان أبو تمام يرى أن وقت الدّجى، هو وقته المفضل، وهو الزمن الذي تتجمع فيه قريحته وتنطلق وتثب. وقد شرح ابن أبي الإصبع المصري، ذلك الأمر، كون وقت الدجى لا يتضمن أصوات البشر والحيوان. على عكس وقت السّحر، الذي يشتمل على حركات الدبيب والشغل والمصلحة، فتعلو الهمهمات وتتصاعد الأصوات، مما يشغل الشاعر والشعرية.

تختلف الشعريات في قضية الطبع. الأخير اتفق عليه بإجماع مطلق، أنه الموهبة، وتشكل الكتابة، أو القول، في الداخل، بحيث يكون البناء، في الماضي، منتقلا في بداهة الطبع والتلقائية. الخط الفاصل ما بين شعر الحداثة العربية والرومنطيقية، يتركز في الأصل، في أن الموهبة، أو الطبع، رومنطيقيا، هو ذو تأثير أعلى، أعمى، وقد يحرّك الكتلة اللغوية تحت تأثير الخيال، الأخير الذي جعلته السوريالية لا شعورا يتدفق من دون ضابط. أي أن السوريالية شكلت المنطقة الوسطى التي تم فيها التخلص من سيطرة الإلهام الشعري أو الخيال الرومنطيقي. ثم جاءت الحداثة الشعرية العربية وفيها تأثيران ظاهران، واحدهما استمر واستكمل مشروعه، وثانيهما أدى وظيفة محددة، واختفى.

التأثير الذي استمر، هو فكرة الكتابة تحت تأثير «الذكاء» الجرجاني وروايته التي هي المثاقفة وقدرة الشاعر على المحاججة من خارج النص لا داخله، كون القصيدة ليست هي المكان الأمثل لصراع الأفكار. أمّا الذي أدى وظيفته واختفى، فهو التركيز على دور اللاشعور وقوة اللاوعي والسماح له بالتحكم الكامل في الغرض الشعري، الذي قام به السورياليون.

لقد قدم السورياليون خدمة لا تنسى، للشعرية العربية. فقد أقدمت السوريالية على نسف أي صلة ما بين الشعرية والإلهام. تم إقصاء كل أنواع الشياطين وحتى أوقات الكتابة. أصبح النص السوريالي شراكة ما بين النفس والكلام، يبدآن من داخل النفس أو من مجرد جملة اعتباطية «ملعونة» كما كان يعبر الراحل الكبير أنسي الحاج. وما هي إلا فترة قليلة حتى حسم أمر الإلهام. لكن الغريب أن الإلهام رفض أن يتزحزح من مكانه إلا وأن يصطحب معه السوريالية نفسها، فاختفى الإلهام والسوريالية، في وقت واحد على وجه التقريب. وهنا، كان الوقت الأنسب لولادة شعر الحداثة العربية، بعد كل ما فعله أورخان ميسّر وإلياس أبو شبكة. كان الوقت الأنسب لعدم سيطرة اللاوعي على النص، كمنتصر ورث سيطرة الإلهام. بدأت القصيدة العربية الحداثية من دون إلهام ومن دون لا وعي. إنها بداية حقيقية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى: إذ كيف سيمكن الكتابة من دون إلهام ومن دون لا وعي؟!

السقوط المدوّي للسوريالية العربية، كان ببساطة أنها ليس لديها «لوتريامون»، مثلا. كان الشاعر الفرنسي لوتريامون، والذي رحل عام 1871، صورة مكبّرة للتداعي المفتوح الذي تتطلبه السوريالية: النقطة السوداء من داخل مجاهل النفس البشرية، وعمل الشر الذي لا ينتهي في الواقع ليستكمل رحلته في اللغة. هكذا كانت «أناشيد مالدورور» التي كتبها لوتريامون الذي لم يمهله القدر إلا أقل من 25 عاما ليعيشها باختصار مريع! كانت الأناشيد استخراجا لكل مكبوت السوريالية، وإن بمعناها البدائي هنا، كون أستاذ السوريالية ولد بعد وفات لوتريامون بأكثر من عشرين عاما، وهو المنظّر الأصلي لها، أي الشاعر والمفكر أندريه بروتون.

لم تستطع السوريالية العربية أن تطرح نسخة من لوتريامون أو أناشيده. بقيت في حدود إقصاء الإلهام وتفكيك الجملة القديمة وبرعت في تصوير عالم مختلف اعتباطي جزئيا ومنظم في العمق. من هنا، أدت السوريالية العربية مهمة واحدة تمثلت بإقصاء الإلهام الشعري الخارجي، واختفت معه.

في تقدم شعرية الحداثة، برز أمر محيّر، وهو تعريف الطبع الشعري، أو الموهبة. فقد تولت الشعرية القديمة التعريف، وكذلك الرومنطيقية، وبعدها السوريالية. إلا أن الحداثة العربية كانت على علاقة متوترة مع «الطبع» الشعري. فهذا الطبع يوقع شعرية الحداثة في أزمة مع بنيتها المفهومية. ذلك أن الطبع لا ينتمي إلى الكتابة، بل إلى القول الشعري، وإلى ملفوظية تتطلب تجانسا ما بين الغرض واللفظ والإيقاع. كل هذا يدمّر الحداثة، فهي أولا لا تهتم بالغرض إلا بصفته مشروعا عاما، ولا تعطي للانسجام بين اللفظ والإيقاع مساحة محددة ومفهومة. وللتأكيد على وجاهة هذا الإشكال، سنرى شيخ منظري الحداثة العربية، أدونيس، يلتفت إلى الوراء مليا، ويكتب قصيدة التفعيلة! سيهجر القلق المفهومي في قصيدة النثر ويريح باله من عبء أسقط أسلافه السورياليين. فكتب «إسماعيل» في أواخر ثمانينات القرن الماضي. بل كتب الكثير من القصائد التفعيلية المبنية على ما يعرف ببنت البحر.

أعاد رواد النثر، الإلهامَ إلى الواجهة.

إذ لا تحتمل الكلمات من دون إلهام، من دون خارج، من دون آخر. في البداية اعتقدوا أن إسقاط السوريالية للمثال الرومنطيقي، سيكون كافيا لـ«الكتابة»، الكتابة فقط. على أن تكون «الكتابة» نفسها هي المثال، وهي القلق الأسلوبي، وهي «ذكاء» الجرجاني. إلا أن أدونيس نفسه استند إلى ما هو من خارج النص، وهي الرواية التي حددها الجرجاني أيضا، وهي هنا ثقافة. فأصبح التنظير الشعري الحداثي، بأسره، نهلاً من ماء التراث (!) في عودة جذرية تنسف الفعل السوريالي وتتخطى الرومنطيقية وصولا إلى المربّع الأول للشعرية العربية: الشعر الموزون المقفى.

لقد تخلت الحداثة الشعرية العربية عن «القتل» السوريالي للأب النموذجي المتمثل بالخيال أو الملهم. وتركت زمنها من دون تغيير جوهري إلا بحدود الذكاء الذي أصر عليه الجرجاني أو الرواية التي هي الثقافة الآن. لكن الغريب أن الطبيعة لم تعد إلى النص، بل المكان. وكذلك اللاشعور السوريالي لم يتجرأ على التفجر إلا بحدود غير جوهرية، في النهاية. وأيضا، لم تُرجع الإلهام بسطوته القديمة. ستاتيكو غريب مجهول المصدر. ولا قصيدة في الأفق تقول أو تكتب. كما لو أن النص باتجاه شيء ما، لا يمكن التكهن به أو تخيله. أو أن النقد الأدبي ذاته، وللمرة الأولى، بات يحتاج، هو الآخر، إلى ملْهِم، أو لا وعي.

من امرئ القيس إلى لوتريامون، ثمة حقيقة أكيدة واحدة، وهي أن «الجَمال» في الشِّعر، غير قابل للتعريف. بينما يتسنّى لقبحه أن يعرّف نفسه بأبسط السبل وأسرعها، وهي إحجام الذائقة عنه، وإهماله. كما لو أنه لم يُكتب، أو لم يُقَل. فعلى الرغم من تعقيد الآليات التي تنتج شعرا عظيما، فإنه لا يتم تذوقها إلا بأبسط الآليات. في مداورة لا تشبه إلا الشعر نفسه، ولا يمكن السيطرة عليها، بنفس الطريقة التي لا يمكن معها السيطرة على تحولات النص وأشكال التعبير.


اشترك في النقاش