أزمة العراق.. و"الإرهاب" الوَسطي المعتدل!

مجموعة من مقاتلي تنظيم دولة العراق والشام "داعش"

مجموعة من مقاتلي تنظيم دولة العراق والشام "داعش"

في أبريل (نيسان) 2010 أعلنت الحكومة العراقية تصفية وزير دفاع تنظيم "داعش" أبي أيوب المصري، وزعيم تنظيم "داعش" في العراق أبي عمر البغدادي، وبعدها أصبح التكتّم في شأن تشكيلات "الدّولة" كبيرًا، وتقول التسريبات داخل الجماعة، أنّ ضابطًا سابقًا "بكر حجي" صعد نجمه بشكل لافت بعد مقتل أبي عمر البغدادي؛ وساهم حجي في تنصيب "أبي بكر البغدادي" أميرًا للدولة الإسلامية في العراق عَبر مجلس شورى المجاهدين، وعمل "حجي" على تشكيل طوق أمني واستخباراتي، وترتيبات خاصة، ساهمت في تعزيز مكانته، وسهّلت تحرّكاته.

خلال سنوات (2006-2010) امتدت سطوة القاعدة، و"الدّولة الإسلاميّة في العراق"، ولم يقف أمام زحفها، إلا ما عُرف بالصحوات، التي قامت على أساس العشائر من جهة، وعلى من يصفون أنفسهم "المقاومة الإسلامية المعتدلة" من جهةٍ أخرى، وفي جملتها هي استغلال لمشاعر رفض عنف القاعدة وتطرّفها، وما تمارسه باسم تطبيق الحدود، وجمع المال، وغيره مما لا يتوافق معهم. النتيجة أنّ القاعدة اندحرت والدّولة كذلك، ولكنّها صارت أكثر تطرّفًا ودربة على قتال المدنيين وغيرهم.

بَعد بداية الأحداث في سوريا العام 2011، تريث أبوبكر البغدادي وجماعته، ولم يرد أن يربك حساباته من جهة، ومن جهة أخرى فإنّه اعتاد أن تكون سوريا هي معبر المقاتلين إليه بتسهيل من النظام السوري حسبما يشاع، وليس ببعيد ذكرى "نصرة العراق" التي تكوّنت في سوريّة في 2003، ولحسابات أخرى تأخر البغدادي عن إرسال جنوده إلى سوريا، وخاف أن يترك ساحة العِراق، وكان ذلك مخالفًا لإرادة "مجلس شوراه" والرأي الغالب بين المقاتِلين، ولمّا اشتدّ عود الرّأي، وصار التخلّف عن سوريّة موضع تساؤل وحَرج بالغ، أرسل البغدادي جيشًا بقيادة أبي محمد الجولاني، ليكون في "نُصرة أهل الشام"، وبعد وصول الجيش إلى الشّام والتحاق المتطوِّعين العرب به، وصار له شأو ومال كبير، أرسل البغدادي رسله للجولانِي بأوامر متفرقات، جسًّا للنبض، وليتأكد إن كان ما زال مواليًا له، انتهت المراسلات المتكررة، بنتيجة أنّ الجولاني الذي تكبّر جماعته، لم يعد مطيعًا، فطلب البغدادي منه أن يحلّ جبهة النصرة، ويشكل كيانًا آخر، فرفض الجولاني، فقام البغدادي بالسَّفر إلى سوريّة بهدفٍ واضح وهو رَدع الجولاني وضمّ النُّصرة تحت جناحه، وبعد وصوله أعلن تمدد سلطان "دولته" إلى سوريّة، فصارت تنظيم "داعش"، وانشغلت قوّاتها بردع المتفلتين عنها، وَرفض الجولاني أداء البيعة لها، ورفع الأمر للظواهري، الذي انتصر للجولاني، إلا أنّ البغدادي ردّ "إنني لن أطيع الظواهري في إثمٍ"، فهو يرى أنّ الجولاني نقض بيعته.

تضارب الفرضيات

طوال فترة انشغال البغدادي في سوريّة، ومعه شبكة "تقنيّة وشرعيّة وجنود"، انفسح المجال للعراقيين في العراق، لتمدد أكبر في حربهم مع المالكي، الذي لم يوفّق في كسب ثقة أهل "نينوى، صلاح الدين، ديالى". سمحت المُزَاحَمة بين تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" بأن تذاع الأسرار، يمنة ويسرة، في حرب لكسب التعاطف والتمويل، ومن بين ما حاول محبو النّصرة إشاعته وصم "الدّولة" أنّها بعثيّة في إشارة لانتساب كثير من رجال الجيش العراقي المنحلّ إليها. وهذا يعزز إحدى الفرضيّات الرّائجة، أنّ "كتلة صماء" من استخبارات النّظام البعثي السّابق، توزّع أفرادها خلال هذه الفترة، على جميع الفصائل المسلحة، واستولت على ثقة القيادات فيها، فتولّت التخطيط العسكري، والجانب الاستخباراتي.

سقوط الموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014، كان مدويًا، وصادمًا، فأرتال الجيش العراقي التي انسحبت كانت غريبة، وظهرت قوّة وتنسيق، استبعده كثيرون على أن يكون لداعش وحدها، وظهرت أمارات للجيش العراقي السَّابق، ولفصائل أخرى، ولعشائر غاضبة ظلّت تتظاهر في الأنبار مُذ عامين، ولكنّ "الدّولة" الإسلامية في العراق والشّام تصرّ أنّها وحدها من قامت بإسقاط جيش المالكي، وتباهت بذلك، وتقول فرضيّة أخرى، ربما "حتى داعش لا تدرك أنّها لم تُسقط الموصل وحدها" وأنّ عملاً استخباراتيًا منظمًا ما تمّ، جعل "كُل" المجاميع المناوئة للمالكي، تعمل في وقت واحد، بما فيها بعض عناصر "الجيش" العراقي الحالي، والجيش السّابق والمتظاهرون السّنة والإرهابيون"!

فرضيّة أخرى رفعها أستاذنا المؤرّخ "رشيد الخيّون" في صفحات الفيس بوك قائلاً "لنفكر بهدوء كيف انسحب الجيش العراقي من الموصل؟ وكيف ترك الضباط الكبار جنودهم؟ هل هي لعبة الولاية الثالثة، وطلب حالة الطوارئ التي تديم السّلطة؟ لا تفكروا بعواطفكم وتنساقوا وراء من يقودكم إلى داخل أتون داعش".

أيًّا كان من دخل الموصل، فإنّ التداعيات المتولِّدة، أصبحت دقيقة جدًا، لأنّ الدّماء التي أريقت وتُراق، هي مقدِّمة لكارثة كبيرة، فإنّ كان سوء إدارة التنوع أوصل العراق إلى التنازع السياسي، فإنّ سوء إدارة الأزمة والصراع سيوصل العراق إلى الحرب الأهليّة.

رجال الدين في الواجهة

لَم يَكن هُنَاك ما يُبَرر التجنيد الشّعبي، للمقاتلين، وزجّ رِجال الدّين، فكان الحريّ بالجيش أن يقوم بدوره لا سِواه، أمّا تسليح مَدنِيين بعينهم، فإنما جاء زيادة على ما في أيدي المليشيات وما يمكن أن يشعل فتيل حربٍ دينية، خاصة وأنّ فتاوى غير متكافئة روِّج أنّها أطلقت، يأتي هذا في ظلّ تقاعس المنظمات الدّولية في انتظار المجازر والمجازر المضادة؛ وكأنّ الحلول الوسط انتهى عصرها، وأنّ قوات درء الفتن لم توجد!

الرسائل التي أرسلتها "واشنطن" لبغداد، كانت قاسيّة على المالكي، الذي ومنذ انسحاب القوات الأمريكية من العراق قبل ثلاثة أعوام، يتصل بواشنطن مرتين كل شهر، يذكر فيها خطر الدّولة والقاعدة، ويطلب طائرات لقصفها، وإن احتمت بالمتظاهرين، وفي ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي وجَد تجاوبًا مشروطًا بالتوافق مع القيادات السّياسية خاصة في أربيل والأنبار، وكان يُظَنّ أن تهرع واشنطن الآن لإغاثة المالكي وتدك الموصل، إلا أنّ الإدارة الأميركية، أبدت موقفًا باردًا من استغاثات المالكي، مشيرة إلى أنّ عليه أن يصل مع القيادات السّياسيّة إلى توافق سياسي أولاً، وألمحت إلى ضرورة كسب "ثقة السنّة".

ينشط ناشطون عراقيون، ليوضحوا أنّ من هبّ "ضِد المالكي" ليسوا من القاعدة ولا داعش، ولا حزب البعث، إنمّا مهمشون تسلحوا، وليس لديهم غرض طائفي، يساعدهم ناشطو جماعة النّصرة، الذين تفرّغوا لبيان أنّ صور الأعلام التي رُفعت للدولة، هي صور قديمة، أعادها إعلام "داعش"، يعزز خصوم داعش "من معارضي المالكي" حديثهم، بالاستشهاد بنظرية غريم داعش في سوريا، جبهة النّصرة، التي تعاملت مع تقدّم "داعش" في العراق بأسلوب متدرج، ففي البداية حذرت العراقيين منهم، وأكدت أنّهم أخطر من نِظام المالكي، ومِن ثمّ قالت إنّهم يسرقون ما أسمتها بثورة الجيش الإسلامي، وتحرّك العشائر، وروّجت صورًا لمدرعات عراقية سقطت في يدِ داعش، فوجهتها لسوريّة لمقاتليها الذين يقاتلون جبهة النُّصرة، وثمة صورة منتشرة لعمر الشيشاني وهو يبتهج لوصول هذه المدرعات. وهنا يبدو أنّ داعش سيتم إعادة تصديرها للشام، للتخلص منها في العراق، وهذا يحقق فائدة عسكرية للجيش النظامي السوري، وللجيش العراقي أيضًا، فهو يضيّق على النُّصرة وأخواتها، ويقلل من عدد المقاتلين في العراق.

وهنا مفارقة مؤلِمة، وهي الحديث، عن داخل المجاميع الإرهابيّة، عن إرهابٍ متطرّف تمثله داعش، وإرهابٍ وسطي تمثله النّصرة، وإرهاب يساري ولّدهما وينكرهما، كما ظهر بين هذه المجاميع، "جاميّة الجهاد" وهم من يطيعون البغدادي ويشرّعون له، وصار الإرهاب صورة مطابقة لوعي كثيرين بالحالة الإسلامية، والفرق أنّ الدّرس هناك "عملي"، وبيان التطرّف بالعمل، المثير أنّ طارق عبد الحليم الأمين العام لما يعرف بالتيار السني لإنقاذ مصر يرى أن "النصرة كافرة على الإطلاق، والجبهة الإسلامية خليط بين كفار ومبتدعون وعصاة".

ثم أيّ؟

خيارات مفتوحة

لا أحد يستطيع أن يجزم بالنتيجة النهائية، فالخيارات مفتوحة، ولكنّ الواضح أنّ المعركة ستنتهي بنهاية كلٍّ من المالكي وداعش، فالرد الأميركي البارد والدعوات العربيّة يتصدرها مطلب واحد "رحيل المالكي" ومن ثمّ الحديث عن حكومة انتقاليّة، ولكنّ هذه المرّة هل تقع في الفخ الطائفي أيضًا؟ وهنا باب مفتوح لعراق ما بعد المالكي، ربما عراق الصدر الذي يشدُّ على المالكي هذه الأيام!

خيار التقسيم الذي يُسيل لعاب بعض الغاضبين "المعتدلين"، لن يجد دعمًا من أحد، حتى البعث العراقي القديم، وذلك لاعتبارات مبدئية، فالتقسيم لم يعد حلاً لشيء، والخلل ليس في "الطائفيّة الشكليّة المتمثلة بين السنّة والشيعة مثلاً" بل في العقليّة المنتجة لها، فلو تمّ التقسيم على أساس طائفي، فستلد العقليّة ذاتها طلبًا جديدًا للتقسيم لأسباب أخرى، كما حصل مثلاً في جنوب السّودان التي تتجه مرّة أخرى إلى التقسيم، فهو "استيلاد المشكلة على نطاق أصغر" لا أكثر!

لما يحدث في العراق، سواء كان تمرّدًا، أو ثورة أو انقلابًا، وأيًا كانت العواطف الإيجابية تجاهه، سيعامله علماء السياسة على أنّه حرب أهليّة، ولا توجد حرب أهليّة تنتهي بدون خلق "طرف ثالث" يتشكل من قوات "عازلة"، وإجراءات مؤقتة، وهدنة (لا تشمل الإرهابيين)، ومن ثم مفاوضات، وانتخابات، ومصفوفة طويلة، تصل لتذويب مكونات الحرب، ولكن هل وجود طرفٍ ثالث أممي يمكنه أن يكون حلاً؟ أم سيبرز دور "قوات من الجامعة العربية بما فيها لبنان وسوريا (ليدخل حزب الله ممثلاً لإيران)".

الإشكاليّة أنّ وقود معارك سوريّا والعراق ليسوا عراقيين فحسب، بل من دول عربيّة شتى، وطموحات المقاتلين هناك قابلة للتصدير، وهو ما يمثل تهديدًا للاستقرار، ولا أحد يستعد أن يخطو خطوة واحدة أيًا كانت قدسيتها، يمكن أن ترتد على استقرار مواطنيه. فداعش موجودة في التفكير، ولها شعبيّة، وتخوض حربًا يمكن لمن أراد متابعتها أن يلقى نظرة في مطبوعات الجهاديين، والحرب هي لكسب التأييد من رجال دين، لا زال بعضهم يُطل عبر الفضائيات، والرسالة هنا واضحة، أنّ الحرب على الإرهاب لم تكن جديّة كفاية، وأنّ ذلك قد يخلق تطرفًا مزدوجًا.

في العام 2007 قال الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية آنذاك "لا شك أن الوضع بالعراق أثّر على المنطقة كلها، ونحن كدولة مجاورة -بلا شك- نتأثر أكثر، وللأسف أصبح العراق الآن متلقيًا لكل من يعمل في الإرهاب؛ لأنه يجد التدريب والمساعدة، وهذا أمر مؤلم، وأصبح الأثر والمشاكل ليس للعراق وحدها؛ لأنه أصبح يصدر هذه الأعمال لبلدان أخرى ومنها المملكة". (جريدة الوطن السعودية: العدد 2452 17 يونيو 2007). وهذا ما جدده مجلس الوزراء السعودي قبل أيام، فقال إنه ضد التأجيج الطائفي، ومع حكومة وفاق وطني، وما زال السؤال: هل يتطوّر الموقف ليصير مطلبًا لاجتماع الجامعة العربيّة؟ إذا كان الجواب نعم، فيجب أن يذهبوا هناك للحل، وليس لإنقاذ طرف، ولكن استعادة خيار سيناريو تجميد العضوية ربما يكون خيارًا صعبًا.

العِراق الذي يتمدد على حضارة بعمر الإنسان، يستطيع أن يتجاوز المِحنة، وما يحتاجه الآن هو رأي سديد، وقلب منصف، ورغبة في وقف النّزيف، وكفٍّ للأيادي عنه، خاصة تلك التي في شرقه وغربه


اشترك في النقاش