صديق العمر .. التكرار للزعيم والبقاء للصورة!

جمال سليمان وباسم سمرة في مشهد من مسلسل صديق العمر

جمال سليمان وباسم سمرة في مشهد من مسلسل صديق العمر

في كل مرة نرى فيها شخصية الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، في السينما، أو الدراما، بصفة عامة، نجد أنفسنا مضطرين لتذكّر الممثل القدير فورست ويتكر، وخصوصا في دوره في فيلم «آخر ملوك أسكوتلندا»، والذي يؤدي فيه شخصية الرئيس الأوغندي عيدي أمين، حيث لا مجال لإدراك الفارق بين فيلم ويتكر، والاعتناء بالتفاصيل، والمقدرة المدهشة على نقل الشخصية بكل أبعادها، وبين طريقة نقل شخصية جمال عبد الناصر، في الدراما التلفزيونية، والتي يفترض أنها تمتلك مساحة زمنية أوفر لنقل مزيد من التفاصيل وعرض جوانب أكثر سردية من داخل وخارج وحول الشخصية.

الآن يتكرر عرض نموذج الرئيس عبد الناصر، عبر مسلسل «صديق العمر»، حيث يتولى الممثل السوري جمال سليمان تأدية دور الزعيم العربي، ولم يلقَ استحسان المتابعين، خصوصا في مصر، أولا، بسبب عدم إجادته للهجة المصرية، وثانيا، لأن المتابعين لم يجدوا شبها بين الممثل والزعيم، وثالثا، لأن العرض جاء بعد عدة أعمال تناولت شخصية الرئيس الراحل، وأشهرها في فيلم «ناصر 56» الذي برع فيه الممثل القدير الراحل أحمد زكي، ثم خالد الصاوي في عام 1998، ولم يكتب له نجاح زكي في عرض الشخصية، مع فارق أن «ناصر 56» تناول مرحلة محددة وصغيرة من حياة الزعيم، ثم الفنان مجدي كامل عام 2006 بأدائه الذي وصفه النقاد بالمبالغة في نقل وأداء الشخصية. ثم الآن، حيث يتكرر الاستسلام لشهرة الشخصية، عبر الظن بأن اشتهارها كفيل بخلق عذر مخفف لو لم تكن الإجادة كاملة، أو مبررة، أو تمتلك جاذبيتها الخاصة، كما بدت ردود الفعل عن دور جمال سليمان وأدائه لشخصية ناصر في «صديق العمر».

في «آخر ملوك أسكوتلندا» للممثل القدير فورست ويتكر، نجد أن المقدرة على رسم التفاصيل والاعتناء بالشخصية، ثم الإحاطة بالظرف الخارجي العام سياسيا واجتماعيا، والغوص بتفاصيل الشخصية المرصودة، عبر الاستفادة من رواية كتبها طبيب عيدي أمين ذاته، ومنها استُوحيَ الفيلم المشار إليه، فخرج عملٌ كبير اسمه «آخر ملوك أسكوتلندا»، ولا يزال محبو السينما يتذكرون عيدي أمين من خلال شخصية الممثل الذي أداها، وهو فورست ويتكر!

البعد الواحد هو الذي يتحكم في إنتاج الأعمال العربية التي تتناول شخصيات شهيرة، كالرئيس جمال عبد الناصر، حيث لا يجري النظر إلى الشخصية إلا من خلال القشرة الخارجية لها، وعبر الصورة المسبقة والمرسومة التي أسهم الوعي السياسي بترسيخها، كما لو أن شخصية الزعيم السياسي، أي زعيم سياسي، هي مجرد بعد واحد وقشرة خارجية مستقلة عن محتواها التاريخي والاجتماعي والعاطفي، بحيث يكون نقل الشخصية في العمل السينمائي أو التلفزيوني مجرد محاولة لا تنتهي لزيادة الصورة النمطية عنها وترسيخها وتكرارها، في نسخ متواصل لنموذج الزعيم بصفته صورة فوتوغرافية ثابتة لا تظهر عليها عوامل الزمن.

نقل الشخصية في الفن لا يختلف جوهريا عن أسس التأريخ التي تفترض منهجية ما بالعرض والسرد. فالشخصية السياسية هي نتاج مؤثرات لا تحصى أوصلتها إلى لحظة تاريخية معينة، ومن هذه المؤثرات الطفولة والثقافة والتربية، وبعض المصادفات التي قد تترك أثرها في تكوين الوعي والملامح. أما التعامل معها بصفتها صورة متتابعة منسوخة من نفس النقطة، يفقد قيمتها الفنية ويحولها إلى نوستالجيا تنشد زمنا ما وثقافة ما وشخوصا معينين لم يكونوا يوما في هذا الشكل الثابت أو تلك النمطية التي باتت لا تحتمل.

وعلى الرغم من سقوط فكرة الزعيم الفرد الأوحد، فإن نزعة تمجيد الأفراد وعزلهم عن سياقهم التاريخي، ما زالت تتحكم بقراءة بعض السينمائيين لهم، وكذلك بعض المثقفين العقائديين الذين يحكمون على الظرف التاريخي وعلى الشخوص التاريخية من خلال الشعار، والشعار فقط؛ إذ يكفي أن تكون تلك الشخصية حاملة لهذا الشعار أو ذاك، لتكون شخصية فريدة ونموذجية تحتذى، فيجري نسخها وتكرار الخوض فيها، وإعادة نقلها، مرة إثر مرة، ولا نجد إلا الصورة الفوتوغرافية ذاتها، تتنقل بين الأحداث. والتمجيد العقائدي القائم على حس طاغٍ بالافتقاد واليتم، يسيطر على العرض. فلا نرى إلا الصورة، ولا نسمع إلا الشعار، ولا نتذكر إلا النموذج. أمّا المشاهدون فيفترضهم العملُ ملتصقين بالشاشة، عيونهم على الزعيم، وآذانهم على صوته، وأصابع أيديهم تمرّر على الجغرافيا العبثية.. للصورة!


اشترك في النقاش