إيران وارتباك الهوية

التوسع الإيراني الخارجي سباحة ضد تيار التاريخ

إيرانيون أكراد يحاولون إنقاذ رجل قبيل إعدامه في مدينة مشهد  (غيتي)

إيرانيون أكراد يحاولون إنقاذ رجل قبيل إعدامه في مدينة مشهد (غيتي)

لندن: محمد علي

•فرض هوية واحدة على أكثر من 20 عرقًا يهدد إيران من الداخل

•هل محاولات إيران التوسعية قفز على المشكلات الداخلية؟

تحت عنوان «أسلوب الحكم في الإسلام» ينص الدستور الإيراني في مقدمته على أنه «لا تبنى الحكومة من وجهة نظر الإسلام على المصالح الطبقية، أو على هيمنة فرد أو مجموعة، بل إنها تجسد التطلعات السياسية لشعب متحد في دينه وتفكيره». وفي دولة يستعصي إحصاء الأعراق والديانات والقوميات والتيارات السياسية والاجتماعية فيها، يعد هذا التأسيس في الدستور الإيراني دعوى أكثر منها «تأطيرًا» لواقع، فنادرًا ما توجد دولة على امتداد المعمورة أحادية العرق والدين والمذهب، وذلك راجع إلى الحركة التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية دائمة التفاعل على كل المستويات.

وفي هذا الجانب، تعد إيران من أبرز النماذج على مستوى العالم تعددًا عرقيًا ودينيًا ومذهبيًا، يجعلها كذلك طبيعتُها الجغرافية وحقيقة أنها معبر بارز من أهم معابر حركة التاريخ.

وبالتالي حين يقدم الدستور الإيراني مفهومه للحكومة على أنها «تجسد التطلعات السياسية لشعب متحد في دينه وتفكيره»، يصبح هذا المفهوم مجرد دعوى، يتوجب وضعها على محك الاختبار عبر الواقع الحقيقي لهذه المنطقة المائجة بأعراق وديانات ومذاهب وتيارات بالغة التعدد والتعقيد، إضافة إلى أن الدولة - أي دولة - لا تبنى على فرض «شعب متحد في دينه وتفكيره» وعرقه، لأن فكرة وجود هذا الشعب تبدو محض خيال.

يؤيد اختبار هذه الدعوى حقيقة أن إيران وعلى مدار تاريخها كانت محط هجرات اجتماعية وغزوات عسكرية لا تكاد تتوقف.

تمتد إيران على مساحة جغرافية شاسعة تزيد على المليون ونصف المليون كيلومتر مربع، وهذا يجعلها العاشرة من حيث المساحة عالميًا، ويحدها من الشرق أفغانستان وباكستان، ومن الغرب العراق، ومن الشمال الغربي تركيا، ومن الشمال تركمانستان وأذربيجان وأرمينيا وبحر قزوين، ومن الجنوب الخليج العربي وخليج عمان.

هذا جعلها ملتقى مساحة واسعة من العالم؛ شرق آسيا وغربها وشمالها وجنوبها، وهي كذلك لها حدود مع أوروبا، باعتبار حدودها مع تركيا. هذه الحقيقة الجغرافية بكل استدعاءاتها تجعل من الصعوبة بمكان ضمان نقاء وأحادية شعوب هذه الدولة عرقيًا، وبالتالي ثقافيًا ودينيًا وفكريًا.

يذكر آرنولد إبراهيميان في كتابه «تاريخ إيران الحديثة» أن إيران تضم ما يزيد على 20 عرقًا، وعددًا كبيرًا من الديانات والمذاهب والثقافات واللغات. وهو إحصاء يمكن القول معه، بكثير من الارتياح، إنه تعدد يعتبر من الأكبر ضمن حدود أي دولة.

هذه الأعراق مجتمعة تمثل نحو نصف عدد السكان، والنصف الآخر تمثله القومية الفارسية (حسب أغلب التقديرات القابلة للمراجعة والنقاش). وبنظرة سريعة على القوميات والديانات واللغات، يتضح مدى ما تموج به إيران من تنوع لا تلغيه قسريات الدساتير.

ضحايا مذبحة 1988 في إيران (غيتي)

ضحايا مذبحة 1988 في إيران (غيتي)




القوميات

الفارسية، الكردية، العربية، الأذرية، البلوشية، التركمانية، الطاجيكية، الأفغانية، الهزارة، القراباخية، البختيارية، القشقائية، اللر، البويرأحمدية، الممسنية، الأفشارية، الشهسوانية، التيمورية، القره داغية، الباصرية، الجمشيدية. إضافة إلى قبائل أقل عددًا، مثل: القاجاريون، والبياتون، والقره غوزلو، والباهارلويون، والإيمانوليون، والنفاريون، والكامتشيون، والمقادمادون، والجافنشريون، والشاككايون.

اللغات

الفارسية، والأذرية، والتركمانية، والبلوشية، والعربية، والمازندرانية، والغيليكية، والطوالشية، والتاتية.

الديانات

الإسلام: يتكون المسلمون في إيران من الشيعة، والسنّة الذين يتوزعون على: الأكراد، ويعيشون بصفة غالبة في شمال غربي إيران. والبلوش ويقطنون جنوب شرقي إيران. والتركمان ويوجدون في شمال غربي إيران، والعرب في جنوب غربي البلاد.

المسيحية: وأتباعها ينقسمون بين الأرمن الذين يقطنون طهران وأصفهان وأذربيجان الغربية، والآشوريين الذين يقطنون حول بحيرة أرومية.

اليهودية: يتركز أتباعها في أصفهان، ويزد، وشيراز، وطهران، وهمدان.

الزرادشتية: يعيش معتنقوها في طهران وكرمان وأصفهان وهمدان.

البهائية: تعد الدولة الإيرانية البهائيين تهديدًا مميتًا.

وتعترف إيران باليهودية والمسيحية، وتعد أتباعهما أهل كتاب شرعيين لهم كتبهم المقدسة وقياداتهم الدينية ومنظماتهم ومدارسهم وأماكن عبادتهم.

وتتفاوت هذه القوميات والديانات واللغات في حجم تمثيلها داخل إيران، ففي حين تحتل القومية الفارسية نحو نصف عدد السكان، فإن بقية القوميات تكوّن مجتمعة نحو النصف الآخر، وكان من المفترض أن يؤدي هذا إلى الاندماج والتعايش، لكن واقع تهميش الأعراق ذات العدد الأقل، أدى إلى نوع من القلق الاجتماعي، كانت له عدة بروزات في التاريخ الإيراني الوسيط والحديث.

يقول إبراهيميان: «ليست الهوية الوطنية (الإيرانية) في موضع المساءلة سوى في المناطق الهامشية السنيّة التي يقطنها الأكراد والتركمان والبلوش»، وكذلك الأمر بالنسبة للعرب، وحتى الأذريين.

الأذريون

تشكل القومية الأذرية 24% من عدد السكان، وهي متمركزة في أذربيجان إيران، ولغتها مشتقة من اللغة التركية، وتعد تبريز العاصمة الإقليمية لها. والأذريون في أغلبهم على المذهب الشيعي، لكن تهميش الأقليات أدى إلى مطالبات أذرية بالاستقلال، أدت إلى تكوين حكومة مستقلة في 12 ديسمبر (كانون الأول) 1945، لكنها لم تعمر طويلاً، فقد أسقطها الجيش الإيراني بعد عام واحد في 25 ديسمبر 1946، ولم يشفع للأذريين أنهم أول من ساند ثورة الخميني، وأن لهم نفوذًا وثقلاً سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا ودينيًا واقتصاديًا، حتى ظهرت طموحات أذرية للانفصال عن إيران والانضمام إلى أذربيجان مع حقبة انفصال جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة في أوائل تسعينات القرن الماضي.

الكرد

يمثل الكرد ما نسبته 7% من عدد السكان، مع تشكك في هذه النسبة لناحية عدم تعبيرها تعبيرًا حقيقيًا عن كتلة بشرية لها وجود تاريخي ممتد وبارز في هذه المنطقة، وهم موجودون في محافظات كردستان وكرمانشاه وإيلام. وهم مسلمون، غالبيتهم سنّة على المذهب الشافعي، وتوجد قلة غير مسلمة في ضواحي كرمانشاه.

سعى الأكراد لتكوين دولتهم المستقلة، وقاموا بثورات ضد محاولات تهميشهم وإلغائهم؛ ومنها ثورة الزعيم إسماعيل آغا سيمكو بين عامي 1920 و1925، حتى تحقق أمر الدولة في جمهورية «مهاباد» في 22 يناير (كانون الثاني) 1946، بفعل الظروف الدولية المواتية آنذاك. ولكن رغم تحقق الحلم الكردي، فإن التحالف السياسي الإيراني - الأميركي، أدى إلى وأد الدولة الكردية الوليدة.

وأيضًا رغم أن الأكراد أيدوا ثورة الخميني وكان لهم دور كبير فيها بدافع السياسة، كما قال الزعيم الكردي عز الدين الحسيني، فإن الثورة، كما يقال، أكلت أبناءها، فلم يكن نصيب الأكراد إلا الحرمان من المناصب السياسية والإدارية العليا حتى في محافظاتهم، ومنع تكوين الأحزاب، ومنع الدراسة باللغة الكردية، والتضييق على الجامعات، حتى المصنفات الأدبية لم تسلم، فلا تصدر إلا تحت إشراف المخابرات الإيرانية. وبصفة عامة، انعدمت التنمية تقريبًا في المحافظات الكردية، ولم يستثن من الوصول إلى المناصب العليا في محافظاتهم إلا الأكراد الشيعة. وقد تراوح الأمر أخيرًا بين التضييق والانفراج قليلاً، حسب السياسة الخارجية ومحاولة تهدئة الجبهة الداخلية، فما حدث من انفراج بسيط في فترة حكم محمد خاتمي، آل إلى انتكاسة في عهد أحمدي نجاد، ومع مجيء روحاني «الإصلاحي»، ازدادت الإعدامات في صفوف الأكراد.

مظاهرة لمعارضين إيرانيين في لندن يطالبون تيريزا ماي بالتدخل لوقف أحكام الإعدام في إيران (غيتي)

مظاهرة لمعارضين إيرانيين في لندن يطالبون تيريزا ماي بالتدخل لوقف أحكام الإعدام في إيران (غيتي)

العرب

يمثل العرب ما نسبته 4% من السكان، ويقيم العرب داخل إيران في المنطقة المعروفة تاريخيًا باسم «الأحواز»، التي غيرت الدولة الصفوية اسمها إلى «عربستان» بمنطق القوة.

تمتد الأحواز على مساحة 348 ألف كيلومتر مربع، بما يعادل أكثر من 20% من مساحة إيران، وبها نحو 24 مدينة كبيرة، و3 آلاف قرية. ويمتد الوجود العربي بها إلى أكثر من 5 آلاف عام، ومعظمهم تعود أصولهم إلى اليمن والجزيرة العربية، حتى إن قبائل عربية، مثل عنزة وبني تميم وشمر ومطير وعتيبة وظفير.. وكثير غيرها، لها امتدادات هناك، ولها شيوخ وأمراء يحكمونهم.

ظلت الأحواز دولة مستقلة حتى عام 1925، حين دخلها الإيرانيون بمساعدة البريطانيين للاستيلاء على النفط الذي ظهر فيها بقوة، ولتكون منفذًا للإيرانيين على الخليج العربي.

بدافع من شعارات ثورة الخميني حول العدل والمساواة، فقد ساندها بعض الأحوازيين أملاً في تحقيق العدل والمساواة والتنمية، لكن العرب تعرضوا لمجزرة عام 1979 في المحمرة وعبادان عقب قيام ثورة الخميني.

عانى العرب، مثل غيرهم، بعد الثورة من التهميش والتضييق وحتى القمع، فجرى حظر التعليم باللغة العربية، ومنع التحدث بها في البرلمان والمحاكم، ومصادرة كل الكتب العربية، وتغيير الأسماء العربية بالقوة، ومن يمتنع، لا تصدر له وثائق رسمية، ووصل الأمر إلى فرض الحكم العسكري في الأحواز، والحرمان من حق تقرير المصير، والتضييق على الصحافة، وانعدام التنمية، حتى أصبحت الأحواز العربية الأعلى في نسبة الفقر والبطالة، رغم ما تنام عليه المنطقة من موارد طبيعية، وأنها منفذ إيران على العالم، فاحتياطياتها من النفط يمثل 85.5 من النسبة الإجمالية الإيرانية، ومن الغاز أكثر من 90%، وتنتج نحو 74% من الطاقة الكهربائية في إيران، وأكثر من 50% من القمح، و40% من الحبوب عامة، وأكثر من 90% من التمر.

وتعمل السلطة في إيران على التهجير القسري لسكان الأحواز العرب، لتغيير التركيبة الديموغرافية بها، مما أدى إلى قلاقل واسعة وعدة انتفاضات، مثل انتفاضة عام 2005 التي راح ضحيتها ما يزيد على 3 آلاف مواطن أحوازي، إضافة إلى عشرات الآلاف من المصابين.

ورغم تناوب المحافظين والإصلاحيين على السلطة في إيران، فإن من العوامل المشتركة بينهما، الموقف تجاه قضية الأحواز التي تبقى الأكثر تعرضًا للتشديد والقمع، من قبل السلطة.

البلوش

يقطن البلوش جنوب شرقي إيران، وهم مزيج عرقي من عدة شعوب، ويمثلون نحو 3% من السكان، وهم مسلمون على المذهب الحنفي، ولهم امتدادات كبيرة في باكستان وأفغانستان، ولغتهم تنتمي إلى مجموعة اللغات الهندوأوروبية، وكانت لهم دولة مستقلة حتى قسمها البريطانيون عام 1839 إلى ثلاثة أجزاء بين إيران وباكستان وأفغانستان.

تعرضت القومية البلوشية لتضييق شديد، فبعد نضال كبير في النصف الأول من القرن الماضي، وبعض الانتفاضات المسلحة، وصل الأمر بالسلطة إلى منع الموسيقى البلوشية، مع منع الأسماء والتعليم باللغة البلوشية، حتى تراجعت نسبة تعليم البلوش بشكل كبير، فلم يلتحق بالتعليم الجامعي أكثر من ألفي طالب بلوشي، من أصل أكثر من 4 ملايين طالب جامعي إيراني، وحرم البلوش من المناصب حتى داخل مناطقهم، فالطاقم الأمني والإداري كله بلا استثناء من خارج الإقليم، ورغم أن الإقليم من أغنى الأقاليم بالنفط والذهب والغاز واليورانيوم والنحاس، فإن التنمية فيه تكاد تنعدم، مع بطالة كبيرة وفقر شديد. كل هذا كان طبيعيًا أن ينتج حركات تدعو إلى المساواة والتنمية والحرية السياسية والدينية، مثل حركة عبد الملك ريغي البلوشي، التي عملت على الدفاع عن حقوق البلوش، وطالبت بالتعاطي مع الحركة بصفتها حزبًا سياسيًا، إلا أن مطالبه قوبلت من قبل السلطة بالقمع الشديد، حتى تم اعتقاله وإعدامه في 20/ 2/ 2010.

الصراع الإيراني الداخلي

يقول علم صالح وجيمس وارل في بحثهما الرصين «بين دارا والخميني.. استكشاف إشكالية الهوية القومية في إيران»: «لم تكن الهوية الإيرانية أبدًا متجانسة، بل كانت دائمًا متنافرة في العديد من اللحظات التاريخية الخاصة، على نحو أدى إلى تحولات حادة؛ ليس فقط في مفاهيم النظام، ولكن أيضًا في مفاهيم الهوية الوطنية». وهي مقولة يؤيدها التاريخ الإيراني القديم، والحديث كذلك. ففي نهاية حقبة الدولة القاجارية، تطلع الإيرانيون إلى حياة دستورية عادلة تعيش في كنفها جميع القوميات، إلا أن حقبة الشاهات التي بدأت عام 1925 بمجيء رضا بهلوي، خيبت تلك الآمال والتطلعات، فقد تبنى الشاه خطابًا قوميًا قائمًا على تمجيد اللغة والثقافة والتاريخ الفارسي، وعمد إلى استدعاء التاريخ الفارسي ما قبل الإسلام، مع تبني مشاعر وخطاب معاد للإسلام؛ بل والآخر غير الفارسي.

في المقابل، ظهر التيار الديني الذي تبنى هو الآخر خطابًا ظاهريًا مغرقًا في معاداة الخطاب القومي، وفي حين عمل الشاهات على الأخذ بالدولة بعيدًا عن كل ما هو إسلامي وغير فارسي، عمل الملالي – ربما بتأثير نظرية الفعل وردّ الفعل – على أخذ الدولة بعيدًا عن كل ما هو قومي، بل والخروج ناحية العالمية من باب الإسلام.

وبمرور الوقت، بدأ الخطاب المتسامح مع الأقليات والتيارات الفكرية المختلفة، في التراجع، واتجهت الثورة الخمينية للإعدامات بالجملة في صفوف من كانوا مؤيدين لها، لمجرد ظهور بوادر اختلاف في التوجه الفكري، فأعدمت الثورة ما يقرب من 10 آلاف مواطن، خصوصا بين الأكراد والعرب، وازدادت الاعتقالات بين اليساريين والعلمانيين، وحتى في صفوف رجال الدين، وتم تجريد أمثال شريعتي من رتبته الدينية لمجرد اختلاف في الرؤى مع بعض التوجهات الخمينية. كما فرضت اللغة الفارسية على الأذريين والأكراد والغيليكيين والمازندرانيين.

في ظل هذه الأوضاع السياسية والدينية والاجتماعية والفكرية المعقدة في إيران، يظهر مدى ما يموج به الداخل الإيراني من صراعات على كل المستويات، ويبقى السؤال مطروحًا حول دعوى أن الحكومة في إيران «تجسد التطلعات السياسية لشعب متحد في دينه وتفكيره»، وهل الأمر حقيقة واقعية أم مجرد طموح، مما يقود إلى التساؤل التالي: هل يمكن اعتبار أن التوسعات الإيرانية الخارجية، بكل مستوياتها، قفزًا على مشكلاتها الداخلية؟

* محمد علي باحث في الشأن الإيراني