التأمين الصحي السعودي: ما الذي تغير مؤخراً ولماذا؟

قسم الوراثة في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض (غيتي)

قسم الوراثة في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض (غيتي)

جدة: معتصم الفلو

* حامل وثيقة (بوليصة) التأمين يحظى الآن بتغطية ومزايا أكثر شمولاً من ذي قبل.

* يصل العدد الإجمالي للمؤمن لهم إلى نحو 12 مليون شخص، تخدمهم 27 شركة تأمين صحي، تشملهم «الوثيقة الموحدة» للتأمين الصحي.

* التأمين الصحي في المملكة العربية السعودية يقطع أشواطاً جديدة في سبيل تطوير مستوى الخدمات الصحية المقدمة وتحسين المنافع كلما دعت الحاجة.

ابتداءً من مطلع يوليو (تموز) الماضي، بدأت شركات التأمين الصحي في السعودية بتطبيق حزمة من المنافع التأمينية الإضافية والإلزامية للمستفيدين النهائيين، لوثائق التأمين الجديدة أو المجددة في التاريخ المذكور وما بعده، وذلك تطبيقاً لما يسمى «الوثيقة الموحدة» للتأمين الصحي الصادرة عن مجلس الضمان الصحي التعاوني، الذي يؤدي دور الهيئة الناظمة لقطاع التأمين الصحي السعودي ككل.

وجاءت الحزمة الجديدة من التعديلات غير المسبوقة؛ لتضيف مزيداً من المنافع التأمينية، أي إن حامل وثيقة (بوليصة) التأمين يحظى الآن بتغطية ومزايا أكثر شمولاً من ذي قبل، فيما نالت رعاية المواليد والطفولة نصيباً معتبراً من المنافع.

من جانب آخر، رتبت المنافع الجديدة المزيد من العبء المالي على مقدمي الخدمة، أي شركات التأمين الصحي، لمواكبتها، فمقدم الخدمة هو من سيدفع تكاليف العلاج للمنشآت الصحية، التي يعالج فيها المؤمن له.

فماذا يقول مجلس الضمان في تصريحات حصرية لـ«المجلة» في هذا الجانب وغيره؟ ولماذا أتت التعديلات في هذا الوقت بالذات؟ وماذا ينتظر من يرفض تقديم المزايا الجديدة؟ وكيف تصرفت شركات التأمين مع عملائها؟ والسؤال الأهم هو: ماهي تلك المنافع الجديدة التي أضيفت مؤخراً؟

ياسر المعارك، المتحدث الرسمي باسم مجلس الضمان الصحي التعاوني

ياسر المعارك، المتحدث الرسمي باسم مجلس الضمان الصحي التعاوني

منافع إضافية لأول مرة

تمتاز السعودية بنظام تأميني ناجح إلى حد كبير عندما يتعلق الأمر بالفئات المشمولة بتغطية التأمين الصحي، مثل جميع العاملين في القطاع الخاص وعائلاتهم كلها، سواء كانوا من السعوديين أو المقيمين، بلا استثناء، ويضاف إليهم الشركات ذات الملكية الحكومية، سواء كانت مدرجة في سوق الأسهم مثل «سابك» أو الاتصالات السعودية أو غير المدرجة مثل أرامكو السعودية، إلى جانب الهيئات الحكومية وشبه الحكومية مثل الطيران المدني.

ويصل العدد الإجمالي للمؤمن لهم إلى نحو 12 مليون شخص، تخدمهم 27 شركة تأمين صحي، تشملهم «الوثيقة الموحدة» للتأمين الصحي، التي تتضمن لائحتها التنفيذية قيام صاحب العمل بإبرام وثيقة تأمين صحي واحدة تشمل جميع العاملين لديه وأفراد أسرهم المشمولين بنظام الضمان الصحي التعاوني. وتلزم الوثيقة الموحدة شركات التأمين الصحي بحد أدنى من الخدمات والمنافع التأمينية التي لا يمكن لأي شركة تأمين أن تقدم خدمات ومزايا أقل مما تنص عليه تلك الوثيقة. هذا الحد الأدنى هو الذي حلت عليه إضافات جوهرية وعميقة.

ويمكن تقسيم المنافع الجديدة إلى جزأين:

أولاً: التعديلات برفع حد التغطية التأمينية. وشمل ذلك زيادة حد التغطية لحالات تلف صمام القلب إلى 150 ألف ريال (40 ألف دولار) عوضاً عن 70 ألف ريال (18666 دولاراً) سابقاً، وكذلك رفع سقف التغطية للمصابين بالتوحد إلى 50 ألف ريال (13333 دولاراً).

ثانياً: الإضافات الجديدة، وهنا حظيت رعاية المواليد والأطفال باهتمام خاص، حيث أدخل ضمن التغطية كل من تشوهات القلب الخلقية الحرجة وحليب الأطفال الخاص للمحتاجين إليه طبيا لـ24 شهراً، إلى جانب تحصينات فيروس الالتهاب التنفسي الخلوي والفحص المبكر للإعاقة السمعية وإلحاق المولود الجديد بوثيقة تأمين الأم حتى 30 يوماً من تاريخ الولادة كحد أقصى.

كما دخل علاج الصدفية والعزل الطبي والحالات النفسية الحادة وغير الحادة، إلى جانب عمليات تكميم المعدة للمرة الأولى.

أما من جانب المستفيد النهائي، فقد جرى تعديل نسبة التحمل أو نسبة المساهمة أو نسبة الاستقطاع، وكلها تسميات للمبلغ الذي يدفعه حامل البوليصة عند تلقيه العلاج لدى المنشآت الصحية أو ثمن الدواء، وهو بين 0 في المائة - 20 في المائة، حيث يصل الحد الأعلى لنسبة التحمل إلى 75 ريالا (20 دولاراً) أو 100 ريال (26 دولاراً) أو 300 ريال (80 دولاراً)، وجميعها لا تتجاوز 20 في المائة من قيمة التشخيص والعلاج والدواء. وتختلف قيمة نسبة التحمل بحسب نوع المنشأة الصحية التي يتم تلقي العلاج فيها.

أسباب التغيير والانعكاسات

يشرح المتحدث الرسمي لمجلس الضمان الصحي التعاوني، ياسر المعارك، في حديث خاص لـ«المجلة» أسباب وتوقيت التغييرات الأخيرة بقوله: «جرت العادة أن يقوم المجلس بمراجعة وتقييم الوثيقة الموحدة للضمان الصحي التعاوني كل 3 سنوات تقريباً، بهدف تطويرها ومواكبة المستجدات الصحية، بحيث يتم تعديلها بناءً على ما يرد للمجلس من ملاحظات وشكاوى وطلبات ومقترحات من كافة الجهات ذات العلاقة، ولتكون حال إقرارها ضمن تغطيات الوثيقة الموحدة للضمان الصحي التعاوني».

ويضيف: «من ضمن المراجعات أيضاً مدى كفاية المنافع الموجودة ومناسبة حد المنفعة الأقصى لكل مؤمن له، وكذلك الحدود الفرعية لتغطية بعض المنافع. وعند إضافة أي منفعة جديدة، يؤخذ في الاعتبار مدى أهميتها واحتياجها مع عدم إغفال مدى تكلفتها الإضافية على قيمة القسط التأميني السنوي».

وفي سياق متصل، أخبرت مصادر وثيقة الصلة بقطاع التأمين الصحي «المجلة» بأن الشركات المزودة للخدمات بدأت بمخاطبة عملائها من الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر قبل أشهر من تطبيق المنافع الجديدة، بأن تطبيق تغييرات مجلس الضمان الأخيرة الأقساط التأمينية الجديدة سيصاحبه ارتفاع في الأقساط التأمينية بنسب تتراوح بين 3 في المائة - 7 في المائة على وجه التقريب، لا التحديد.

ويعني ذلك بلغة المال والأعمال أن أصحاب العمل سيتحملون زيادة في تكاليف تشغيل الأعمال عبر زيادة أسعار وثائق (بوليصات) التأمين الصحي لموظفيها وعائلاتهم، فيما ستتحمل شركات التأمين أعباء تقديم المنافع الجديدة في حال احتاج إليها المؤمن له. فهل كان قرار إضافة المنافع صادراً عن المجلس فقط أم جرت نقاشات في الأمر حول التداعيات المالية مع الأطراف المنخرطة في صناعة التأمين الصحي؟

التوافق وآلية تعديل المنافع

لا يتخذ مجلس الضمان الصحي قرارات على هذا المستوى من الأهمية وحده دون نقاشات ومباحثات طويلة، فإضافة المنافع لم تسقط من الأعلى إلى الأسفل. يشرح المعارك آلية اتخاذ القرار الأخير ومعالجة تداعياته بقوله: «بنفس المنهجية المتبعة فيما يخص المراجعة والتعديل في الأمانة العامة، يعتبر شركاء المجلس - كشركات التأمين ومقدمي الخدمة الطبية وكذلك مجالس الغرف التجارية كممثلين عن أصحاب العمل - شركاء حقيقيين. لهذا، لا نقوم بأي تعديل إلا بعد عقد اجتماعات وورش عمل معهم بغرض الدراسة المتكاملة؛ بما فيها الأثر المالي على إضافة أي منفعة أو أي تعديل على الوثيقة، لهذا فما تم طرحه هو حصيلة هذه الاجتماعات وورش العمل ولا شك أن أحد أهم هذه العناصر في أي دراسة نقوم بها على مستوى تعديل أو إضافة للوثيقة مدى مناسبة التعديل من ناحية الأثر المالي وحجمه؛ لما لذلك من أثر إيجابي على استمرارية وديمومة التأمين الصحي وصناعته والقائمين عليه».

إنفوغراف يشرح التعديلات والإضافات والمنافع الجديدة للوثيقة الموحدة للتأمين الصحي (المصدر: صفحات التواصل الموثقة والتابعة لمجلس الضمان الصحي)

إنفوغراف يشرح التعديلات والإضافات والمنافع الجديدة للوثيقة الموحدة للتأمين الصحي (المصدر: صفحات التواصل الموثقة والتابعة لمجلس الضمان الصحي)

ولكن ماذا عن تسعير وثائق (بوالص) التأمين؟ هل يتدخل المجلس في آلية التسعير ووضع سقوف عليا أو دنيا؟ يجيب المتحدث الرسمي: «لا يتدخل المجلس في آليات التسعير حالياً؛ باعتبار أن الأسعار متروكة للسوق والعرض والطلب والتنافس بين شركات التأمين، إذ قام المجلس بتأهيل عدد (27) شركة ليكون التنافس هو المحرك في معقولية وتوازن الأسعار. لكننا كمراقب على التأمين الصحي، نسعى لأن تكون الأسعار بشكل عام معقولة، ويهمنا بالدرجة الأولى أن يكون تأميناً صحياً حقيقياً قابلاً للتطبيق والتنفيذ».

ويستفيض في شرح ضوابط التسعير المعمول بها في المجلس والمفروض على شركات التأمين اتباعها، قائلاً: «لا يفوتنا الإشارة فيما يخص هذا الشأن هنا إلى ما ذكر في المادة (36) من اللائحة التنفيذية لنظام الضمان الصحي التعاوني والتي تنص على الأتي:

أ. يتم تحديد قسط التأمين الصحي بالاتفاق بين شركة التأمين وصاحب العمل.

ب. يجب على شركة التأمين عند تحديد قيمة قسط التأمين الصحي الالتزام بما يلي:

1- أن تكون الأسعار متوافقة مع معدلات أسعار سوق التأمين الصحي.

2- أن لا يؤدي سعر الوثيقة إلى هبوط أو زيادة أسعار منتجات الشركة المعتمدة من المؤسسة.

3- يجب أن تكون قيمة الوثيقة مبررة فنياً وترتكز إلى أسس موضوعية، وأن لا تقل قيمتها بأي حال من الأحوال عن التكلفة الحقيقية للوثيقة وما ترتبه من نفقات علاجية معتادة أو محتملة.

4- لا يجوز للشركة الاعتماد فقط كأساس لتحديد قيمة قسط وثيقة التأمين الصحي على الأسعار التي تطبقها الشركات الأخرى.

ج. يكون الحد الأقصى لمنفعة الوثيقة لكل مستفيد (500) ألف ريال سعودي فقط».

خشية التلكؤ

يستبعد ياسر المعارك حصول حالات تهرب أو تلكؤ في تطبيق المنافع الجديدة من جانب شركات التأمين لأن التطبيق قد يؤثر على تكاليفها التشغيلية ويزيد من فواتير الاستشفاء، ويشرح ذلك: «ليس من الوارد عدم تطبيق الوثيقة في موعدها على أي من المؤمن له، ولهذا تم التعميم مسبقاً وبوقت كافٍ على جميع شركات التأمين الصحي المؤهلة حول آلية تطبيق الوثيقة الموحدة الجديدة وملحقاتها على النحو التالي:

أ. تطبق (المنافع الجديدة) على وثائق التأمين الصحي الجديدة- أو المجددة اعتباراً من 01-07-2018.

ب. الوثائق المبرمة قبل 01-07-2018 يسري العمل عليها بموجب الوثيقة السابقة (المعتمدة بموجب القرار الوزاري رقم (9-35-1-ض) وتاريخ 13-04-1435هـ لحين انتهاء سريان تلك الوثائق.

ج. لا يحق لشركات التأمين إلغاء وثائق التأمين الصحي قبل انتهاء مدتها ومن ثم إعادة إصدارها قبل 01-07-2018 إلا في الحالات التي حددها النظام.

د. تطبق على جميع وثائق التأمين الصحي اعتباراً من 01-07-2019 ولن يقبل العمل بالوثيقة السابقة نهائياً».

وصحيح أن إضافات المنافع وتعديلها جرى بالتوافق مع جميع الأطراف المعنية وأن المتحدث الرسمي يستبعد التلكؤ، إلا أنه في حال وجود شكاوى حول أي تأخير للتطبيق الفوري أو مخالفة للقواعد، فإن مجلس الضمان يتيح للمتضررين رفع الصوت عالياً، ويشرح المعارك طرق تقديم الشكاوى، قائلاً إن «المجلس ممثلاً في الأمانة العامة يرحب باستقبال شكاوى وملاحظات واستفسارات المؤمن لهم عن طريق قنوات الاتصال الخاصة بالمجلس مثل الرقم الموحد: 920001177 والبوابة الإلكترونية www.cchi.gov.sa والبريد الإلكتروني[email protected] وتطبيق الهواتف الذكية لمجلس الضمان الصحي، إضافة إلى قنوات التواصل الاجتماعي («تويتر»، و«فيسبوك»، و«لنكدإن») على الصفحات الرسمية للمجلس cchiksa».

وهكذا، لن تتمكن أي شركة تأمين من التلاعب لأن المنافع الجديدة هي حق مكتسب للمؤمن له بحكم القوانين السعودية السارية ولا يجوز الإخلال أو التلاعب بها تحت طائلة التعرض للعقوبات.

أطراف آخرون

لا يقتصر تأثير تطبيق المنافع الجديدة على شركات التأمين أو المستفيدين النهائيين، فحتى المنشآت الصحية من مستشفيات وعيادات ومراكز صحية وصيدليات، يتوجب عليها تهيئة نفسها لقبول الحالات الجديدة والاستعداد لتقديم الخدمات الصحية والعلاجية وتعديل أنظمة الفوترة والمطالبات لتواكب الإضافات والتعديلات.

هل المنافع قابلة لإعادة النظر؟

عند طرح سؤال على المتحدث الرسمي حول ما إذا كانت المنافع الجديدة قابلة للتقييم والمراجعة أم أنها نهائية لا رجعة عنها، يوضح: «كما ذكرنا سابقاً المراجعة الدورية لكل لوائح وتنظيمات وتعليمات المجلس هي أساس من أسس عملنا في المجلس وبشكل تلقائي. ويتم التعديل بشكل دوري، ولكن هذا لا يمنع في حال وجود إضافة أو تعديل جذري ليكون هدفها إضافة مزيد من التطوير أو التنظيم، أن تكون خلال فترة سريان الوثيقة لأخذنا في الاعتبار بدء سريان أي تعديل منعاً لأي إرباك».

وهكذا نجد أن التأمين الصحي في المملكة العربية السعودية يقطع أشواطاً جديدة في سبيل تطوير مستوى الخدمات الصحية المقدمة وتحسين المنافع كلما دعت الحاجة بالتوافق مع الشركاء مع التركيز على تلبية المزيد من احتياجات المستفيدين النهائيين، الأمر الذي يحسن من جودة الحياة للمواطنين والمقيمين على أرض المملكة، وهو بلا شك على سلم أولويات رؤية 2030.