مصطفى العقاد همس في أذني: «ياسر.. أبوك خرب بيتي»

الفنان ياسر ماهر يحكي أسراراً تنشر للمرة الأولى عن والده محمد علي ماهر رائد القصص الديني في الدراما العربية

* سكن لفترة في حي طولون بالسيدة زينب، وشاركه الغرفة الطالب الأزهري أحمد حسن الباقوري الذي أصبح وزيراً للأوقاف في عهد جمال عبد الناصر

* قام بتهريب أنور السادات، من مستشفى القصر العينى وتولى زكريا الحجاوي إخفاءه معززا مكرما وليس هاربا مشردا كما كان يحلو للسادات أن يردد

* شارك في جريدة «الجمهورية»من العدد الأول، وهو أحد روادها ومؤسسيها، وكان له باب ثابت هو«قبلي وبحري»بسببه جاب مصر يستطلع هموم الناس واهتماماتهم

* فتحت إذاعة «صوت العرب»أبوابها للفنانين الوطنيين، فكان محمد علي ماهر من روادها ومؤسسيها، وقدم لها أول أعمالها الدرامية، مسلسل «جنة ونار»وكان يقدمه بصوته الشيخ محمد محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر

* سألت الوزير سامي شرف: لماذا لم يتم تصعيد محمد علي ماهر؟ فسألني بدوره: ولماذا لم يتم تصعيد أحمد بهاء الدين؟ وأردف: «يخربوها، واحد سيحول مكتبه لخلية شيوعية (بهاء) والثاني سيحول مكتبه إلى تكية صوفية (ماهر)

* توقفت حلقات«في نور الأسماء الحسنى»في يونيو 67 عند اسم الله الخافض، فانزعج محمد علي ماهر، جدا، وقال للمسؤولين آنذاك: «لا تتوقفوا عند الخافض فهذا خطير جدا فالاسم له تجلياته»

* بعد وفاة جمال عبد الناصر توقف إنتاج محمد علي ماهر، وبدأت عملية الحصار الشديد له، ولأنه يعرف السادات جيدا آثر الابتعاد واكتملت العزلة بحرمانه من الكتابة في «الجمهورية»

* في بيروت عكف محمد علي ماهر على كتابة موسوعة ضخمة بعنوان «ملحمة الوجود العربي»بدعم من الرئيس الليبي معمر القذافي وهرب تاركا ما أنجزه عندما طالبوه بتمجيد الزعيم الليبي

* استمع هاري كريج لملاحظاته في أول لقاء بينهما، وأغلق سيناريو فيلم «الرسالة»، وقال قولته الشهيرة: «الآن علينا أن نبدأ من البداية»،وحمل البالطو الخاص به وألبسه لمحمد علي ماهر

* مصطفى العقاد همس في أذني أثناء العرض الخاص للفيلم بأكاديمية الفنون بالقاهرة قائلا: «ياسر، أبوك خرب بيتي».

* قال عن أنتوني كوين: لو لقي ربه صادقا بأدائه لدور حمزة بن عبد المطلب وعمر المختار لكفى

* كان أطباؤه يطالبونه بالراحة في مرض الموت فكان يقول: «كل مخلوق عليه أن يقوم بما عليه حتى النهاية، فأنا أعمل والمرض أيضاً يعمل، كل واحد يشوف شغله».

* كثير من تراث الوالد ما زال يذاع حتى الآن، خاصة «في نور أسماء الله الحسنى»، و«أحسن القصص»، وهناك ترتيبات لجمع تراثه الصحافي في جريدة «الجمهورية»

القاهرة: عند مثل هذه الشخصيات يمكن التوقف طويلا لتأمل طبيعة الشخصية المصرية والعربية والاقتراب من حرية التدين السمح دون التقيد بصرامة الحدود وقسوتها أحيانا.. 

في طريق هذه الشخصيات يمكنك أن تلتقي بالمخلصين الذين تقوم حياة الناس ومعارفهم على ما تركوه.. هنا يقابلك المخلصون جدا من أمثال زكريا الحجاوي وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور جنبا إلى جنب محمود شلتوت والنقشبندي وسعد مكاوي في مشهد يسميه محمد علي ماهر «لقاء النهايات»، حيث لا تنافر ولا اختلاف في باطن المشهد رغم ما يبدو للوهلة الأولى من اختلاف ظاهري..

مع مثل هذه الشخصية التي نحاول تقليب تاريخها تتجاور السينما العالمية مع القصص الديني مع الخبرة الشعبية العربية في تناغم سلس لا يشعرك بأي نغمة نشاز..

مع الفنان ياسر ماهر الممثل القدير كان حديثنا.. ليس عما أداه من أدوار في السينما والدراما التلفزيونية، رغم كثرتها وتميزها. ولكن عن والده رائد الدراما الدينية العربية محمد علي ماهر، صاحب القصص الديني في الإذاعة المصرية فترة تألقها وازدهارها وفي التلفزيون المصري منذ بدايته مطلع الستينات.

مع الفنان ياسر ماهر فتحنا خزائن ذكريات الرائد محمد علي ماهر، فحدثنا عن بداية والده في زاوية الجد بمدينة طهطا في صعيد مصر، وانتقلنا معه إلى حي طولون في السيدة زينب، ثم عمله مع الجيل الأول في جريدة «الجمهورية»وفي إذاعة «صوت العرب»عند تأسيسها.. وخلاف محمد علي ماهر مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، وكيف تدخل عبد الناصر في النهاية..

عن علاقة ماهر بالسادات ولماذا منعه السادات من الكتابة رغم ما كان بينهما من صداقة في البداية..

تحدث ياسر ماهر عن تقديم شيخ الأزهر الشيخ شلتوت لدراما محمد علي ماهر في الإذاعة، وعن خلاف الأخير مع دكتور لويس عوض عند تقديم ماهر لأطروحة «الإمكانات الدرامية في القصص الديني»، وتدخل عميد الأدب العربي طه حسين، وخلاف محمد علي ماهر مع الأزهر الشريف عند تقديم «أحسن القصص»، وعن تجربة الرجل المتميزة ومشاركته اللافتة في صناعة فيلم «الرسالة»وصداقته مع السيناريست العالمي هاري كريج بعد نذر صدام بينهما، وعن العلاقة بين محمد علي ماهر والممثل العالمي أنتوني كوين.. وملاحظات ماهر على الفيلم التي عطلت التصوير..

عن هذه الخزانة العامرة بذكريات محمد علي ماهر جاء لقاؤنا مع ابنه الممثل ياسر ماهر.. فكان هذا الحوار...

 



رائد الدراما الدينية العربية محمد علي ماهر

 

 

* ماذا عن البدايات: التعليم والمصادر التراثية التي شكلت الرائد الإذاعي والكاتب محمد علي ماهر؟

- البداية في مركز طهطا محافظة سوهاج حيث والده الولى الكبير سيدى على أفندي ماهر، الذي كان بيته ملتقى للعارفين بالله و الدراويش والمجاذيب من كل حدب وصوب، نشأ محمد علي ماهر على أشعارهم وأذكارهم وسبحاتهم وكراماتهم وشطحاتهم وأحوالهم في الحضرة الصوفية التي كان والده مريدا بها ثم شيخا لها، هذا إلى جانب حفظه كمعظم نظرائه وأنداده للقرآن الكريم في مرحلة الطفولة في كتاب المدينة، ثم أنهى المرحلة الابتدائية والكفاءة في طهطا وتوجه بعدها إلى بيت عمه رياض أفندى ماهر في سوهاج للحصول على البكالوريا في رحاب سيدى العارف بالله السوهاجي الذي عرفت منذ زمن ليس ببعيد أنه جدى لوالدي، وكان والدي دائماً ما يكرر على مسامعي أننا من نسب حسني من ناحية الأم وحسيني من ناحية الأب.

كان التصوف دائما يمثل سياجا يكتنف محمد علي ماهر ويحتويه ويحميه ويدعمه، وكانت أداته الوحيدة التي يزفر بها أنفاس موهبته هي الشعر والحكمة الصوفية التي كانت تخرج منه بتلقائية ودون عنت أو تكلف، مما كان يبهر الكثيرين حوله، خاصة أساتذة اللغة العربية فكانوا يوصون والده ويبشرونه بأن ولده سيكمل مسيرة الرائد الكبير رفاعة الطهطاوي. 

وبعد الحصول على البكالوريا ضاقت عليه بلدته وأرادت موهبته أن تحلق في أفق أكثر رحابة فكان النزوح إلى القاهرة حاضنة الثقافة والفنون.

 

* عمل محمد علي ماهر في بداية وصوله للقاهرة في وزارة التعليم، كيف مارس هذه المهنة ولماذا لم يستمر فيها؟

- جاء إلى القاهرة العامرة التي تزخر بكبار المثقفين والأدباء وشغله الشاغل أن يجد في هذه المدينة الصاخبة الهادرة ما يسد  أوده وربما أيضاً ما يمكن أن يدخره لمساعدة أبيه في تربية إخوته. 

عمل أول ما عمل في متجر للأجبان ومنتجات الألبان يملكه أحد أقاربه من بيت كمالي في طهطا وهو أحد أقربائه، وكان يراسل المجلات الأدبية و الفنية ذائعة الصيت في هذا الوقت مثل مجلة «المصري»،و«الكاتب»،وكان كل إنتاجه منحصراً في كتابة القصائد الشعرية، وكان في هذه الفترة يسكن في حي طولون بالسيدة زينب، ويشاركه الغرفة الطالب الأزهري أحمد حسن الباقوري الذي أصبح وزيراً للأوقاف في عهد الزعيم جمال عبد الناصر.

تنقل الوالد في أعمال كثيرة كان أبرزها تدريس مادة الجغرافيا والتاريخ في إحدى مدارس الإعدادية للبنات بحي العباسية، وكان يشرح المادة بالغناء والشعر، مما أثار حفيظة الوزارة فأرسلوا له من يحقق معه في هذا الأمر الجلل، وبدأ الرجل أو المفتش بقوله أهلا يا عمدة فقال له محمد علي ماهر: ماذا تقصد بكلمة العمدة هل تقصد معناها اللغوى؟ أم معناها الاجتماعى؟ 

فارتبك الرجل وأجاب متلعثماً: الحقيقة لا أعرف ماذا تقصد؟ 

فقال محمد على ماهر لو قصدت المعنى اللغوي فأنا أقدرك وأشكرك لهذا الثناء والإطراء فالمقصود هنا المعنى اللغوي، وهو أنك تقول أنت عمدة يعتمد عليك في علمك وفي شرح وتوصيل مادتك العلمية لبناتنا فهذا يستوجب الشكر. أما إن كان مقصودك هو المعنى الاجتماعى الذي يعني أنني رجل كسول مترهل لا أتحمل المسؤولية وجاهل، فعندئذ ستعرف أقدار الرجال، فقال الرجل: لا طبعا أنا أقصد المعنى اللغوي.. لكن يبدو أن هذا المفتش كتب تقريرا أدى بمحمد علي ماهر أن يترك العمل في التربية والتعليم.

 



فى حفل زفاف ابنه دكتور علي ماهر
من اليمين: النحات العالمى محمد هجرس، والد العروس، ثم الملحن والممثل عباس يونس، ثم الفنان أحمد أباظة

 

 

* ما قصة الخلاف بين محمد علي ماهر ولويس عوض حول مشروع تخرجه من معهد التمثيل؟

- بعد أن ترك محمد علي ماهر التدريس، التحق للعمل بمستشفى القصر العيني كمعاون أو مدير إداري، وتعرف في هذه الأثناء على العظيم زكريا الحجاوي، وسعد مكاوي، والرقيق صلاح عبد الصبور، ونعمان عاشور، وعبد الرحمن الخميسي، ومحمود السعدني، وأنور السادات، الذي قام بتهريبه من السجن من مستشفى القصر العينى وتولى زكريا الحجاوى إخفاءه معززا مكرما وليس هاربا مشردا كما كان يحلو له أن يردد هذه الأكذوبة. وكان محمد علي ماهر وزكريا الحجاوي يجتمعان بكبار المثقفين المصريين على مقهى عبد الله بالجيزة، والتى شهدت تألقهما وقدراتهما الفذة. 

وبدأ رحلة التعامل مع الإذاعة المصرية من خلال برامج وسهرات قصيرة ثم التحق بمعهد المسرح في دفعته الأولى وفي المعهد قدم رسالته لمشروع التخرج بعنوان «الإمكانيات الدرامية في القرآن الكريم»وقامت الدنيا ولم تقعد، ورفض لويس عوض الرسالة من عنوانها وقال لن تخرج هذه الرسالة إلا على جثتي، فقال له ماهر ستخرج على جثتك. وتدخل الدكتور طه حسين وتم تعديل العنوان إلى «الإمكانيات الدرامية في القصص الديني»،وكانت كل أعمال الرائد الدرامي الكبير محمد علي ماهر تطبيقا عمليا لهذا الجهد النظري في مشروع التخرج.

 

* كيف عمل محمد علي ماهر في «الجمهورية»؟ وماذا عن تجربته في الكتابة لصفحة الرياضة؟

- تخرج ماهر من المعهد مدشنا بشهادة علمية هي دبلوم الفنون المسرحية، ومسلحاً بما يشبه النظرية العلمية أو النظرية النقدية الشاملة لكيفية تناول الموروث الديني والتاريخي في الأعمال الدرامية، ثم جاءت جريدة «الجمهورية»والتي شارك فيها من العدد الأول، فكان أحد روادها ومؤسسيها، وكان له باب هو«قبلي وبحري»وكان يجوب البلاد في قبلي وبحري يستطلع هموم الناس واهتماماتهم وطموحاتهم وآمالهم وينشرها في الجريدة البازغة، فكان بمثابة جسر بين جماهير الشعب والحاكم، ثم بعد ذلك كان رئيسا للصفحة الفنية، فقد كان بحكم مؤهله العلمي ناقدا محترفا. 

وقد مر محمد علي ماهر بحادثة غيرت مجرى حياته، وكادت أن تقضي عليه كاتباً صحافياً رائداً في جريدة«الجمهورية»،فقد تواصل معه ناقد موسيقي كبير هو الدكتور يوسف شوقي، وشرح له كيف أن الملحن الكبير محمد عبد الوهاب يستعين بجمل موسيقية من مقطوعات لكبار الموسيقيين الغربيين، وقدم له التوثيق العلمي لكل ما ادعاه على الفنان الكبير، وكتب محمد علي ماهر مقالا مطولا موثقا عنوانه «بلاغ إلى النائب العام»أتهم فيه يوهان شتراوس وبتهوفن وهايدن وغيرهم بأنهم يسرقون ألحان ملحننا الكبير محمد عبد الوهاب، وبرغم أنهم سبقوا الأستاذ عبد الوهاب بمئات السنين، لكنهم مع ذلك هم الذين سرقوا أستاذنا عبد الوهاب، أما هو فعبقريته تحميه من أي اعتداء أو سرقة من الغير. 

بعد نشر التحقيق الصحافي استدعاه الأستاذ الكبير كامل الشناوي، وقال له أستاذ عبد الوهاب بيشكرك جدا لدفاعك عنه، ويطلب منك أن لا تدافع عنه مرة أخرى، وبعد فترة قصيرة استدعي محمد علي ماهر لمقابلة كامل الشناوي مرة أخرى وأبلغه بأنه تم نقله إلى القسم الرياضي للتعليق على مباريات كرة القدم، لأنه يرى أن قلم محمد على ماهر له عضلات، ولهذا سيكون مناسبا جدا للتعليق على الأحداث الرياضية، ووافق ماهر على مضض حتى لا يتطور الأمر فيجد نفسه ملقى في عرض الطريق.

وظل ماهر صحافيا في جريدة «الجمهورية»يكتب في القسم الرياضي عن مباريات الكرة وأخبار اللاعبين و الأحداث الرياضية، ويوما كتب قصيدة من أربعة أو خمسة أبيات كانت تقطر مرارة وغضبا، بدأها بقوله:

أنا لست أهلى أو زمالك

فأنا حصيلة كل ذلك

رأسى معلقة برجل اللاعب الحاذق

إن شاط شطت وإن تحنجل تحنجلت بها الممالك.

وبعد نشر هذه الأبيات صدر قرار بعودة محمد علي ماهر إلى الكتابة في القسم الفني كما كان من قبل، وقيل له إن الرئيس جمال عبد الناصر قال لبعضهم لماذا يكتب ماهر بهذه المرارة نبرته غاضبة فحكوا له ما فعله مع الأستاذ عبد الوهاب، فقال لهم أبعدتموه لفترة كافية ولكن ماهر منا. وهذا ما أكده لى الوزير سامي شرف، عندما التقيت به أثناء إعدادي لدور جمال عبد الناصر في مسلسل «فارس الرومانسية»، حيثسألته: لماذا لم يتم تصعيد محمد علي ماهر؟ فسألني بدوره: ولماذا لم يتم تصعيد أحمد بهاء الدين؟ وأردف قائلا: «يخربوها، واحد سيحول مكتبه لخلية شيوعية (بهاء) والثاني سيحول مكتبه إلى تكية صوفية (ماهر). وأبلغني أن «التوصية الخاصة بالاثنين كانت: يتم دعمهما حتى ينجزا مشروعهما الفكري، وأظن أن هذا قد تم على خير وجه... أما ما حدث من السادات بعد ذلك فلسنا مسؤولين عنه فقد كنا في السجون».

 



مع الكاتب بكر الشرقاوي وزوجته

 

 

* ماذا عن تجربته في الإذاعة المصرية وهو أحد روادها؟

- فتحت إذاعة «صوت العرب»أبوابها للفنانين الوطنيين، فكان محمد علي ماهر من روادها ومؤسسيها، وقدم لها أول أعمالها الدرامية، وكان مسلسلا بعنوان «جنة ونار»وكان يقدمه بصوته الشيخ الجليل محمد محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر إيمانا منه بدور الدراما في الدعوة إلى الله على بصيرة، ومما أثر عنه أنه كان يقول لو أن الأزهر يعطي الدكتوراه الفخرية لأحد لأعطيتها لمحمد علي ماهر على كتاباته الدينية الدرامية. 

وقدم ماهر العديد من البرامج والأناشيد والمسلسلات والسهرات الإذاعية، مثل: «جنة ونار»،إخراج فؤاد شافعي، ومسلسل «صراع»،إخراج محمود السباع، و«مع البخلاء للجاحظ»معالجة درامية متميزة لكتاب البخلاء للجاحظ، جمع فيها كل شخصيات الجاحظ في عمل فني واحد في سابقة لم تحدث من قبل، وكان من إخراج بهاء طاهر، و«على هامش السيرة»، و«بسم الله»، و«هو الله»، و«النبي في الميدان»، و«سيرة ابن هشام»، والكثير من الأعمال والصور الإذاعية، ولكن سيظل «أحسن القصص»هو درة التاج في أعمال الرائد الكبير محمد علي ماهر.

 

* المعروف أن محمد علي ماهر له وجهة نظر حول تجسيد الشخصيات المقدسة، وابتكر آليات ساهمت بعد ذلك في حلول لكثير من المشاكل الدرامية، وطبقها هو بنفسه في «أحسن القصص»..

- «أحسن القصص»عمل درامي إذاعي رائد في مجاله، لم يتطرق أحد أبدا لهذا النوع الجسور من الفنون وهو قصص الأنبياء، في عمل درامي يعتمد على التطهير بعد الخطأ، كيف هذا والأنبياء معصومون من الخطأ وهم ملهمون يتلقون كلماتهم من الله مباشرة أو من خلال وحي يوحى، ثم كيف تختلط الموسيقى التصويرية بأصوات الأنبياء والمرسلين فكان أول الحلول التي اقترحها محمد علي ماهر هي كلمة بسيطة جدا تفصل بين الممثل والشخصية المقدسة التي يمثلها الفنان وهي كلمة «يقول»،فيقول الممثل لشخصية سيدنا يوسف مثلا: «يقول يوسف: هي راودتني عن نفس»...وبهذا يكون محمد علي ماهر بهذه الكلمة العازلة قد حول الشخصية إلى راو عن الشخصية وليس ممثلا لها حتى لو أدى أو مثل بعد هذا العازل، لأن محمد علي ماهر كانت له رؤية متقدمة جدا في هذا الشأن، وهي جواز تمثيل كل الشخصيات دون الأنبياء لأنه يرى أن العصمة لا تقلد ولا تمثل، أما دون الأنبياء فيمثلون. 

وكانت المشكلة الأخرى هي استخدام الموسيقى التصويرية في العمل الدرامي الديني، فقد حل هذه المعضلة عالم كبير من الأزهر الشريف، وأذكر أن اسمه كان دكتور حب الله، حيث قال إن الجملة الموسيقية أشبه بالجملة العامية التي يدخلها خطيب الجامع بين ثنايا الخطبة باللغة الفصحى، حرصا منه على مزيد من التواصل مع الجمهور. 

أما العقبة الثالثة في سبيل الموافقة على تقديم «أحسن القصص»فكان أن آدم نبي الله فكيف يكون في صراع، فكان رد ماهر حاسما باترا، فقال لمحدثه: «فعصى آدم ربه فغوى»...أنا أمام إنسان في حالة غواية، ثم توبة، ثم تطهر، وهذا هو التدرج المثالي لحالة الصراع، وأخيرا تمت الموافقة على تسجيل الحلقة الأولى من «أحسن القصص»الذي استمر 17 عاما وما زال يذاع حتى الآن في شهر رمضان من كل عام.

 



فى منتدى الشيخ سيد النقشبندى مع محمد السبع

 

 

* وماذا عن بقية تراثه الإذاعي والتلفزيوني؟

- كان المسلسل الإذاعي «أحسن القصص»ينشر بعد معالجته روائيا في جريدة «الجمهورية»في تجربة لم تحدث من قبل ولا من بعد، فتذاع الحلقة قبل الفجر بقليل وتحديدا بعد المسحراتي لفؤاد حداد وسيد مكاوي، ثم تطالعها في اليوم التالي على صفحات جريدة «الجمهورية».

وبعد ظهور التلفزيون العربي، قدم محمد علي ماهر رائعة أحمد سعيد «المجانين»في الإذاعة وقام بعمل معالجة تلفزيونية لنفس العمل لتذاع في الإذاعة والتلفزيون بعد قليل من إذاعته في الإذاعة بمعالجة مختلفة. وأذكر أن هذا العمل التلفزيوني كان العمل الأول للراحل العظيم نجيب سرور، وكان يؤدي دور مدمن أفيون والحقيقة أنه أداه على خير وجه، وقد كان المسلسل التلفزيوني من إخراج جلال الشرقاوي وضمن تجاربه القليلة للتلفزيون، بينما كان الرائد الإذاعي الكبير زكريا شمس الدين هو المخرج الإذاعي لنفس العمل، ثم قدم محمد علي ماهر رائعته التلفزيونية «في نور الأسماء الحسنى». 

 

* ما قصة توافق برنامجه أسماء الله الحسنى مع نكسة يونيو (حزيران)؟

- قدم محمد علي ماهر 24 حلقة غنائية أقرب ما تكون للأوبريت الغنائي، وقررت إدارة البرامج وقف العمل الذي كان يشترك في أدائه أصوات عظيمة وملحنون كبار من أمثال محمود الشريف، وعبد العظيم عبد الحق، وسيد مكاوي، وأحمد صدقي، بأصوات السيد النقشبندي ونصر الدين طوبار، وإسماعيل شبانة، وسعاد محمد، وزينب يونس، ومحمد السبع، وأحمد أباظة. توقفت الحلقات عند اسم الله الخافض، فانزعج محمد علي ماهر، جدا، وقال للمسؤولين آنذاك «لا تتوقفوا عند الخافض فهذا خطير جدا فالإسم له تجلياته»، وطبعا لم يستمع إليه أحد، ولم يفهم ألغازه أحد ومرت أيام قليلة وانفجرت في وجوهنا جميعا نكسة 67، وبعد قليل طلب منه العودة لكتابة «في نور الأسماء الحسنى»،وشرع في الكتابة وفوجئنا به يقوم من نومه ذات يوم في الصباح الباكر على غير عادته، وقال انتهيت من كتابة اسم الله الرافع، ولا بد أن يواكب هذا الفتح الكبير فتح آخر، أين جرائد اليوم؟ فأحضرناها له، وكان الخط العريض في الجرائد الثلاثة مبهجاً مفرحاً ضرب إيلات، فحمد الله وسجد شكراً له وقال: «الآن قد اعتدل الميزان».

 

* بدأ انحسار نشاط محمد علي ماهر بعد وفاة جمال عبد الناصر، رغم ما كان بينه وبين السادات من صداقة قديمة هو وزكريا الحجاوي؟

- كتب محمد علي ماهر الكثير من الأغاني والأناشيد الحماسية ذات الطابع القومي العربي مع استمراره في كتابة «أحسن القصص»التي كانت تستمر أحياناً وتتوقف أحياناً. 

وبعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر وتوقف إنتاج محمد علي ماهر، بدأت عملية الحصار الشديد له، ولأنه يعرف أنور السادات جيدا ويعرف ميوله السياسية فقد آثر الرجل الابتعاد تماما عن المشاركة في العمل العام واكتملت العزلة بحرمانه من الكتابة في كل المجالات بما فيها حرمانه من الكتابة في جريدة «الجمهورية».

وفي منتصف يوليو (تموز) 1973 صدر قرار بعودته للكتابة في جريدة «الجمهورية»مع آخرين كان قد تم استبعادهم، وشرع محمد علي ماهر في كتابة روايته  الرائعة «همزة فوق واو المؤلف»في أعداد منفصلة في العدد الأسبوعي لجريدة الجمهورية والتى تكلم فيها عن الانفتاح وكنا جميعا لا نعرف هذه الكلمة ولا نعرف لها معنى، فقد بدأ استخدامها إعلاميا ربما في بداية عام 1975، وجاءت الأوامر واضحة من الرئيس السادات بوقف الحلقات. 

وهنا طلب محمد علي ماهر الموافقة على إجازة بدون مرتب والإذن له بالسفر خارج البلاد، وتمت الموافقة تليفونيا من أنور السادات مشروطة بأنه «لا يقل أدبه»...

وسأل ماهر: وماذا عن أولادي؟ 

فأجابه: ولادك ولادي يا ماهر. 

ورحل محمد علي ماهر بعد هذه المكالمة بأيام قليلة إلى بيروت.

 



الفنان ياسر ماهر

 

 

* وهناك كانت تجربته مع النظام الليبي؟

- في بيروت عكف محمد علي ماهر على كتابة موسوعة ضخمة بعنوان «ملحمة الوجود العربي»بدعم من الرئيس الليبي معمر القذافي، وبعد الانتهاء من الملحمة الكبرى والاستعداد للنشر، طلب من محمد علي ماهر أن يكتب مقدمة يذكر فيها أن ما أتيح له ككاتب برعاية الأخ العقيد معمر القذافي لم يتح لكاتب من قبل سواء في الماضي أو الحاضر. وهنا أخذ محمد علي ماهر قراره برفض الأمر برمته وهرب ليلا لا يحمل في حقائبه إلا الكتب التي اقتناها في بيروت. وعاد إلى القاهرة ناجيا بحياته وكتبه والستر وهامة مرفوعة.

 

* نأتي لتجربة فيلم «الرسالة»: كيف رأى هذه التجربة وماذا كان يقول عنها؟

- بعد أن عاد محمد علي ماهر من بيروت التزم زاويته الشاذلية الصوفية في عزلة تامة، واتصل به صديقه وأحد المقربين منه وهو الكاتب الكبير الوفي عبد الرحمن الشرقاوي، وأبلغه أن المخرج العالمي مصطفى العقاد أبلغه برغبته في التعاون معه في الجزء التنفيذي لفيلم«الرسالة»من مراجعة تاريخية ولغوية، ولكن عبد الرحمن الشرقاوي حسم الأمر بقوله: «ما دمنا نتكلم في الدراما الدينية والتاريخية فليس لها إلا محمد علي ماهر»،وآثر ماهر على نفسه، ولم ينس أبدا محمد علي ماهر هذا الموقف النبيل لعبد الرحمن الشرقاوي، وأذكر أنه ظل يبكيه بعد موته أسبوعا كاملا، وكان عندما يذكر اسم الشرقاوي كانت دموعه تنساب فياضة على صديق عمره الجليل القدر عبد الرحمن الشرقاوي.

تقرر سفر محمد علي ماهر إلى لندن للبدء في تجهيز الفيلم وكان كل شيء معدا في المغرب للتصوير الذي انتقل بعد ذلك لليبيا لأسباب سياسية، وفى الطائرة أبلغ مصطفى العقاد محمد علي ماهر أنه سيحضر مؤتمرا مع صناع الفيلم وحاول محمد علي ماهر أن يؤجل اللقاء لأنه كتب بعض الملاحظات العابرة حوالي 22 ملاحظة وهو يحتاج وقتا للمراجعة الدقيقة، ولكن العقاد قال له إنه مجرد لقاء تعارف بروتوكولي لا أكثر، ووافق ماهر وبدأ المؤتمر ودخل السيناريست العالمي هاري كريج تحفه الأبهة والعظمة، وطلب ماهر الكلمة، فامتقع وجه كريج وقال بحدة نحن  بصدد عمل درامي ولسنا بصدد عمل ديني، والفيلم سيخضع لمقتضيات العمل الدرامي، فكتم ماهر غضبه وقال:«أنا سيناريست ولست هنا لأمثل أي جهة دينية، وأنا خريج معهد المسرح ولست من خريجى الأزهر». فتهلل وجه  كريج، وقال له: «إذن نسمع». فقال ماهر: «هذه ملاحظاتي العابرة، فقد فوجئت بميعاد المؤتمر وعلى أية حال هي ملاحظات أولية قابلة للمراجعة والنقاش».

وقرأ المترجم ما كتبه ماهر، واستمع كريج بكل اهتمام للملاحظات، وأغلق سيناريو الفيلم، وقال قولته الشهيرة: «الآن علينا أن نبدأ من البداية»،وحمل البالطو الخاص به وألبسه لمحمد علي ماهر، وطلب من العقاد أن يعين مترجمين ينقلون له كل حرف يقوله ماهر ويترجمون كل حرف يقوله كريج لماهر. وانهار مصطفى العقاد لأن هذا الإجراء سيكلف الإنتاج أموالا طائلة، ولكن ما باليد حيلة... وأذكر أن مصطفى العقاد همس في أذني أثناء العرض الخاص للفيلم بأكاديمية الفنون بالقاهرة قائلا: «ياسر، ماهر خرب بيتي».

 

* ماذا عن طبيعة علاقته بالسيناريست هاري كريج خاصة مع التخوف المبدئي من قبل كريج بسبب السمت الديني الذي كان يبدو على مظهر محمد علي ماهر؟

- أصبح ماهر صديقا لكريج، وسأله ماهر ذات مرة: ما الذي جاء بك إلى هذه المنطقة الوعرة، يقصد كتابة فيلم ذي طبيعة إسلامية محفوفة بالمخاطر؟ 

فقال كريج: إنه بكر، (يقصد سيدنا أبو بكر الصديق)، فهو يوازي عندنا في المسيحية بيتر، صخرة الكنيسة الذي أنكر المسيح ثلاثا مع صياح الديك، وندم، وعلى ندمه هذا قامت الكنيسة واتنشرت المسيحية حول العالم... أما بكر فقد تحدى قانوناً طبيعياً هو الفعل ورد الفعل، ففي الغار أثناء اختفائهما تنهش قدمه حية رقطاء جائعة فلا يصرخ أو يبدى ردة فعل كتأوه أو نحوه ولو فعل لتم القضاء عليهما وانتهت رسالة الدين الإسلامي كله. أعتقد جازما أن هذا الإيمان لا يمكن أن يكون إلا لنبي حقيقي، ومن هنا بدأت رحلة بحثي عن هذا النبي.

 



مع حفيده المهندس المصري- الفنلندي أكرم ماهر

 

 

* كيف كانت نظرته للممثل العالمي أنتوني كوين؟

- أذكر أن الوالد كان دائما يذكره بخير.. وكان يكرر كلما ذكره أن أنتوني كوين لو لقي ربه صادقا بأدائه لدور حمزة بن عبد المطلب وعمر المختار لكفى.

 

* المقربون من محمد علي ماهر يعرفون أنه كان يعمل حتى وهو في فراش الموت.. كيف كان ذلك؟

نعم، كان الأطباء يتعجبون كيف يستطيع العمل وسط كل هذه الأسلاك والأجهزة وهو مريض، لكنه كان يقول لهم إن «كل مخلوق عليه أن يقوم بما عليه حتى النهاية، فأنا أعمل والمرض أيضاً يعمل، كل واحد يشوف شغله».

 

 

* كيف يمكن نشر تراث محمد علي ماهر الإذاعي الثري؟ وهل هناك خطوات في هذا الاتجاه؟

- كثير من تراث الوالد ما زال يذاع حتى الآن، خاصة «في نور أسماء الله الحسنى»، و«أحسن القصص»، وهناك ترتيبات لجمع تراثه الصحافي في جريدة «الجمهورية».