سفينة الموت «روسوس» التي حولت بيروت إلى مدينة منكوبة

متى يكشف القضاء اللبناني خبايا الباخرة وقنبلتها...وهل يطال التحقيق قيادات سياسية وعسكرية؟

الأنفجار كشفإهمال المسؤولين الأمنيين وتقاعس السلطة السياسية

* يجب أن يتحول التحقيق من تحقيق محلي إلى تحقيق دولي لفك كل الألغاز المحيطة بهذه السفينة

هل وصلت السفينة إلى لبنان عن طريق الصدفة؟ أم إن أحدهم أراد لها أن تفرغ حمولتها في لبنان بطريقة ملتوية كي لا يتحمل مسؤولية هذه الكمية من الذخائر؟ 

أهل الحكم والحكومة كانوا على دراية تامة بوجود قنبلة كيماوية موقوتة في وسط العاصمة ولم يتحركوا ولم يحركوا ساكناً لتفكيكها

سبب مصادرة الشحنة يعود إلى أنه وبعد عملية تفتيش السفينة التي أعقبت توقفها في مرفأ بيروت، مُنعت من الإبحار، ثم تخلى عنها مالكوها بعد وقت قصير

بعدما حسم الجدلالقضائي حول اسم المحقق العدلي الذي سيتولى التحقيق في انفجار مرفأ بيروت لصالح القاضي فادي صوان، طرحت الأوساط السياسية والقضائية أكثر من علامة استفهام حول تصرفات وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم في تعاطيها مع هذه الجريمة التي أودت بحياة أكثر من 173 شخصاً وعشرات المفقودين وآلاف الجرحى وأكثر من 200 ألف مشرد ودمرت آلاف المنازل وحولت بيروت إلى مدينة منكوبة.

فقد استغربت هذه الأوساط إقدام الوزيرة نجم على طرح اسم القاضي سامر يونس محققاً عدلياً عبر وسائل الإعلام قبل أن يتم التخاطب الاعتيادي المعهود مع مجلس القضاء العدلي الذي رفض هذا الطرح، لأن نجم في خطوتها هذه أكدت انحيازها السياسي، وكان الأجدر بها التعاطي بحيادية وتكتم في اقتراح المحقق العدلي حفاظاً على ما تبقى من هيبة للوزارة والقضاء معاً بدل الشوشرة الإعلامية التي فضحت المستور وكشفت زيف كل ادعاءات العهد تطبيق الإصلاح ومكافحة الفساد، وخصوصاً أن التحقيق في هذه الجريمة متشعب قضائياً وسياسياً وأمنياً بدليل أن المحامي العام القاضي غسان خوري الذي باشر التحقيق في هذه الجريمة المروعة استمع إلى ضباط من مخابرات الجيش والجمارك وأمن الدولة يتولون مراكز أجهزتهم داخل المرفأ وأن التحقيق سيطال أيضاً وزراء سابقين وحاليين لتحديد المسؤوليات بعدما بينت التحقيقات الأولية أن هناك إهمالا واستهتارا من قبل السلطة السياسية وليس فقط من الموظفين المدنيين والأمنيين والعسكريين، وأن هناك ألغازا في وصول هذه السفينة إلى لبنان واحتجازها وتفريغها من محتوياتها قبل معرفة من هم أصحاب هذه الباخرة ومن هي الجهة التي تملك هذه الشحنة الخطيرة ولحساب من شحنت. 

 

صوان

تسلم المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي فادي صوان، ملف التحقيقات الأولية في انفجار مرفأ بيروت، وادّعاء النيابة العامة التمييزية على المشتبه بهم، وباشر دراسة التحقيقات الأولية وتقارير الخبراء المتوفرة حتى الآن، وقد بدأ استجواب المدعى عليهم الموقوفين في حضور وكلاء الدفاع عنهم، لاتخاذ القرارات المناسبة، وإصدر مذكرات توقيف وجاهية بحق مدير عام الجمارك بدري ضاهر ورئيس مجلس إدارة مرفأ بيروت حسن قريطم وسيستمر بالتحقيق مع جميع المتهمين ويوقف من تثبت مسؤوليته عمّا حصل، ويترك من لا تتوفر أدلة على دور له في الجريمة، ومن الطبيعي أن يرتكز التحقيق على التقارير التي وضعتها الأجهزة الأمنية  حول السفينة وحمولتها.

 

الوزارات المعنية

بيّنت التحقيقات الاولية أنّ السفينة التي كانت تحمل نترات الأمونيوم حُجزت قبل 7 سنوات بناءً على قرار حجز من دائرة تنفيذ بيروت، بناءً على طلب المدير العام لوزارة النقل والأشغال العامة عبد الحفيظ القيسي. وقد تلقّى القيسي رسالة من المحامي جان بارودي أفاده فيها بخطورة المواد الموجودة على متن السفينة المحجوزة. وبالتالي، فإنّ التحقيق الجاري يجب أن يُحدد إذا ما كان وزير الأشغال آنذاك غازي زعيتر ووزير الأشغال الذي تلاه يوسف فنيانوس على معرفة بهذه الشحنات المحتجزة. كذلك فإنّ التحقيق يُبيّن أنّ المدير العام للجمارك أبلغ وزير المالية علي حسن خليل بالمراسلات التي كرر فيها وزير المال الطلب بمراجعة القضاء من دون التصرّف في الأمر، علماً بأنّ وزارة المالية هي وزارة الوصاية على مديرية الجمارك. 

أما فيما يتعلّق بإعلان وزير الأشغال المستقيل ميشال نجار، فقد كشف عن تلقّيه في الثالث من شهر أغسطس (آب) الجاري مراسلة من الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى اللواء محمد الأسمر مؤرخة بتاريخ 24 يوليو (تموز). ورأى الوزير نجّار أنّه قد يكون تأخر وصولها بسبب عطلة عيد الأضحى، إلا أنّه كشف أنّه طلب من مستشاره بيار بعقليني الاتصال فوراً بمدير المرفأ حسن قريطم نهار الاثنين 3 اغسطس لسؤاله عنها، فأجابه بوجود إشارة قضائية بشأن العنبر الذي تُخزّن فيه نترات الأمونيوم، مشيراً إلى أنّ المراسلة سُجّلت في الوزارة صباح الرابع من أغسطس، أي يوم حصول الانفجار.

 



وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل والسفيرة الأمريكية في لبنان دوروثي شيا برفقة ضباط من الجيش اللبناني، يتجولون في موقع الانفجار الذي ضرب ميناء العاصمة اللبنانية بيروت(غيتي) 

 

أمن الدولة

وورد في تقرير أمن الدولة أنّ المديرية أرسلت بريداً خاصاً في 20 يوليو الماضي إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء أبلغتهما فيه عن المواد الخطيرة الموجودة في مرفأ بيروت. غير أنّ المعلومات الأمنية تؤكد أنّ المدير العام لأمن الدولة طوني صليبا أبلغ رئيس الحكومة حسان دياب عبر الهاتف عن ضبط كميات ضخمة من المواد المتفجرة في مرفأ بيروت، قبل إرسال التقرير، على اعتبار أنّه كان يزفّ إليه خبر الإنجاز الذي تحقق. وأكدت مصادر أن الاتصال حصل في الثالث من يونيو (حزيران). وتكشف المعلومات أنّ الرئيس حسان دياب كان في صدد الإعداد لزيارة المرفأ لعقد مؤتمر صحافي للإعلان عن الإنجاز. وقد أرسل دياب ضابطاً لاستطلاع المرفأ والعنبر 12، إلا أنّ المصادر نفسها تكشف أنّ الرئيس دياب عاد وألغى ذلك بعدما أبلغه الضابط الذي أرسله أن هذه المواد موجودة في المرفأ منذ 6 سنوات، وليست سوى «سماد كيميائي»، وليست «تي إن تي» أو «سي فور». أما رئاسة الجمهورية، فقد أحالت ما وردها من أمن الدولة إلى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع للمتابعة مع الوزير المختص.

التحقيقات الأولية الجارية أدت إلى توقيف المدير العام السابق للجمارك، شفيق مرعي (وصلت السفينة عام 2013 أي أثناء فترة إدارته)، والمدير العام الحالي بدري ضاهر (عُيِّن مديراً عاماً للجمارك في مارس (آذار) 2017). مرعي وضاهر لم يتخذا قراراً بإتلاف «نترات الأمونيوم»، على الرغم من إبلاغ كل منهما، رئيسه المباشر، وزير المال علي حسن خليل. لكن المادة 144 من قانون تنظيم الجمارك تنص على أنّه «يمكن للجمارك إتلاف البضاعة التي يثبت من المعاينة أو التحليل مخالفتها للقوانين والأنظمة». وبما أن مادة نترات الأمونيوم التي تتجاوز نسبة التركيز فيها عتبة الـ33.5 في المائة (وهو ما ينطبق على شحنة الـ2700 طن التي يُشتبه فيها بأنها انفجرت يوم 4 أغسطس في مرفأ بيروت) لا يُسمح بدخولها الأراضي اللبنانية من دون إذن مسبق، كان على الجمارك إما إعادة تصديرها، أو إتلافها فوراً، بدلاً من التلهي بتقاذف المسؤولية مع قاضي الأمور المستعجلة جاد المعلوف الذي أصدر قراراً بتعويم السفينة التي كانت تحمل هذه البضاعة. 

غير أنّ مصادر قضائية كشفت أنّ المحامي العام التمييزي القاضي غسان خوري سأل ضاهر عن سبب عدم إبلاغه وزارة الداخلية بالشحنة وخطورتها، فردّ عليه بأنّه لا يمكنه مخاطبة الداخلية، إنما يخاطب رئيسه المباشر وزير المال. وذكر ضاهر أنّ الوزير علي حسن خليل ردّ عليه بالطلب منه مراسلة القضاء بسبب وجود حارس قضائي على البضائع من قاضي الأمور المستعجلة جاد المعلوف. وقد أبرز ضاهر أكثر من مراسلة بينه وبين وزير المال الذي طلب منه مراسلة القضاء مجدداً، حتى بعدما ردّ القاضي المعلوف طلبات الجمارك بالسماح له ببيع شحنة النترات أو إعادة تصديرها. كذلك كشفت المصادر نفسها أنّ هناك مراسلات بين شفيق مرعي والوزير علي حسن خليل الذي طلب إليه إحالة ردّ قاضي الأمور المستعجلة على هيئة القضايا.

كذلك كشف وكيل ضاهر، المحامي جورج خوري، أنّ قاضي الأمور المستعجلة وضع المديرية العامة للنقل البري والبحري حارساً قضائياً على نترات الأمونيوم لتخزينها وحراستها. وبالتالي فإنّ ذلك يعني بحسب القانون أنّ المسؤولية تترتب عليها بحسب المادة 131 من قانون الموجبات والعقود التي تنصّ على أنّ حارس الجوامد المنقولة وغير المنقولة يكون مسؤولاً عن الأضرار التي تحدثها تلك الجوامد، حتى في الوقت الذي لا تكون فيه تحت إدارته أو مراقبته الفعلية.

كذلك اتصل المحققون في أمن الدولة لإبلاغ مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية السابق بيتر جرمانوس بملف شحنة نترات الأمونيوم المخزّنة في المرفأ، وأطلعوه على مدى خطورة هذه المواد، لكنّ جرمانوس أبلغهم بعدم اختصاص النيابة العامة العسكرية في هذا الملف، لكون قاضي الأمور المستعجلة أصدر قراراً قضى بإفراغ المادة داخل العنبر رقم 12. 

 



منقذ فرنسي وكلب مدرب يبحثان عن ناجين في ميناء بيروت  7 أغسطس  2020 بعد ثلاثة أيام من الانفجار الضخم الذي هز العاصمة اللبنانية بيروت(غيتي)

 

الكل يعلمون

وفي اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، عرض المدير العام لأمن الدولة، اللواء طوني صليبا، التقرير الذي أعدته مديريته مطلع العام الجاري. فيما سرّبت مديرية الجمارك ليلاً، كتاباً موجهاً إلى القضاء، عام 2017، تذكر فيه ست رسائل سابقة، موجهة إلى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، تطلب فيها إعادة تصدير نترات الأمونيوم، أو بيعها إلى إحدى شركات تصنيع المتفجرات.

وفي خلاصة ما ثبت، هو أنّ أهل الحكم والحكومة كانوا على دراية تامة بوجود قنبلة كيماوية موقوتة في وسط العاصمة ولم يتحركوا ولم يحركوا ساكناً لتفكيكها، ومنذ 6 أشهر وضع على طاولة الرؤساء والوزراء وكل المسؤولين المعنيين تقرير رسمي يُحذر من خطورة الإبقاء على كمية كهذه من المواد الكيماوية شديدة الاشتعال مخزنة بطريقة لا تراعي معايير وشروط السلامة العامة، غير أنّ أحداً منهم لم يتحل بأدنى حسّ من المسؤولية الوطنية ليحول دون وقوع الكارثة...

وبصرف النظر عن الأمور التقنية والقانونية، ثمة أسئلة لا بد من طرحها، وتحتاج إلى إجابات لتحديد المسؤوليات:

لماذا بقيت المواد الخطرة في لبنان؟

ولماذا لم ترحَّل لاحقاً بعد معالجة أمر الباخرة؟

من هو صاحب القرار بأن تبقى هذه المواد بلا أي إجراءات احترازية؟

من يدفع بدل إيجار تخزينها؟

من المستفيد من بقائها؟

خصوصاً بعدما نفت سلطات الموانئ في موزمبيق أي علم لها بسفينة كان على متنها حمولة كبيرة من نترات الأمونيوم يُعزى إليها التسبب بانفجار هائل هزّ العاصمة اللبنانية بيروت يوم الثلاثاء وأسقط عشرات القتلى وآلاف الجرحى.

وجاء تصريح الجانب الموزمبيقي ردا على تقارير منتشرة تفيد بأن سفينة تحمل نترات الأمونيوم وترفع علم مولدوفا كانت قد أبحرت من جورجيا قاصدة ميناء مدينة بيرا على ساحل المحيط الهندي في موزمبيق لكن أعطالا فنية دفعتها إلى الرسو في لبنان عام 2013.

وقالت سلطات ميناء بيرا في بيان لها: «هيئة تشغيل الميناء لم تكن على دراية بأن سفينة (إم في روسوس) في طريقها إلى ميناء بيرا».

وأوضح البيان أن وصول أية سفينة للميناء «يتطلب إعلانا من وكيل هذه السفينة لهيئة تشغيل الميناء قبل موعد الوصول بمدة تتراوح بين سبعة إلى 15 يوما».

كل التقارير تشير إلى أن السفينة «إم في روسوس»كانت مملوكة لحظة احتجازها لرجل الأعمال الروسي إيغور غريتشوشكين، من مدينة خاباروفسك في سيبريا ويعيش في قبرص ويملك شركة تيتو شبينغ إل تي دي في عام 2014 وأعلن إفلاسه بعد عام على احتجاز الباخرة.

لكن وسائل إعلام روسية كشفت تفاصيل مثيرة عن مالك السفينة «روسوس» التي نقلت في 2013 نحو 2750 طناً من مادة نترات الأمونيوم، قبل أن تحتجز في مرفأ بيروت بسبب تعرضها لأعطال فنية.

ووفقاً لشبكة «ميدوزونا» الإلكترونية فإن رجل الأعمال الروسي إيغور غريتشوشكين، الذي كان يقيم في قبرص، ويملك أسطولاً صغيراً للنقل البحري، أحاطت به الشبهات ونشاطاته التجارية في سنوات سابقة، ما أسفر عن إعلان إفلاسه وإغلاق شركة «تيتو شيبيينغ إل تي دي» التي كان يديرها في العام 2014. أي بعد مرور عام واحد على احتجاز السفينة في مرفأ بيروت.

وبحسب موقع بلتيك شيبنغ فإن السفينة المذكورة قد صُنعت في اليابان في عام 1986، وحملت عدة تسميات مع مالكين مختلفين قبل أن تستقر أخيرا تحت اسم روسوس منذ عام 2008.

ويفيد تقرير المحامين بأن السفينة مُنعت من الإبحار بعد تفتيشها من قبل سلطات مرفأ بيروت وسمح لاحقا لمعظم طاقمها بالعودة إلى بلادهم باستثناء ربانها وأربعة من طاقمها الذين بقوا على متنها.

ويضيف أن مالكي السفينة تخلوا عنها وعن شحنتها ولم يتابعوها ولم يدفعوا ما تراكم بحقهم من أجور للمرفأ، وقد صادرت سلطات المرفأ بناء على أمر قضائي شحنة السفينة.

ويقول موقع أوديساتوا دوت كوم إن معظم طاقم السفينة كانوا من البحارة الأوكرانيين وعلقوا مؤقتا في بيروت بعد أن توقف مالك السفينة عن دفع رواتبهم وأجور توقف السفينة في المرفأ.

وأفاد المحاميان في تقريرهما أن من تبقى من الطاقم حُددت إقامتهم في السفينة نفسها بحسب قوانين الهجرة والإقامة في لبنان، لكنهما نجحا في إقناع قاضٍ في محكمة الأمور المستعجلة في بيروت بالسماح لهم بالعودة إلى بلادهم، بناء على الخطر الذي يُهدد حيواتهم جراء طبيعة الشحنة التي تحملها السفينة وما يرونه انتهاكا لحرياتهم الشخصية التي يكفلها الدستور اللبناني.

وأضافا أن سلطات مرفأ بيروت قامت بنقل شحنة السفينة إلى مستودع «بسبب المخاطر التي تتعلق بطبيعة مادة نترات الأمونيوم المحتجزة».

وقد فرغت الشحنة في العنبر رقم 12 بميناء بيروت، وهو مبنى رمادي كبير يواجه الطريق السريع الرئيسي بين الشمال والجنوب في المدخل الرئيسي للعاصمة.

ولم يتوضح بعد أسباب ترك شحنة ضخمة من هذه المادة الخطرة مخزنة في المرفأ لسنوات، لكن مصادر تقول إن السجلات العامة والوثائق، التي نشرت بعضها، تُثبت أن كبار المسؤولين السابقين كانت لديهم معلومات منذ أكثر من ست سنوات عن وجود كميات كبيرة من نترات الأمونيوم تم تخزينها في العنبر رقم 12 بميناء بيروت، وكانوا على دراية تامة بمخاطر وجود هذه الكميات في ظل غياب معايير ومتطلبات الأمان الخاصة بتخزين مواد من هذا النوع.

وكشفت هذه الوثائق عن أن مسؤولين في إدارة الجمارك، أرسلوا خطابات لقاضي الأمور المستعجلة في 27 يونيو 2014، وفي 6 مايو 2015، وفي 6 يونيو 2016، فضلا عن خطاب أخير في 28 ديسمبر 2017، طلبوا بموجبها تحديد مصير كمية نترات الأمونيوم الموجودة في أحد عنابر مرفأ بيروت، وبالرغم من ذلك لم يرد أكثر من قاض على تلك الرسائل.

 



السفينة «روسوس»

 

قبطان سفينة الموت

أما قبطان السفينة الروسي بوريس بروكوشيف فقد قال في تصريحات عبر الهاتف لصحيفة «نيويورك تايمز»، من منتجع على ساحل البحر الأسود حيث بدأت السفينة رحلتها عام 2013: «لقد شعرت بالرعب بعد مشاهدة الانفجار».

وأضاف أن السفينة، التي كانت ترفع علم مولدوفا، استأجرها رجل أعمال روسي يعيش في قبرص يدعى إيغور غريتشوشكين، لنقل شحنة نترات أمونيوم تزيد على 2000 طن إلى ميناء بيرا في موزمبيق، مشيراً إلى أن السفينة انطلقت من ميناء باتومي على البحر الأسود في جورجيا، وأنها توقفت في تركيا بسبب خلاف البحارة السابقين على الراتب، وأنه تم التعاقد معه لاستكمال الرحلة من تركيا إلى موزمبيق مقابل مليون دولار.

وبحسب مكتب محاماة لبناني يمثل الشركة، فإن الشحنة كانت في طريقها لموزمبيق لاستخدام المواد في صناعة المتفجرات، وأكد القبطان أنه لم يستطع عبور قناة السويس لأن المالك أخبره أنه لم يعد قادرا على تأمين المال الكافي لدفعه، وطلب منه التوجه لميناء بيروت لتحميل شحنة آلات ستوفر لهم الأموال اللازمة لعبور قناة السويس، مضيفا أن السفينة وصلت إلى لبنان بعد شهرين من إبحارها من جورجيا.

وذكر بروكوشيف أنه عندما وصل إلى بيروت وجد أن السفينة لن تتمكن من تحميل هذه الآلات لأنها قديمة وبلغت من العمر بين 30 - 40 عاما ولم تعد تتحمل المزيد من الأوزان، وحينها، بحسب رواية القبطان، وجد المسؤولون اللبنانيون أن السفينة غير صالحة للإبحار واحتجزوها لعدم دفعها رسوم الرسو، وعندما حاول البحارة الاتصال بغريشوشكين مالك السفينة، للحصول على المال للوقود والمواد الغذائية وغيرها من الضروريات، فشلوا في الوصول إليه، وقال بروكوشيف: «على ما يبدو أنه ترك السفينة التي استأجرها».

وفي النهاية اضطر بروكوشيف إلى بيع وقود السفينة واستخدام عائداته لتكليف مكتب محاماة لبناني بالدفاع عنهم، وحذر المحامون السلطات اللبنانية من أن السفينة معرضة لخطر «الغرق أو التفجير في أي لحظة».

وبالفعل أمر قاضٍ لبناني بإطلاق سراح طاقم السفينة لأسباب إنسانية في 2014، بينما تم نقل الشحنة المميتة إلى عنبر 12 وبقيت هناك حتى يوم الانفجار.

وقال بروكوشيف إن المسؤولين اللبنانيين أخطأوا عندما أصروا على حجز السفينة والاحتفاظ بشحنة نترات الأمونيوم في الميناء بدلا من نشرها في الحقول، مضيفا أنه علم أن السفينة غرقت في 2015 أو 2016، مشيرا إلى أنه تفاجأ بأن الانفجار تأخر كل هذا الوقت.

تصريح قبطان السفينة يتناقص مع روايات أخرى، أحدها نقلتها وكالة «رويترز»عن موقع «شيب أريستيد. كوم»، وهو شبكة تتعامل مع الدعاوى القانونية في قطاع الشحن، أن السفينة رست في بيروت في سبتمبر (أيلول) 2013 عندما تعرضت لمشكلات فنية أثناء الإبحار من جورجيا إلى موزمبيق وهي تحمل 2750 طنا من نترات الأمونيوم.

وتفيد وثيقتان بأن الجمارك اللبنانية طلبت من السلطة القضائية في عامي 2016 و2017 أن تطلب من «المؤسسات البحرية المعنية»إعادة تصدير أو الموافقة على بيع نترات الأمونيوم، التي نُقلت من سفينة الشحن روسوس وأُودعت بالعنبر رقم 12، لضمان سلامة الميناء.

أما وكالة الأنباء الفرنسية فنقلت عن مصادر أمنية ترجيحها أن تكون السفينة مرّت على شكل ترانزيت في بيروت، أما عن سبب توقيفها، فأكد أن شركة لبنانية ادعت لدى قاضي الأمور المستعجلة على الشركة المالكة لها، فتمّ الحجز عليها من القضاء، ثم إفراغ حمولتها، لأنها كانت تعاني من أضرار واهتراء، وغرقت السفينة لاحقا أمام مرفأ بيروت.

بينما نقلت «رويترز»عن موقع «شيب أريستيد. كوم»قوله إن سبب مصادرة الشحنة يعود إلى أنه وبعد عملية تفتيش السفينة التي أعقبت توقفها في مرفأ بيروت، مُنعت من الإبحار، ثم تخلى عنها مالكوها بعد وقت قصير، مما دفع دائنين مختلفين للتقدم بدعاوى قانونية.

هذه الروايات الثلاث تزيد علامات الاستفهام عن حقيقة خط سير السفينة وهل وصلت إلى لبنان عن طريق الصدفة؟ أم إن أحدهم أراد لها أن تفرغ حمولتها في لبنان بطريقة ملتوية كي لا يتحمل مسؤولية هذه الكمية من الذخائر؟ 

فقد كشفت احدى محطات التلفزة أن شركة «سافرو ليمتد»القبرصية اشترت هذه النترات من جورجيا بحجة شحنها إلى موزامبيق، إلا أن أرشيف هذه الشركة المسجلة في لندن ومصنفة لبيع المواد الكيميائية كشف أن التقارير المدققة العائدة لها وصادرة عن مكاتب التدقيق البريطانية تدل على أن الشركة المذكورة كانت عامي 2013 و2014 عندما تم شراء النترات متوقفة ولا تقوم بأي أعمال تجارية، وأن أرقام الشركة التي من المفترض أن تفصح عنها لوزارة المالية البريطانية تثبت أنه لا يوجد أي تحويل مالي طوال عامي  2013 و2014 وأيضا لم تقم بأي نشاط في تلك الفترة، فكيف لشركة أعمالها مجمدة تقوم بشراء 2750 ألف طن من النترات وتدفع ملايين الدولارات ومن هي الجهة التي دفعت هذا المبلغ ولمصلحة من؟ مع العلم أن الشركة الجوروجية نفت أنها صنعت مثل هذه المواد قبل العام 2016، وتبين أيضاً أن شركة «مارينا سولو»مالكة السفينة بنسبة 75 في المائة من الجنسية القبرصية وهي تملك أكثر من 13 شركة أوف شور القسم الأكبر منها شركات لا تعمل أو هي محلولة، كما أن مديرة الشركة غريتا بلاين يتكرر اسمها في هذه الشركات الوهمية، وهذا أمر يطرح السؤال الاتي: هل إن الشركة التي اشترت هذه النترات مملوكة لأشخاص من الجنسية القبرصية؟ وهل إن صاحب السفينة الروسي يدير أعماله من قبرص؟

أمام هذه الوقائع المفترض أن يتحول التحقيق من تحقيق محلي إلى تحقيق دولي لفك كل الألغاز المحيطة بهذه السفينة،فهذه الروايات تزيد علامات الاستفهام عن حقيقة خط سير السفينة وهل وصلت إلى لبنان عن طريق الصدفة؟ أم إن أحدهم أراد لها أن تفرغ حمولتها في لبنان بطريقة ملتوية كي لا يتحمل مسؤولية هذه الكمية من الذخائر؟ وهل فعلا أن الفساد وحده وسوء التخزين هو ما أدى إلى وقوع هذه الكارثة؟