هل يعمل اردوغان على تتريك شمال لبنان؟

موطئ قدم للتدخل العثماني الجديد... والسيطرة على موانئ شرق المتوسط الهدف الكبير

* لبنان ما بعد الكارثة البيئية التي وقعت في مرفأ بيروت، أضحى ساحة مفتوحة للتنافس الدولى والإقليمي، بما يحقق لكل طرف مصالحه وأهدافه على حساب مصالح الشعب اللبناني ودولته

* في خضم الأزمات السياسية والمعيشية التي تواجهها الدولة اللبنانية، سعت تركيا لاستثمار هذه الأزمات سواء عبر علاقاتها بجماعات الإسلام السياسي أو عبر توظيف الاحتياجات اليومية للمواطنين بتقديم المساعدات والأعمال الخيرية

* السياسة التركية مع أحلام اليقظة التي يطلقها رجب طيب إردوغان كل يوم بشأن عودة الخلافة العثمانية تحمل هي الأخرى مخاطر جمة

*يحاول إردوغان عبر القوى الناعمة وسلاح المساعدات الإنسانية كتابة تاريخ مزيف يمكنه من عملية اختراقه للبنان

* تقطن في منطقة عكار بالشمال اللبناني «جالية تركمانية» وهم لبنانيون من أصل تركي ما زالوا يتكلمون اللغة التركية ويتمسكون بالعادات والتقاليد التركية، وتحظى بدعم تركي واسع المدى

القاهرة: «تركيا مستعدة لإعادة إعمار مرفأ بيروت والمباني المجاورة له... ومستعدة عبر ميناء مرسين التركي القريب من لبنان لاستقبال الفعاليات التجارية اللبنانية لحين إعادة إعمار مرفأ بيروت، ومن ثم نقل السلع والبضائع بواسطة بواخر صغيرة إلى الموانئ اللبنانية الأخرى»، هذه الكلمات التي جاءت على لسان فؤاد أقطاي نائب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، خلال زيارته إلى العاصمة اللبنانية بيروت في الثامن من أغسطس 2020 على رأس وفد تركي ضم وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، وعقد خلالها لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين وفي مقدمتهم الرئيس اللبناني ميشال عون، عكست المسعى التركي الهادف إلى استكمال ايجاد موطئ قدم لها داخل الدولة اللبنانية، ذلك المسعى الذي يعود إلى ما قبل عشر سنوات منذ الزيارة التي قام بها الرئيس إردوغان حينما كان رئيسا للوزراء عام 2010 إلى لبنان وخص بالتحديد زيارة بلدة الكواشرة في منطقة عكار بالشمال اللبناني، حيث تقطن فيها «جالية تركمانية» (وهم لبنانيون من أصل تركي ما زالوا يتكلمون اللغة التركية ويتمسكون بالعادات والتقاليد التركية)، وتحظى بدعم تركي واسع المدى من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية والاجتماعية لهؤلاء السكان، فضلا عن إنشاء العديد من المدارس التي تدرس اللغة التركية مع تقديم المنح لطلابها لإكمال دراستهم في تركيا.

وفي ضوء ما يجري اليوم في لبنان ما بعد الكارثة البيئية التي وقعت في مرفأ بيروت، أضحى لبنان ساحة مفتوحة للتنافس الدولى والإقليمي سعيًا لكسب مزيد من مواطئ الأقدام داخلها، بما يحقق لكل طرف مصالحه وأهدافه على حساب مصالح الشعب اللبناني ودولته. وفي خضم ذلك يبرز الدور التركي الذي يحاول أن يستغل الأزمات اللبنانية في سبيل ترسيخ وجوده في الشمال اللبناني كساحة تمكنه من تعميق سيطرته على كل من سوريا والعراق، هذا إلى جانب أن وجوده في الشمال اللبناني يساعده في السيطرة على موانئ شرق المتوسط وبسط هيمنته عليه في إطار السياسة التي ينتهجها إردوغان في استعادة الحلم العثماني أو ما أطلق عليه مؤخرًا الوطن الأزرق.

ومن ثم، تبرز جملة من التساؤلات حول الأدوات التي تستخدمها تركيا في بسط سيطرتها على الشمال اللبنانى؟ وإلى أي مدى يمكن أن يساعدها ذلك في ترسيخ وجودها في شرق المتوسط؟ وما هو مواقف الأطراف الأخرى المنغمسة في الأزمات اللبنانية من السياسة التركية؟

وفي إطار الإجابة على هذه التساؤلات، يستعرض التقرير الوجود التركي في لبنان من خلال ثلاثة محاور على النحو الآتي:

 



أكراد لبنانيون يحملون لافتة تحمل صورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 26 يناير 2018 ، خلال مظاهرة بالقرب من السفارة التركية

أولا: لبنان في ظل الخلافة العثمانية... فتن طائفية وصراعات دامية

لم تكن الدولة العثمانية سوى دولة محتلة، استعمرت العديد من الدول العربية، وتركتها وهي محتلة من دول أجنبية أخرى، وقد انتشرت فيها الفتن والخرائب، واستشرى الظلم والفساد بسبب سياستها وضرائبها الباهظة على مواطنيها. فعلى مدار أكثر من أربعة قرون، ظلت الدولة العثمانية، تحكم البلدان العربية والإسلامية، تحت اسم الخلافة، ويروج العثمانيون الجدد الآن لأمجاد وإنجازات وهمية كانت في عهد سلاطين آل عثمان، لكن الحقيقة والتاريخ دائما ما يكذبان كل ذلك.

ولبنان التي غزاها العثمانيون عام 1516 على يد السلطان سليم الأول، لم تكن استثناء من هذه القاعدة التي سطرتها سجلات التاريخ، إذ شهدت لبنان عام 1860 مذابح بين الدروز والموارنة، وهي سلسلة من الأحداث الدامية شهدتها كل من سوريا ولبنان معا، إذ بدأت بثورة الفلاحين الموارنة على الإقطاعيين وملاك الأراضي من الدروز، وسرعان ما امتدت إلى جنوب لبنان حيث تغير طابع النزاع، فبادر الدروز بالهجوم على الموارنة. وبلغ عدد القتلى من المسيحيين في تلك الأحداث نحو 20.000، شخص إضافة إلى دمار أكثر من 380 قرية مسيحية و560 كنيسة. وبالمثل تكبد الدروز والمسلمون خسائر كبيرة كذلك. ففى 3 سبتمبر (أيلول) 1840، عين بشير الثالث أميرا على جبل لبنان من قبل السلطان العثماني عبد المجيد الأول، وزادت الثورات التي أشعلها الفلاحون الموارنة ضد السادة الإقطاعيين من الدروز، فقام السلطان العثماني، بخلع بشير الثالث يوم 13 يناير (كانون الثاني) 1842، وعين عمر باشا كحاكم لجبل لبنان بدلا منه. ولكن هذا التعيين، خلق مشاكل أكثر مما حل. واقترح ممثلو الدول الأوروبية على السلطان تقسيم لبنان إلى مقاطعتين، واحدة للمسيحيين والأخرى للدروز. وفي 7 ديسمبر (كانون الأول) 1842، اعتمد السلطان هذا المقترح وطلب من أسعد باشا، حاكم دمشق، تقسيم المنطقة، إلى منطقتين: منطقة شمالية تحت حاكم نائب مسيحي وجنوبية تحت سلطة نائب درزي. وعرف هذا الترتيب باسم «القائمقامية المزدوجة»، وتبع كلا المسؤولين حاكم صيدا، الذي بدأ يقيم في بيروت، واعتبر طريق بيروت-دمشق السريع الخط الفاصل بين هاتين المقاطعتين.

ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل كانت آخر مشاهد الاحتلال العثماني للبنان كئيبة ومأساوية، ففي ساحة البرج (الشهداء حاليا) ببيروت، قام الأتراك بين عامي 1915 و1917 بشنق عشرات المثقفين من القوميين العرب لمطالبتهم بالاستقلال عن إسطنبول. وفي جبل لبنان، فرض على اللبنانيين طوال فترة الحرب العالمية الاولى (1914-1918) حصار بري ثقيل من قوات الجيش العثماني، أدى إلى إدخالهم في مجاعة غير مسبوقة، أهلكت نحو 200 ألف شخص منهم دفعة واحدة.

تكشف هذه اللمحة التاريخية عن وضع لبنان في ظل الخلافة العثمانية عن واقع أليم عاشه لبنان كما غيره من شعوب المنطقة العربية، فلم تكن الخلافة العثمانية التي يتشدق بها إردوغان وأذنابه إلا سببا في تخلف شعوب المنطقة ومعاناتها في سبيل نهضة تركيا وتقدمها، إذ استغلت القدرات والإمكانات العربية من أجل توسيع حدود إمبراطوريتها على حساب تعليم الشعوب وتقدمها وصحتها.

ولذا يحاول إردوغان اليوم عبر القوى الناعمة وسلاح المساعدات الإنسانية أن يطمس هذا التاريخ الموثق بالصور وشهادات الشهود، في محاولة لكتابة تاريخ مزيف يمكنه من عملية اختراقه للبنان كما عبرت عن ذلك كلمة الرئيس اللبناني ميشال عون في 31 أغسطس 2019، حينما ذكّر فيها «أفراد الشعب اللبناني بآلاف الضحايا من أجدادهم، الذين قتلهم العثمانيون بالمجاعة والتجنيد والسخرة»، وذلك تعقيبا على الاتهامات التي وجهها وزير الداخلية اللبناني السابق محمد فهمي إلى  تركيا صراحة بدعمها عناصر تخريبية في المظاهرات التي عاشتها لبنان عام 2019، حيث كشف عن توقيف السلطات الأمنية اللبنانية أربعة أشخاص كانوا على متن طائرة خاصة تركية ينقلون 4 ملايين دولار، ورجح وقتها أن الهدف من هذا المال إما رغبة من تركيا في التلاعب بسعر الدولار، وإما لتغذية تحركات عنفية معينة في الشارع.

ولم يقتصر الأمر على لبنان فحسب، بل بالنظر الدقيق إلى السياسة التركية في المنطقة نجد ثمة تشابها لما تمارسه في لبنان مع ما تقوم به تركيا في كثير من الدول العربية ولعل أبرزها ما يجرى اليوم في ليبيا، إذ يتبنى العثماني الجديد ذات النهج في خطابه بشأن عودة الخلافة ومحاولاته توظيف أدواته الناعمة وخطاباته الخادعة في تعزيز وجوده داخل الدولة الليبية وهو ما يقابل برفض واسع من القوى الليبية الوطنية التي ترفض مثل هذه الخطابات الخادعة ملتحمة في ذلك بموقف عربي رافض لمزيد من الوجود التركي في الأراضي الليبية.

 



تركيا تقدم المساعدات للبنانيين من خلال استحداثها لمكاتب تابعة للوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)

ثانياً: الأقلية التركمانية في لبنان... مدخل للوجود التركي

في خضم الأزمات السياسية والمعيشية التي تواجهها الدولة اللبنانية، سعت تركيا لاستثمار هذه الأزمات سواء عبر علاقاتها بجماعات الإسلام السياسي أو عبر توظيف الاحتياجات اليومية للمواطنين بتقديم المساعدات والأعمال الخيرية من خلال استحداثها لمكاتب تابعة للوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) أو عبر الاقتصاد من خلال تأسيس شركات ووكالات، وذلك في مناطق الشمال اللبناني الذي يقطنه الأقليات التركمانية كما سبقت الإشارة. بل جاءت الدعوة التي أعلنها وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو عن استعداد بلاده منح الجنسية التركية لمواطنين لبنانيين، وذلك بقوله: «نقف مع أقربائنا من الأتراك والتركمان في لبنان، وحول العالم، سنمنح الجنسية التركية لأشقائنا الذين يقولون: نحن أتراك أو تركمان ويعبرون عن رغبتهم بأن يصبحوا مواطنين»، ليؤكد على أن السخاء التركي في تعامله مع الشعب اللبناني يكشف عن الأهداف الحقيقية وراء الوجود التركي، إذ ما الهدف من منح الجنسية التركية لمواطنين لبنانيين يتمتعون بكامل حقوقهم الوطنية في بلادهم؟ وتأتي الإجابة في أن تركيا تسعى إلى خلق ولاء لدى هؤلاء اللبنانيين من أصول تركية للدولة التركية على حساب ولائهم للدولة اللبنانية. إذ يذكر أنه وفقا لدراسة قام بها مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية (أورسام) التركي مطلع 2019؛ عن الواقع العثماني في لبنان؛ تحت عنوان «الأتراك المنسيون.. الوجود التركي في لبنان»، وخلصت إلى أن العنصر التركي في لبنان مقسم إلى عدة مجموعات، هي:

تركمان عكار، وهم القاطنون في قريتين مجاورتين للقبيات.

وتركمان بعلبك، الموجودون في تجمعات سكانية في وادي البقاع وفي قرية محاذية للحدود السورية في الهرمل.

وتركمان الضني، الذين يقطنون قريتين في القضاء.

وأتراك كريت، الذين يسكنون طرابلس، بعدما قدموا إليها من جزيرة كريت اليونانية.

إضافةً إلى الماردينيين، وهم الذين هجروا إلى لبنان من تركيا في القرن الماضي.

وتركمان سوريا الذين استوطنوا مناطق تركمانية في بعلبك وعكار بعد الحرب في سوريا.

ومن ثم، فإن هؤلاء يمكن أن يصبحوا مواطنين أتراكا إذا ما حصلوا على الجنسية التركية إلى جانب جنسيتهم اللبنانية. ومنذ ذلك الحين تزايد الاهتمام التركي بالتواصل مع هذه المجموعات سواء عبر زيارات المسؤولين إلى مناطقهم أو عبر تقديم المزيد من الدعم والمساندة لهم.

ومن الجدير بالإشارة أن الدور التركي في لبنان لم يكن دوراً منفرداً، وإنما جاء بالتنسيق مع دور قطري عبر الجماعات التي تدور في فلك جماعة الإخوان الإرهابية في لبنان، إذ شهدت المساعدات والمعونات المقدمة إلى الشعب اللبناني تنسيقا تركيا قطريا عبر هذه الجماعات.

وفي السياق ذاته، يذكر أيضا أن تركيا حاولت توسيع وجودها داخل لبنان للتمدد جنوبا في اتّجاه مدينة صيدا من خلال البوّابة الصحية عبر مستشفى متخصص في معالجة الحروق ساهمت تركيا في بنائه، إلا أن هذه المحاولة لم تتوسّع كثيراً كما هي الحال بالنسبة لشمال لبنان، نظرا لأن التواصل الجغرافي مع مناطق الشمال أقرب وأسهل من الجنوب من ناحية، كما أن ضعف الوجود السني في الجنوب لم يمكنها من تعميق وجودها من ناحية أخرى، إذ كما هو معلوم فإن الجنوب اللبناني يغلب عليه الوجود الشيعي الذي يحظى بدعم ومساندة إيرانية واسعة بما يحول دون التوسع التركي في مثل هذه المناطق.

وغني عن القول إن الوجود التركي في لبنان يتمحور حول مجموعة من الأهداف الاستراتيجية المتعلّقة بمشاريع الطاقة والغاز في شرق المتوسط، إذ تحاول تركيا من خلال إقامتها بُنياناً اجتماعياً وتنظيمياً في الشمال اللبناني أن تفرض نفسها عبر وكلائها كقوّة مؤثّرة داخل الدولة اللبنانية بما يؤثر على قراراتها وسياساتها  في مجال الطاقة بما يمهد لتوقيع اتفاقات في هذا المجال بما يصب في تحقيق الرؤية التركية لاستغلال ثروات وموارد شرق المتوسط على حساب مصالح وحقوق شعوب هذه المنطقة.



فؤاد أقطاي في ميناء بيروت

ثالثاً: الوجود التركي... والمواجهة المطلوبة

أدى توقف العمل بمرفأ بيروت بعد الانفجار الذي دمر الجزء الأكبر منه، تجهيز مرفأ طرابلس، شمالي لبنان، لتأمين العمليات التجارية من استيراد وتصدير، خاصة أن نحو 70 في المائة من استيراد لبنان كان يتم عبر مرفأ بيروت، الأمر الذي فتح المجال لأهمية التحرك في مواجهة تزايد الدور التركي داخل لبنان، إذ إن اللجوء إلى مرفأ طرابلس في الشمال اللبناني يعني ميل الكفة لصالح تركيا في مواجهة الأطراف الأخرى الرافضة لهذا الوجود وفي مقدمتها فرنسا التي سارع رئيسها بالزيارة عقب الانفجار مباشرة، إذ كان أول رئيس يزور لبنان بعد الانفجار، وقد أعقبها مباشرة زيارة نائب الرئيس التركي التي سبقت الإشارة إليها، لتتولى زيارات المسؤولين ليس فقط من البلدين (تركيا وفرنسا) وإنما دخلت أطراف أخرى على الخط بزيارات لمسؤوليها، منها الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، كما قام وزير الخارجية المصري سامح شكري بزيارة إلى لبنان عقب الأحداث مع فتح جسر مصري من المساعدات المستمرة إلى الدولة اللبنانية، وكان ثمة دور إماراتي وسعودي أيضاً في هذا المضمار؛ إذ يمكن القول إن ما جرى في بيروت كشف عن اصطفافين متنافسين؛ الاصطفاف الأول جمع تركيا وقطر ومن يدور في فلكهما، والثاني جمع فرنسا ومصر والإمارات والسعودية.

ومن ثم، كشفت الأزمة اللبنانية الأخيرة عن حقائق مهمة يمكن رصدها في ثلاث نقاط:

الأولى: تتعلق بالداخل اللبناني، فما جرى كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال في المثل، لأن لبنان كانت تعيش منذ شهور أزمة سياسية طاحنة، مع فشل الحكومات اللبنانية في تلبية طموحات المواطنين، فكانت لبنان تعيش أزمة معيشية سابقة على أزمة كوفيد-19 التي أدت إلى تعقيد أبعاد الأزمة وزيادة تركيبتها. وجاء الانفجار الأخير ليضع الكل أمام مسؤوليته عما آلت إليه الأوضاع الداخلية اللبنانية؛ إذ وصلت إلى حافة الهاوية. ولذا فإن ثمة ضرورة ملحة لإعادة النظر في النظام السياسي اللبناني ذلك النظام القائم على الطائفية التي لم تعد صالحة للتعامل مع أزمات الداخل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومعيشيا.

الثانية: تتعلق بالفواعل الإقليمية اللاعبة في الداخل اللبناني، تلك الفواعل التي تسعى إلى تحقيق مصالحها ومصالح وكيلها اللبناني على حساب مصالح الشعب، الأمر الذي يستوجب أن تكون هناك مقاربة عربية جديدة في التعامل مع الدولة اللبنانية، فلا يمكن أن يترك لبنان كما ترك العراق من قبل للفواعل الإقليمية (تركيا وإيران وإسرائيل)، بل ثمة دور عربي مطلوب على وجه السرعة للتعامل مع الأزمة اللبنانية قبل أن تتفاقم أبعادها وينفك عقدها، حينذاك ستكون ثمة صعوبة في استعادة الدولة اللبنانية كدولة وطنية لا تزال متماسكة الأركان، ويمكن في هذا الصدد أن يكون ثمة دور (سعودي- مصري) يسهم في حل الأزمة وإيجاد مخرج لتعقيداتها، انطلاقا من الدور التاريخي للمملكة في حماية الأمن اللبناني إلى جانب علاقاتها الممتدة، خاصة مع  الطائفة السنية، فضلا عن دور مصري الآن يكون مقبولا من كافة الأطراف اللبنانية بل والدولية الفاعلة في الأزمة اللبنانية ويقصد به تحديدا فرنسا، بما يجعل من إمكانية أن تكون ثمة مبادرة مصرية سعودية للأزمة اللبنانية أقرب المبادرات إلى القبول من الأطراف كافة.

 

أما النقطة الثالثة والأخيرة التي كشفت عنها أزمة لبنان، فهي أن ثمة خطورة متزايدة بشأن السياسة التركية في المنطقة، فإذا كان صحيحا أن السياسة الإيرانية تتزايد مخاطرها يوما بعد يوم، سواء تجاه أمن الخليج بصفة خاصة وفي بعض الدول العربية التي يتواجد فيها وكلاؤها كما هو الحال في العراق واليمن وسوريا ولبنان من ناحية أخرى، إلا أنه من الصحيح كذلك أن السياسة التركية مع أحلام اليقظة التي يطلقها رجب طيب إردوغان كل يوم بشأن عودة الخلافة العثمانية تحمل هي الأخرى مخاطر جمة، فالوجود التركي في لبنان وخاصة في المنطقة الشمالية بحكم وجود الأقلية التركمانية التي تم توظيفها من أجل ترسيخ موطئ قدم لها، يستوجب تسليط الضوء على هذا الوجود وفضحه وكشف أهدافه الخبيثة وتأثيراته السلبية على الأمن اللبنانى.

خلاصة القول إن الوجود التركي في لبنان عبر استغلال أزماته ومشكلاته وخاصة في المنطقة الشمالية يتطلب مقاربات مغايرة في كيفية التعامل مع هذا الوجود، لأن التحرك التركي في عديد من الملفات في منطقة شرق المتوسط أضحى يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين لدولها.