بين الأمن الوطني والأمن القومي... أين الجامعة العربية؟

* نحن اليوم أحوج ما نكون لإعادة إحياء العمل المشترك، بما يتناسب مع حجم التحديات ولا يتعارض مع حق كل دولة برسم سياساتها وسيادتها الكاملة على قراراتها، وإلا فلنعلن نهاية حقبة العمل العربي المشترك، ولندفن موتانا

فأجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم بإعلان التوصل لاتفاق سلام بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، في وقت يعيش فيه العالم العربي أزمات ونكبات ومخاطر تهدد دوله وحدوده بالشكل الذي عرفناه في المائة سنة الأخيرة، بل ووجوده في بعض الأماكن.
وقعت«صدمة»الإعلان على الجميع، فسارع كل من موقعه باتخاذ موقف من هذا الإعلان بين مرحب ومندد بالاتفاق، وصولا إلى التخوين والتهديد.
مواقف البعض انطلقت من حق كل دولة في تقرير مصيرها واتباع السياسة التي تناسبها، وأن أحداً لا يملك الحق بفرض رؤيته على دولة ذات سيادة هي وحدها الأقدرعلى اتخاذ ما يناسبها من قرارات.
فيما رأى البعض الآخر أن الإمارات بقبولها توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل إنما تتخلى عن دعم الفلسطينيين وحقهم، بل ووصل الأمرباتهامها بخيانة القضية الفلسطينية، بينما التاريخ القريب يقول عكس ذلك، فلا مصر تخلت عن دعم قضية فلسطين ولا الأردن فعلت بعد توقيعهما اتفاقي سلام منفصلين.
هذا الإعلان وما رافقه من ردود أفعال، أضاء على إشكاليتين أساسيتين يعاني منهما العالم العربي، ولا يمكن حل إحداهما بمعزل عن الأخرى.
الإشكالية الأولى هي غياب شبه كامل لجامعة الدول العربية عن معظم ما يحصل في الدول الأعضاء، فما هو دور الجامعة؟ وأين أصبح العمل العربي المشترك؟ صحيح أن لكل دولة الحق باتخاذ القرارات التي ترى أنها تلائم رؤيتها ومصالحها، وصحيح أن الخطوة التي أقدمت عليها الإمارات خطوة جريئة، وتتعلق بالإمارات أولا، وتصب في مصلحتها اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، ولكن ألم تطرح هذه الخطوة تساؤلا عن جدوى وجود جامعة الدول العربية، وإن كان من حق أي دولة اتخاذ قرارات منفردة، خصوصا إن كان تأثيرها سيطال الجميع؟
فشل هذه المؤسسة ليس وليد اللحظة، فهي لم تستطع مواكبة الربيع العربي، وما زالت بعد عشر سنوات على انطلاق الثورات في الشارع العربي مرتبكة وتتصرف بعقلية أنظمة سقطت، ألم يحن الوقت لإعادة النظر بعملها، وفتح النقاش الجدي لاتخاذ قرار إما بتطويرها وإبداع آليات عمل تلائم التغيرات الكبيرة التي طرأت على الدول العربية وعلاقاتها ببعضها البعض منذ تأسيس الجامعة، وإما بحلها وآخر الحلول الكي كما يُقال.
أما الإشكالية الثانية والتي تستحق أخذها بالاعتبار قبل اتخاذ موقف من اتفاقية السلام بين الإمارات وإسرائيل، فهي المخاطر التي تهدد الدول العربية مجتمعة وكل على حدا، ففي ظل موت سريري تعيشه الجامعة، وغياب شبه كامل للتنسيق بين دولها الأعضاء، بل وخلافات تكاد تكون العامل الأساسي لعلاقات الدول العربية بعضها ببعض، وبروز ثلاث قوى توسعية أخذت تهيمن كل منها على الكثير من الدول العربية، إن عبر اتفاقات دفاعية واقتصادية وثقافية كتركيا، أو عبر دعم الميليشيات وزعزعة أمن واستقرار الدول المعنية كإيران، أو كإسرائيل بالاحتلال الواضح والصريح لأراض فلسطينية وسورية ولبنانية، ألا يحق لكل دولة أن تتصالح مع من لا ترى أنه يشكل خطرا حقيقيا عليها، بل وقد يسهم الاتفاق بينهما على ضمان أمن وحماية مصالح كل منهما؟
لقد بات العالم العربي أكثر تجزئة، وباتت القوى الثلاث أي إسرائيل وإيران وتركيا، كل يحاول أن يهيمن على أكبر عدد من الدول والمجموعات، وها هم يتصارعون ويتقاسمون ويرسمون حدودهم في المتوسط، في ظل غياب شبه تام لدور عربي فاعل.
من البديهي أن تختلف تراتبية هذه القوى وما تشكله من خطر على هويتنا وثقافتنا بين دولة وأخرى، ومن البديهي بل والمفيد أيضا أن لا تعلو مصلحة فوق المصلحة الوطنية لكل دولة، ولكن هذا لا ينفي أننا جميعا في خطر ولو اختلفت درجة الخطورة، وما لم نحسم أمرنا بأن ما يجمعنا من مصالح مشتركة وما يهددنا من مخاطر أكبر مما يفرقنا، وما لم نجد آلية عمل مشتركة تتلاءم مع تحديات العصر وتحترم خصوصية كل دولة وسيادتها على أرضها وقراراتها، دون أن يعني ذلك أن أحدا يملك الحق للسيطرة على قرار الآخر. وللتذكير فإن أكثر من عانوا من مصادرة قرارهم المستقل هم الفلسطينيون، عندما صادرت قوى الممانعة حقهم بتقرير مصيرهم، واعتبرت نفسها وصية على فلسطين وقضيتها.
نحن اليوم أحوج ما نكون لإعادة إحياء العمل المشترك، بما يتناسب مع حجم التحديات ولا يتعارض مع حق كل دولة برسم سياساتها وسيادتها الكاملة على قراراتها، وإلا فلنعلن نهاية حقبة العمل العربي المشترك، ولندفن موتانا، ولكن حذار من أن يقول كل يوم واحد منا «أكلنا يوم أكل الثور الأبيض»، ولا تنسوا سوريا اليوم، فهي مثال حي لدولة تتناهشها يوميا القوى الثلاث وأكثر.