أهالي قريتين في شمال لبنان: لن ننسى جذورنا التركية

الأعلام التركية ترفرف فوق الأسطح وشرفات المنازل في الكواشرة وعيدمون
* يمكن لمن يزور بلدتي الكواشرة وعيدمون أن تتقاطع أمامه كلمة تركيّة من هنا، وأخرى عريبة من هناك
* الدولة التركية قامت بتقديم دعم إنمائي كبير لبلدة عيدمون على غرار ما قدمته لبلدية الكواشرة، وكل مسؤول تركي يزور لبنان يحرص على زيارة الكواشرة

 
بيروت: هي ليست واحدة من القرى التركية بل بلدة في عكار بشمال لبنان يتحدث أهلها اللغة التركية القديمة إلى جانب لغتهم العربية، ورغم مرور مئات السنوات على مغادرتهم موطنهم الأصلي إلا أنهم ما زالوا يتمسكون بجذورهم من العادات والزيّ والطعام وحتّى نمط الحياة، فثمة مزيج في بلدة الكواشرة بين الثقافة التركية والتقاليد اللبنانية.
وفق الرواية الأكثر تداولاً، فإن تركمان لبنان، هم من جذور تركية تعود إلى 400 عام، جاءوا إلى لبنان مع السلطان العثماني سليم الأول، وشكلوا معه «خط إمداد»للجيوش التركية في تلك الحقبة، واستمروا في التمدد بفعل التزاوج فيما بينهم.
 
تواصل وتعاون بين تركيا والتركمان
أما في بلدة الكواشرة العكارية، فيقول رئيس البلدية محمد عبد الكريم محمد، في حديث لـ«المجلة»إن «السلطات العثمانية جاءت ببعض العائلات وثبتتهم في المحلة لتحقيق هدفين الأول تمثل بحماية طريق الحجاز الذي يمر عبره الحجاج، والهدف الثاني كان من أجل مراقبة الخلافات التي كانت تنشب بين بعض آل مرعبي وآل جعفر».
وعند انسحاب الأتراك من لبنان بعد انكسار السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، كان الأهالي قد انسجموا مع المحيط وقرروا البقاء في أماكنهم، لذا يوضح محمد أن خارطة توزع «التركمان تشمل إلى جانب لبنان، كلا من سوريا والأردن وفلسطين».
ولفت محمد إلى أنه «في أواخر الثمانينات علمت السفارة التركية في لبنان بوجود قريتين من أصل تركي فمدت جسور التواصل، وبدأت بتقديم المشاريع الإنمائية، حيث قامت مؤخراً بتشييد مبنى جديد للثانوية وقاعة عزاء في المسجد ومشروع شبكة مياه مع بئر ارتوازي».
 
المحافظة على اللغة الأم
ولا تختلف بلدة الكواشرة التي يزيد عدد سكانها على ثلاثة آلاف نسمة عن جارتها بلدة عيدمون التي يعود أصل سكانها كذلك إلى تركيا، فالأعلام التركية ترفرف فوق أسطح بعض الأبنية وعلى شرفات المنازل، كما يمكن للزائر ملاحظة تشابه مبنى مدرسة عيدمون التكميلية الرسمية مع فن العمارة التركي، حيث قامت الحكومة التركية بتشيدها، إلا أن الاختلاف بين القريتين يظهر في نسبة المتحدثين باللغة التركية حيث تتضاءلُ في عيدمون وتكاد تقتصر على  كبار السنّ، فيما يمكن القول إن الكواشرة الأكثر محافظةً على «تركمانيّتها».
وأضاف محمد أن «السفارة التركية تهتم بتعليم اللغة التركية، حيث أرسلت أستاذا منذ ثماني سنوات لإعطاء الطلاب دروساً في اللغة. كما تقدم منحاً جامعية للمتفوقين في البلدتين». وتابع محمد أنه «منذ ذلك الحين بدأت الدولة التركية تقدم الخدمات، وبعد إنشاء بلدية للبلدة جرى توطيد العلاقة وكلمسؤول تركي يزور لبنان يحرص على زيارة الكواشرة».
وهذا ما حدث عام 2009 عندما زار وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو البلدة، وترك وراءه نصبا تذكاريا، كما زارها رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب إردوغان عام 2010. وفي 8 أغسطس (آب) الحالي، قام رئيس هيئة الإغاثة وإدارة الكوارث التركية محمد غولوأوغلو، ورئيس مكتب وكالة التنمية التركية في بيروت أورهان أيدن بزيارة إلى البلدة على أثر انفجار مرفأ بيروت.
 
البُعد السياسي للعلاقة
ويشدد محمد على ضرورة«إبعاد العامل السياسي عن العلاقة بيننا وبين تركيا»، وأشار إلى أن «الجانب التركي يوضح مراراً لأبناء البلدة أنه لا يتدخل بالشؤون الداخلية اللبنانية ويشددون على أن أبناء البلدة لهم كامل الحرية في تحديد خياراتهم السياسية».
وعن الانتماء السياسي لأهالي البلدة، أشار محمد إلى أن «أكثر من 85 في المائة من أبناء البلدة يوالون تيار المستقبل».
 
الطابع الاجتماعي 
ويمكن لمن يزور بلدتي الكواشرة وعيدمون أن تتقاطع أمامه كلمة تركيّة من هنا، وأخرى عريبة من هناك. كما يمكن له أن يسمع صدى الأغاني التركية الصادرة من المنازل، كما أنهم يستخدمون هذه الأغاني في الأعراس والحفلات التي تُقام في ساحات القرية.
إلا أن التشابه لا يشمل الجانب الاجتماعي في جميع النواحي، حيث يعمل أهالي الكواشرة بشكل أساسي في القطاع الزراعي وتربية المواشي، ويرغب القليل من أهالي البلدة بمواصلة تعليمهم ويفضل الكثير منهم العمل في القرية أو الانضمام إلى صفوف الجيش اللبناني. وفي المقابل، فإن أهالي بلدة عيدمون قاموا معظمهم بإكمال تعليمهم، لذا هناك أعداد كبيرة من أصحاب الشهادات في الطب والهندسة وغيرها، بحسب ما قال مختار بلدة عيدمون عمر عبد القادر في حديث خاص لـ«المجلة».
ولفت عبد القادر إلى أن «الدولة التركية قامت بتقديم دعم إنمائي كبير لبلدة عيدمون على غرار ما قدمته لبلدية الكواشرة».
 
الانتماء والهوية
ورغم الجذور التركية التي يتفاخر بها أبناء البلدين إلا أنهم لا يحملون الجنسية التركية، ويقول ابن بلدة عيدمون طارق الحاج في حديث لـ«المجلة»إن «انتمائي الأول وولائي هو لوطني لبنان، فنحن ولدنا في هذا البلد، وعلى الصعيد الشخصي فقد خدمت في الجيش اللبناني ولدي قسم شرف تجاه هذا الوطن». وأضاف الحاج: «ذلك لا يعني أننا نخفي العلاقة المميزة والمحبة التي تربطنا بتركيا، خصوصاً أنها قامت بتقديم العديد من المشاريع التي أنعشت المنطقة».
وفي السياق عينه، قال مختار عيدمون السابق محمد خضر الحاج في حديث لـ«المجلة»إن «علاقة أهالي البلدة مع تركيا هي علاقة أهل وأخوة». وأضاف الرجل الثمانيني أن «علاقتنا وانتماءنا لتركيا متين، كما نقدر للحكومة التركية مواقفها تجاهنا، إنما اليوم نحن لبنانيون ونفتخر بلبنانيتنا ولا ننسى جذورنا التركية».
هكذا يبدو أن أنقرة تسعى في السنوات الأخيرة إلى مدّ جسور التعاون مع أبنائها في لبنان، وحرصت أنقرة على أن يحمل هذا التعاون فائدة كبيرة لأهالي البلدة، فقامت بتقديم المشاريع الإنمائية المختلفة وتفعيل الزيارات الرسمية، بحيث لا يخلو جدول أعمال زيارة أي مسؤول تركي إلى لبنان من مروره على هذه البلدات. وهذا ما يرى فيه التركمان، وخصوصاً الشباب منهم، فرصة تمكنهم من تحسين واقعهم المعيشي والحياتي وتفتح لهم أبواب الهجرة، في بلد يعاني فيه أبناؤه من ظروف قاسية ويحلم شبابه بغدٍ أفضل مدركين أنه صعب المنال في وطنهم.