هل تملك القاهرة والخرطوم وسائل لمواجهة أديس أبابا؟

بعد الاستفزاز الإثيوبي الأخير وإعلان موعد الملء الثاني لخزان سد النهضة
* هناك وسائل أخرى غير الحرب أمام مصر والسودان مثل مساندة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي 
* عندما تبدأ إثيوبيا عملية الملء الثاني يجب على مصر والسودان استدعاء جميع الوسائل السلمية الممكنة بعيدا عن عدم الاكتراث 
* إثيوبيا أعلنت عن بدء الملء الثاني في أغسطس القادم ومعنى هذا أننا أمام عام كامل على الملء الثاني
* رغم عدم قناعتنا التامة بقدرة الاتحاد الأفريقي على حل القضية إلا أننا رحبنا بوساطته 
* الحكومة الإثيوبية تصدر لشعبها أن سبب التأخير في إنجاز السد هو محاولات القاهرة إفشال مشروعها

القاهرة: مع ما أثارته تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد حول اعتزام بلاده تنفيذ المرحلة الثانية من ملء خزان سد النهضة الإثيوبي، والتي تبلغ حوالي 18 مليار متر مكعب من المياه، بعد نجاحها في تعبئة الملء الأول والذي قدرت قيمته بحوالي 5 مليارات متر مكعب، جميعها تتم خصما من حصة مصر والسودان في مياه النيل، حيث تقدر حصة مصر من المياه بحوالي 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا، فيما باتت حصة السودان تقدر بحوالي 18 مليار متر مكعب سنويا، بدت تساؤلات مشروعة، حول جدوى المفاوضات الجارية بين الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا) حول أزمة سد النهضة، خاصة فيما يتعلق بعمليات الملء والتخزين، وتشغيل السد والتباحث حول التصريف المائي في سنوات الجفاف، والجفاف الممتد، في ظل التعنت الإثيوبي الرافض لجميع الحلول، وإصراره على اتخاذ الإجراءات الأحادية فيما يتعلق بالملء الأول لخزان السد والذي تم دون الرجوع للشركاء، وإعلانه البدء في الملء الثاني خلال أغسطس (آب) القادم بتخزين حوالي 18 مليار متر مكعب إضافي، وهو ما يؤثر سلبا على المصالح المائية لمصر والسودان إضافة إلى الأضرار الأخرى المترتبة على القحط والجفاف، وهو ما دفع «المجلة»لاستطلاع آراء عدد من الخبراء والمتخصصين، حول الوسائل التي تمتلكها كل من مصر والسودان، والتي تمكنهما من الردع، والرد على الجانب الإثيوبي، بما يجبره على الرضوخ في النهاية لصوت العقل والقبول بحلول يتوافق عليها جميع الأطراف وعدم اتخاذ إجراءات أحادية مستقبلا، خاصة في ظل استمرار المفاوضات بين الأطراف الثلاثة، برعاية الاتحاد الأفريقي، وإصرار مصر على تمسكها بالمسار التفاوضي، واستبعاد الخيار العسكري طبقا للتصريحات التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي باستبعاد العمل العسكري، أم إن التعنت الإثيوبي يأتي من قبيل أن مصر والسودان لا تملكان هذه الوسائل، وأن الخيارات التي أصبحت تحت أيديهما باتت قليلة وضعيفة؟ 

 




رئيس وزراء إثيوبيا هايلي مريم ديسالين (وسط) والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (يمين) والرئيس السوداني عمر البشير (إلى اليسار) ضمن محادثات سد النيل في أديس أبابا.، إثيوبيا في 29 يناير 2018 

 


 
وسائل غير واضحة ومحدودة 
في البداية، قال وزير الري الأسبق الدكتور محمود أبو زيد في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: الآن هناك مشاركة بين الدول الثلاث لحل الأزمة من خلال التباحث والتفاوض لأن الحرب في هذه الأزمة ليس لها معنى، وهو حل غير وارد، ولكن هناك وسائل أخرى غير الحرب مثل مساندة الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي لمصر والسودان في سبيل السعي للوصول إلى حل للأزمة يتفق عليه الأطراف الثلاثة، وأعتقد أنهم قد يكونون من أهم وسائل الدفع، والضغط لحل الأزمة، وبعد ذلك يمكن اللجوء لمجلس الأمن، ولكن مسألة حل الأزمة عن طريق إدارة حرب هو أمر مستبعد، فكل وسائل الرد والردع المتاحة أمام كل من مصر والسودان هي وسائل سياسية ودبلوماسية فقط، ولكن المشكلة أننا لابد أن نقيم مسألة قيام الجانب الإثيوبي بالبدء في عملية الملء الثاني لخزان السد، حيث يمكنهم القيام بالملء بما يزيد على 5 مليارات متر مكعب من المياه، وحتى 18 مليار متر مكعب، وما يمكن عمله غير المفاوضات والمباحثات، فعندما تبدأ إثيوبيا في عملية الملء يجب على مصر والسودان استدعاء جميع الوسائل السلمية الممكنة، بعيدا عن محل عدم الاكتراث وعدم الاهتمام، لأنه عند القيام بعملية الملء الثاني لا أرى أن هناك وسائل رادعة بشكل قاطع غير ما أشرنا إليه بضرورة ضغط الجهات والمنظمات الدولية على الجانب الإثيوبي، ولكن الفكرة أنه لا بد من معرفة مدى تأثير الملء الثاني على دولتي المصب مصر والسودان، كما أرى أنه إذا ما تعنت الجانب الإثيوبي ونفذ إعلانه ببدء الملء الثاني في أغسطس (آب) القادم، فإن الخيارات التي قد تملكها مصر والسودان هي خيارات بسيطة جدا وقليلة، ولكن من الممكن لمصر والسودان بخلاف المضي في المفاوضات محاولة إقناع الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي بالضغط على الجانب الإثيوبي، وبلا شك قد تكون هذه هي إحدى الوسائل الفعالة، كما أن موضوع المباحثات قد يستمر لعدة سنوات، ولكن عند بدء الملء ما هو الممكن عمله؟ الأمور جميعها ليست واضحة، فالوسائل المتاحة غير مؤثرة، وقيام الحرب، أو هدم السد هو أمر غير وارد لآثاره السلبية أيضا على مصر، ولكن لا بد من إيجاد وسائل ضغط خارجية ممن لهم علاقات جيدة مع مصر للضغط على إثيوبيا، ويأتي ضمن وسائل الضغط هذه الوسائل الاقتصادية والسياسية، كي يرضخ الجانب الإثيوبي من أجل الوصول إلى حل، ولكن في النهاية كل الوسائل التي تملكها كل من مصر والسودان هي وسائل محدودة.

 




صورة من الأقمار الصناعية لسد النهضة ونهر النيل الأزرق في إثيوبيا (رويترز)

 


 
عام كامل من العمل والتفاوض 
فيما قال المتحدث باسم وزارة الري المصرية، محمد السباعي، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: إثيوبيا أعلنت عن بدء الملء الثاني في أغسطس القادم، ومعنى هذا أننا أمام عام كامل على الملء الثاني، ونحن نسعى حاليا من خلال المفاوضات للوصول إلى حلول للأزمة وقد تستجد خلال هذه الفترة أشياء كثيرة جدا، وعلينا الآن الاستمرار في المفاوضات لإحراز نتائج، ونحن نعمل في واقع عملي وهو التفاوض وعندما نتحدث عما يمكن أن تفعله مصر في حال فشل المفاوضات؟ فهذا يعني عمليا أن هناك نية لإفشال المفاوضات، ولن يكون هناك داع لاستمرار التفاوض أصلا، ولذلك لا يمكن التطرق للحديث عن فشل عملية التفاوض حاليا، وعلينا انتظار نتائج المفاوضات، ولا يزال أمامنا عام كامل من العمل والتفاوض. 
 
السد غير جاهز للعمل... واستخدامات سياسية للملء الأول 
من جانبه، قال خبير المياه وأستاذ الموارد المائية بكلية الدراسات الأفريقية الدكتور عباس الشراقي، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: مصر تقوم الآن بإجراءات لردع الجانب الإثيوبي، لأنه بالنسبة لمصر فإن تخزين 5 مليارات متر مكعب من المياه مثله تماما مثل تخزين 18 مليار متر مكعب أو أكثر، لأنه ملء دون اتفاق، المسألة تخضع للمبدأ، ومصر لم تسع حاليا للتصعيد بسبب سير المفاوضات، لأن الغرض منها هو الوصول إلى اتفاق، وعندما نصل لاتفاق يصبح التخزين شيئا ثانويا، وإذا لم نصل إلى اتفاق تكون الـ5 مليارات متر مكعب من المياه بمثابة تخزين غير قانوني، وما نقصده أن الإجراءات المصرية لردع إثيوبيا تتمثل في وسائل متعددة يأتي الحل العسكري آخرها، لأن مصر ملتزمة حتى الآن بالشرعية الدولية ومتمسكة بالمفاوضات، وحاليا استبعدت مصر الخيار العسكري على الرغم من أنه كانت جميع الحلول مطروحة خلال السنوات السابقة، ولكننا نتمسك حاليا بالمفاوضات والتي تتم تحت إشراف الاتحاد الأفريقي، رغم عدم قناعتنا التامة بقدرة الاتحاد الأفريقي على حل القضية إلا أننا رحبنا بذلك، بعد تقديم خطابات لمجلس الأمن، وذلك حتى نستنفذ جميع الخطوات أمام المجتمع الدولي رغم تفضيلنا تولي مجلس الأمن هذا الأمر، لأنه عن طريق مجلس الأمن تكون جميع الخيارات موجودة بما فيها اعتماد الخيار العسكري، والذي لا أعتقد اللجوء إليه، ومصر الآن في كامل قوتها إضافة إلى علاقات مصر الدولية الكبيرة، واعتماد قوة الجيش وحده لا تكفي، لأننا نسعى لاصطفاف المجتمع الدولي معنا خاصة بعد أن أصبح الجانب السوداني مساندا للموقف المصري بعدما كان مساندا للجانب الإثيوبي، ولكن عندما شعر السودان بالخطر أصبحت رؤيته قريبة جدا من الرؤية المصرية، وأنه لا بد من وجود اتفاق ملزم، وضرورة المشاركة في التشغيل، كل هذه الأشياء تنبه لها السودان مؤخرا بعدما شعر بالخطر، وهو ما أعطى لمصر قوة إضافية في مواجهة إثيوبيا التي أصبحت ترد على الطرفين بعدما كانت ترد على مصر فقط، كما أن هناك تحركا دبلوماسيا كبيرا لمصر في دول حوض النيل خاصة الدول المجاورة لإثيوبيا مثل جيبوتي، وإريتريا، والصومال، وجنوب السودان، وأخيرا زيارة رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي للعاصمة السودانية الخرطوم على رأس وفد رفيع المستوى، وهو ما دفع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للرد على النشاط المصري بزيارة السودان، لأنه يرى أن زيارة مدبولي للسودان تأتي نتيجة التعاون الكبير بين مصر والسودان، وهو ما يشكل ضغطا وقلقا على الجانب الإثيوبي، ومصر تتحرك دوليا، ومن الناحية القانونية ندفع المسألة باتجاه مجلس الأمن، رغم استمرار المفاوضات سعيا للوصول إلى صيغة موحدة وملزمة يتم الاتفاق عليها، وبها جميع البنود المهمة الخاصة بعملية الملء والتشغيل، وهو ما نعمل عليه حاليا، وفي حال عدم الوصول لاتفاق سوف نكمل باتجاه مجلس الأمن الذي أعطى فرصة للاتحاد الأفريقي، وفي حال فشل الاتحاد الأفريقي في الوصول إلى حل، فسوف يكمل مجلس الأمن، أما الحل العسكري فبرغم استبعاد مصر له، إلا أنه إذا فرض علينا هذا الخيار فلا يمكن تجنيبه إذا ما واصلت إثيوبيا تعنتها غير المبرر، لأن هذا السد ليست فيه الفائدة التي تم تضخيمها أمام الشعب الإثيوبي، حيث إن الحكومة الإثيوبية تصدر لشعبها أن سبب التأخير في إنجاز السد هو محاولات القاهرة إفشال مشروعها، حسب زعمها، وهذا غير صحيح لأنه من المفترض أن المرحلة الأولى للملء، يبدأ معها التشغيل الكهربائي، وهذا لم يحدث، لأن السد غير جاهز، حيث إنه عند وضع حجر الأساس للسد في عام 2011، كان مقررا تشغيل 2 من توربينات السد على مستوى منخفض بعد 48 شهرا، وليس تخزين مياه ليس لها فائدة سوى توليد الكهرباء، وهو ما يدل على وجود عوائق فنية، ومع ذلك تم الملء الأول في هذا التوقيت لأسباب سياسية، حيث كان من المفترض تأجيل الملء للعام القادم، ولكن تم الملء الأول من أجل الفوز بالانتخابات التي تم تأجيلها، وقد خشيت الحكومة الإثيوبية أن يتم تفسير التأجيل في الداخل الإثيوبي على أنه بسبب الضغوط المصرية واكتفي بهذا المقدار من التخزين بسبب عدم جهوزية التوربينات للعمل، كما أنها لا تستطيع تعلية الجزء الأوسط من السد إلا بعد انتهاء موسم الفيضان.

 




رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريم ديسالين (إلى اليمين) والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (يسار) ضمن  مؤتمر صحافي مشترك في القصر الوطني الإثيوبي في أديس أبابا، إثيوبيا، 24 مارس 2015 (غيتي)

 


 
تصريحات عنترية مرتبطة بالداخل الإثيوبي
من جانبه، قال الخبير العسكري والاستراتيجي بأكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء أركان حرب عادل العمدة في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: تمتلك كل من مصر والسودان بالتأكيد أدوات للردع والرد على إثيوبيا إذا ما أقدمت على تنفيذ ما أعلنته من بدء الملء الثاني لخزان سد النهضة خلال شهر أغسطس المقبل، برغم أننا لا زلنا ننتهج المسار السلمي عن طريق المفاوضات وهناك جهود دبلوماسية وتحركات من خلال مجلس الأمن في هذا الصدد، ومن الطبيعي أن تصدر تصريحات عنترية من قبل الجانب الإثيوبي تخرج بين حين وآخر وهي مرتبطة بالمتغيرات السياسية في المنطقة، حيث تخضع إثيوبيا لإملاءات من دول إقليمية لا تريد الخير لمصر، وهي تمتلك القرار الإثيوبي، وأي إجراء تتخذه إثيوبيا يكون مرتبطا بالتغيرات والتطورات المرتبطة بالمنطقة ككل، ولكن مصر حققت نجاحا وأهدافا كثيرة، وهو ما يدفع قوى الشر للتحرك ضد الدولة المصرية، وتصريحات آبي أحمد تأتي من قبيل المناورات السياسية، والتصريحات العنترية، وقد صرح في مرحلة سابقة بجهوزية مليون مقاتل دفاعا عن السد، وعاد بعدها ليكذب هذه التصريحات، وهناك بعض التصريحات الإثيوبية التي تصدر عن عناصر مسؤولة بالحكومة المستهدف منها الرأي العام الإثيوبي، فجميع الإجراءات الإثيوبية هي إجراءات ممنهجة تستهدف الداخل الإثيوبي، وتلبي مطالب قوى الشر التي ترغب في التأثير السلبي على مصر.