انفجار بيروت: مفترق طرق أمام حزب الله

* خسر حزب الله شرعيته ولعبته السياسية وأمواله وفرصة أن يبقى ذا أهمية في المشهد السياسي. وخسر حلفاء حزب الله وأصبحوا غير مهمين وموصومين

في ظرف أسبوعين، خسر حزب الله وحلفاؤه اللبنانيون أكثر مما كان بإمكانهم تصوره. في أثناء الأسبوعين، كان على قائد حزب الله حسن نصر الله أن يشاهد صورًا كرتونية بالحجم الحقيقي له ولحلفائه، وهي معلقة في رمزية وسط بيروت، ولكنه لا يستطيع فعل أي شيء لإيقافها. ولا يمكنه حتى إرسال مجرميه لوقف هذه الإهانة، كما يفعل عادة عندما تستهدفه الانتقادات.

في الرابع من أغسطس (آب)، دمَّر الانفجار الذي وقع في ميناء بيروت أكثر مما يمكن أن تراه العين، ووضع لبنان في مفترق طرق جديد، على المستويين الاقتصادي والسياسي. لم تصرف الضرورة الملحة للكارثة الإنسانية انتباه الشعب اللبناني والعالم عن اللحظة السياسية المهمة التي يمكن أن تغير المشهد السياسي في لبنان في الشهور المقبلة. وسواء اعترف حزب الله بذلك أم لا، فقد خسر الكثير من قوته في لبنان، حتى وإن كان لا يزال يسيطر على مؤسسات الدولة.

يقف حزب الله اليوم في مفترق طرق حيث يجب عليه تقديم تضحية ما، بغض النظر عن الاتجاه الذي سيختاره.

 

ما الذي خسره حزب الله

لم يقع انفجار الميناء في فراغ، ولم يكن بالتأكيد حادثًا منفصلًا. وقع الانفجار في أثناء مواجهة لبنان لأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه– تلك التي وضعت نصف الشعب اللبناني تحت خط الفقر، وتسببت في تضخم حاد ونقص شديد في الوقود والقمح والمواد الطبية. ولم يعد اللبنانيون قادرين على استخدام حساباتهم المصرفية، وامتلأت الشوارع بالاحتجاجات حتى ضرب فيروس كورونا لبنان.

وقع انفجار بيروت في وقت ينهار فيه لبنان، وبدا أنه المسمار الأخير في النعش. بيد أنه وضع نعشًا للنخبة الحاكمة وحزب الله.

عندما فاز حزب الله وحلفاؤه في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 2018، شكَّلوا حكومتهم الخاصة واستطاعوا جلب رئيسهم الخاص، وأصبحوا هم السلطة. وعندما استقالت حكومة الحريري بعد احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، ظل حزب الله يشكل الحكومة التي تناسب مصالحه وأجندة إيران في لبنان. وكان ذلك يعني أنهم المسؤولون، ليس عن قرارات الحرب والسلام فحسب، بل وعن التحديات المالية والمشاكل الاجتماعية ومعاناة الناس أيضًا.

لم يستطع حزب الله- في ظل مروره بأزمته المالية الخاصة بسبب العقوبات الأميركية المفروضة على إيران– تقديم حل اقتصادي للبنان. بل استمر في استغلال مؤسسات الدولة، وكل ما تبقى من العملة الصعبة في لبنان، لمساعدة إيران على حل مشاكلها المالية، عن طريق زيادة عمليات التهريب، كتلك التي تنقل الوقود والمخدرات عبر الحدود اللبنانية السورية.

واليوم خسر حزب الله شرعيته كحامٍ للبنان. لم يخفق في تقديم حل للتحديات اليومية التي يواجهها اللبنانيون فحسب، بل قدم الحزب حماية لنظام من الفساد والمحسوبية الذي أدى إلى انهيار لبنان. وفقد الشعب اللبناني، بما فيه كثيرون من الشيعة الذين يعانون من التحديات الاقتصادية ذاتها، ثقته في حزب الله ويراه جزءًا من نظام فاشل، بل ويحمله مسؤولية مقتل كثير من اللبنانيين ودمار نصف بيروت. 

عندما استقالت حكومة حسان دياب بعد انفجار بيروت، شعر حزب الله أنه خسر حكومته الخاصة، ولكنه أدرك أنه في حاجة إلى تضحية – أو كبش فداء – من أجل الحفاظ على النفوذ الحقيقي والسلطة الحقيقية خلف نظام عمل جاهد لأجل تصميمه والحفاظ عليه. ولكن لا يبدو أن هذه الاستراتيجية ستنجح. بعد الانفجار مباشرة، جاء كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية، إلى لبنان، وأعربا عن مخاوفهما العميقة بشأن النخبة الحاكمة التي يجاهد حزب الله من أجل حمايتها. والحل، بحسب الشعب اللبناني والمجتمع الدولي– هو حكومة مستقلة تشرف على إصلاحات جادة وتحول حقيقي في المشهد السياسي، وإلا فلن يتم إرسال مساعدات دولية إلى لبنان.

وبينما يحاول اللبنانيون استخراج ذويهم من تحت الأنقاض، أصدرت المحكمة الخاصة بلبنان حكمها النهائي في 18 أغسطس. وعلى الرغم من أن المحكمة لم تتهم حزب الله مباشرة – أو النظام السوري – باغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في عام 2005، فقد تمت إدانة سليم جميل عياش- وهو أحد أربع أعضاء في حزب الله اتهموا بالانتماء إلى خلية ارتكبت الحادث- بارتكاب جميع الجرائم الموجهة إليه، بما فيها ارتكاب عمل إرهابي وجرائم قتل.

احتفت وسائل الإعلام التابعة لحزب الله ودوائر مؤيديه بالحكم باعتباره فشل في توجيه اتهام مباشر لحزب الله أو قادته؛ بيد أنه وسط هذه الاحتفالات يعرف الجميع أن عياش لا يستطيع التحرك من تلقاء نفسه دون قرار سياسي، لاسيما وأن عملية الاغتيال كانت معقدة وخطيرة. يعلم حزب الله، وقاعدة مؤيديه، أن الحزب قد خسر مصداقيته عندما اتضح بعد أعوام من اتهام حسن نصر الله لإسرائيل بقتل الحريري أن أحد أعضاء الحزب هو من قتله.

 

ما الذي خسره عون/ باسيل

مما يزيد الأمور سوءًا على حزب الله هو أن حليفه الأساسي الأكثر ولاء تعرض لخسارة فادحة هو الآخر. يواجه الوزير السابق جبران باسيل– صهر الرئيس ورئيس التيار الوطني الحر– تحديات متعددة في الوقت الحالي. بالإضافة إلى كونه أكثر سياسي مكروه في لبنان اليوم– بسبب فساده وتحالفه مع حزب الله– خسر باسيل ثقة كل من فرنسا والولايات المتحدة. وكلفه تحالفه مع حزب الله الكثير، وإن كان هناك درس مستفاد فسيكون لأي شخص يمكن أن يبيع نفسه إلى أسوأ تنظيم إرهابي تابع لإيران في المنطقة.

قرر الرئيس ميشال عون وصهره توقيع مذكرة تفاهم مع حزب الله في عام 2006، والتي ألحقت ضررًا بالعديد من اللبنانيين المسيحيين اليوم، ممن يقيم أغلبهم في منطقة الأشرفية التي تعرضت للدمار. الآن أصبح ثمن مثل هذا التحالف ظاهرًا على السطح واستيقظ المجتمع المسيحي على الانفجار ليدرك أن حزب الله لا يستطيع حماية المسيحيين. بل هما المسؤولان عن خسائرهم.

ومن جهة قيادة التيار الوطني الحر، لحقت بهم خسارة كبيرة في الرابع من أغسطس. أولاً، لم يعد بإمكان قاعدة مؤيديهم الثقة بهم. والأهم، تبددت أحلام باسيل الرئاسية في ذلك اليوم، إذ لم يعد في إمكانه الحصول على أي موافقة أوروبية أو أميركية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تدرج الولايات المتحدة اسمه في قائمة العقوبات في أي لحظة، ويمكن تجميد أرصدته.

لم يخفق باسيل في مقابلة هيل في أثناء زيارته الأخيرة لبيروت فحسب، بل وتجاهله وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف أيضًا. بالنسبة للإيرانيين، كان باسيل ذا أهمية عندما كان نفوذه السياسي قويًا ومفيدًا. واليوم سيتجاهله الإيرانيون إذا لم يستطع إثبات أهميته السياسية. ولكن هذا سيكون صعبًا.

 

التداعيات

خسر حزب الله شرعيته ولعبته السياسية وأمواله وفرصة أن يبقى ذا أهمية في المشهد السياسي. وخسر حلفاء حزب الله وأصبحوا غير مهمين وموصومين. ولم تعد ألاعيب حزب الله القديمة بالتخفي وراء بيروقراطيين مزعومين أو حلفاء مسيحيين أو رئيس وزراء مثل سعد الحريري قابلة للتنفيذ.

سيكون على حزب الله البحث عن طريق جديد: أن يترك شخصًا آخر يتولى المسؤولية ويساعد لبنان على الوقوف على قدميه، أو الاستمرار في التحدي ومواجهة مسؤولية الانهيار الكامل. وفي كلتا الحالتين، سوف يخسر حزب الله كثيرًا.

* حنين غدار، باحثة في زمالة فريدمان الافتتاحية في برامج غيدولد للسياسة العربية بمعهد واشنطن، وتركز على سياسة الشيعة في المشرق.