اللجنة الدستورية والدروس المستقاة من التجربة اللبنانية

* على كل سوري يتابع ما حل بلبنان أن لا يقبل بأي حل لا يتضمن بداية إخراج إيران وأزلامها وميليشياتها من سوريا، قبل أن تصبح هذه الميليشيات أمراً واقعاً علينا التعايش معه كما يتعايش اللبنانيون اليوم مع حزب الله

بعد سنوات وسنوات من الدمار والانهيار الذي تسبب به حزب الله للبنان وشعبه، لا يزال البعض يصر على قراءة سياسات الحزب من منطلق لبناني، ويحاول التنبؤ بخطوات قد يقدم عليها الحزب انطلاقا من أزمة مالية يعيشها اللبنانيون أو انهيار اقتصادي.

في الواقع لطالما كان أمين عام الحزب واضحا بموقفه، فلبنان دولة وشعبا ليس بالنسبة له أكثر من وسيلة لتحقيق مشروع الولي الفقيه الفارسي، والذي أعلن هو أنه جندي يأتمر بأوامره ويتلقى راتبا لتنفيذه التعليمات التي يتلقاها من طهران.

راهن البعض أن الحزب قد يضطر تحت وطأة الانهيار المالي وبعد الانفجار الغامض في مرفأ بيروت الذي أودى بحياة مئات الضحايا وآلاف الجرحى، ناهيك عن الخسائر المادية، أن يقدم ولو شكليا بعض التنازلات، عل الغرب وعلى رأسهم فرنسا تتدخل لوقف الانهيار ولدعم لبنان اقتصاديا، لكنه لم يفعل، هو يصر على أن يكون شريكا وباسمه الصريح بأي حكومة تتشكل.

بداية علاج أي مرض يكمن بتشخيص صحيح لهذا المرض، وعلة لبنان هي بحزب الله، وقد يقول قائل إن الفساد علة أخطر، ولكن في الحقيقة الفساد ليس إلا واحدا من أعراض المرض.

منذ لحظة تأسيسه، لم يكن حزب الله حزبا لبنانيا وطنيا انحرف لاحقا عن خطه المقاوم والوطني، هو نشأ كأداة للحكم الجديد آنذاك في إيران، أداة للتمدد والسيطرة. حاول الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن يدعو الحزب ليتلبنن مشروعهم كمقاومة بوجه الاحتلال الإسرائيلي فاغتالوه. هم منذ نشأتهم لم يعرفوا سوى قتل كل من يعارضهم أو يقف عثرة بوجه مشروعهم، بما في ذلك المقاومون الوطنيون، اعتبرهم الحزب عثرة بوجه مشروعهم، فقتل منهم العشرات.

لم تعد الحلول الوسطية تنفع، ولنا باتفاق الدوحة مثال، هم أخذوا بقوة السلاح ما أرادوا يومها من قدرة على تعطيل البلاد والمؤسسات، ولكن اليوم ما يرغبون به أكثر، هم يريدون المؤسسات تحت سيطرتهم، وليس فقط قدرة تعطيلها.

أصبح الخط الواصل من طهران إلى المتوسط تحت سيطرة حزب الله وأشقائه من الميليشيات الطائفية التابعة لإيران، وإن كانت هذه الميليشيات لا تزال أقل تنظيما وقوة من حزب الله، إلا أن تركها تتنامى بحجة وجود أخطار أخرى، قد يجعل من سوريا لبنانا آخر كما العراق.

تتسابق المعارضة السورية ممثلة بالائتلاف وهيئة التفاوض، لتلبية دعوات الحوار والمفاوضات مع نظام الأسد، ويحاولون إقناعنا بأن مشاركته مثلا في لجنة صياغة الدستور هي من صميم التزامهم بتطبيق بيان جنيف واحد والقرار الأممي 2254، ولكن أي قارئ لنص القرار ومتابع للوضع السوري يعرف أن لجنة صياغة الدستور ليست سوى تطبيق لاتفاق سوتشي وتفاهمات الدول الثلاث روسيا وتركيا وإيران.

فأي حل سيأتي به دستور جديد، ومهما كان مثاليا، لبلد ممزق مثل سوريا تتحكم به اليوم ميليشيات تابعة لدول خارجية؟ راهن البعض على أن التدخل العسكري الروسي سيكون لصالح الدولة السورية، وسيلزم إيران بسحب ميليشياتها المتنوعة من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان، ولكن بعد خمس سنوات على هذا التدخل، زادت الرقعة التي تسيطر عليها إيران.

لم تخف إيران عداءها للدول العربية، ولطالما تباهى مسؤولوها بسيطرتهم على عواصم عربية وبتمددهم ليعيدوا أمجاد إمبراطورية فارس، وإن كان البعض يرى أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على دول شرق المتوسط، إلا أن الوقائع في السنوات الأربعين الماضية أثبتت أن إيران لا تقل خطرا، بل إن خطرها أكبر، هي تتغلغل باسم الدين والمذهب داخل مجتمعاتنا، تدعي زورا أنها تدعم المقاومة الفلسطينية بوجه الاحتلال الإسرائيلي، ولكن ساعة الجد تشتري السلاح من إسرائيل لتقتل العراقيين (إيران غيت).

وإن كان الواجب الأخلاقي والإنساني هو أولا لوقف قتل السوريين، ومطالبة النظام بالإفراج عن المعتقلين، إلا أن الواجب الوطني يدعونا إلى أن لا نقبل بتكرار تجربة لبنان، فقبل الوصول إلى الحل السياسي، علينا أن نعرف أن لا حل دائم بوجود ميليشيات تتبع لأجندات خارجية، والحديث ليس حكرا على الميليشيات الإيرانية، ولكنها الأخطر كون إيران الدولة هي نفسها إيران النظام، وهي صاحبة المشروع التوسعي الذي لم يخمد منذ وصول الخميني آتيا من باريس إلى طهران. في سوريا لم يعد هناك جيش ومؤسسات أمنية، بل باتت مجموعة ميليشيات كل منها تتبع لقائد ميليشيا وزعيم، أغلبهم موجودون في طهران.

على كل سوري يتابع ما حل بلبنان، لبنان الذي كان يرى فيه نموذج التعايش والحرية، عليه اليوم واجب وطني أن لا يقبل بأي حل لا يتضمن بداية إخراج إيران وأزلامها وميليشياتها من سوريا، قبل أن تصبح هذه الميليشيات أمرا واقعا علينا التعايش معه كما يتعايش اللبنانيون اليوم مع حزب الله.