بالروح بالدم

* حزب الله يمثل أحد أهم أوجه الخلل والعطب في النظام اللبناني... حزب مسلح يرتبط عقائدياً بإيران ينفذ أجنداتها الاستراتيجية... كل هذا تحت غطاء الشرعية اللبنانية المكبلة بالطائفية. فهيبة الدولة تسقط عند أعتاب الطوائف وقضاياها

بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على انفجار مرفأ بيروت والتي تحمل معالم ومواصفات جريمة ضد الإنسانية، تتحمل وحدها الدولة بجميع أركانها منذ العام 2013 مسؤوليتها بالكامل، بدأت القصص الحزينة تسلك طريقها إلى الجمهور الواسع بتفاصيلها الحزينة. القتلى أصبح لهم وجوه وأسماء وقصص يتناقلها الناس من معارفهم. انتهت حياتهم من دون أن يعرف ذويهم السبب.
إبراهيم أصبح صورة في إطار تحملها امرأة متعبة. تقول عن معيلها الوحيد إنه صرف من عمله من إحدى الجامعات وقبل العمل في المرفأ مقابل 22 ألف ليرة يوميًا، أو ما يعادل ثلاث دولارات فقط. يعود إبراهيم ليلا إلى البيت يضع المال في عهدة أبيه المريض. في اليوم التالي تعطيه والدته بضعة آلاف لا تتعدى الخمسة كمصروف. مات إبراهيم في الانفجار.
 
إن كان للموت من معنى فنستطيع القول إن موت إبراهيم ذهب سدى، بمعنى أنه لم يحرك غضب الناس لحد الثورة. والكلام ليس على الاعتراض الذي يأخذ شكل مظاهرة بالكاد تدوم بضعة أيام، إنما ثورة عنيفة حقيقية تعتبر الدولة بمؤسساتها عدوة للشعب وتعمد إلى الإطاحة بالنظام وأركانه. ما جرى هو أن اللبنانيين دأبوا منذ ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) على شراء شنطة السفر لأبنائهم للهروب من البلد.
رغم الأحداث التي تعصف بلبنان وخطورة وضعه الاقتصادي والمالي والاجتماعي، ورغم انفضاح أمر زعامته الطائفية أمام الرأي العام العالمي كفاسدين محترفين، ما زال لعون من يناصره، ولمن وضب شحنة الموت في العنبر المشؤوم رقم 12 الذي أودى بحياة إبراهيم وغيره من الأبرياء من يوليه أموره. ثم هناك من يستفيد من هذا النظام القائم. وهم كثر. هؤلاء يدينون للزعيم «برزقهم». فهو من يؤمّن لهم رواتب من الدولة من دون أن يضطروا إلى العمل. مثلا في وزارة الإعلام والوكالة الوطنية تحديداً مراسلين بالآلاف في مناطق لبنانية يكاد الحدث الوحيد فيها يكون شروق الشمس وغروبها. هؤلاء مناصرو الزعيم يتلقون أموالا لا حق لهم فيها. هؤلاء لا يرون حرجا بافتداء الزعيم بالروح والدم، فإن ذهب الزعيم ذهبت «رزقتهم». وهم ليسوا بالعدد القليل.
ثم هناك الطائفية التي تجعل من الخوف من الآخر القوة التي تسيّر الأمور السياسية في البلد أو قل تعقدها إلى حد الشلل. شلل يضرب كل مؤسسات الدولة ويجعلها قليلة الإنتاجية، فإن أراد وزير أو مدير عام إقالة موظف وجب عليه الرجوع لمرجعيته السياسية. ليست الكفاءة هي المعيار إنما الانتماء المذهبي الذي يحصن أي موظف في القطاع العام.
ثم هناك حزب الله الذي يمثل أحد أهم أوجه الخلل والعطب في النظام اللبناني. حزب مسلح يرتبط عقائديا بإيران ينفذ أجنداتها الاستراتيجية... كل هذا تحت غطاء الشرعية اللبنانية المكبلة بالطائفية. فهيبة الدولة تسقط عند أعتاب الطوائف وقضاياها.
لم يكن هناك مكان لإبراهيم في هذه التركيبة. فهو لم يكن متزلفاً لزعيم ما، أو عضواً في حزب يحميه، أو سليل قبيلة تبيع أصواتها الانتخابية مقابل خدمات لأبنائها أو شاباً باستطاعته الهجرة إلى آفاق أقل سواداً. هو إنسان عادي فقير لا مكان له ولأمثاله في تلك الغابة. يسمع كما كثيرين عن صفقات السياسيين التجارية، يشتم رائحة فسادهم، يرى على شاشة التلفزة بيوتهم الفاخرة وسياراتهم الكبيرة، ويحصي أعداد مرافقيهم. ماذا بقي له من خيار؟ الحلم بغد أفضل ليس متاحا. أبوه الملقى على سرير المرض من دون معونة الدولة خير دليل على أن كل ما ينتظره في هذه الغابة مجرد كوابيس. هذا النظام عصي على السقوط، ليس إلا لأنه متجذر في الحمض النووي لأغلبية أبنائه.
ماذا بقي بعد؟ الالتحاق بمجموعة المهللين لجمهور «الزعيم»عله يحصل على صندوق إعاشة منه؟ أم ينمي غضبه حتى يصبح هو نفسه قنبلة موقوتة يستغلها أصحاب الآيديولوجيات ويستثمرون فيها لمآرب ليس لها علاقة بالوطن؟
هو اختار أن يعمل بـ22 ألف ليرة يومياً، فقط ليعيل عائلته، وارتضى أن يعيش في غابة لم يعرف أن وحوشها كانت يوماً ستفترسه.