«لباسي ذاكرتي وثقافتي»… حينما تحتفي الجزائر بلباسها

أول تظاهرة ميدانية في زمن كورونا

* يُعَرّف اللباس الجزائري التقليدي على أنه مجموعة الألبسة التي توارثها وحافظ عليها الجزائريون جيلا بعد جيل، تلبس بالأخص في المناسبات كالأعياد والأعراس وحفلات الختان

* عرف الحرفيون كيف يحافظون على خصائص ومميزات اللباس الجزائري التي أبانت عن منابته وأصوله، حتى وإن كان تنوعه الكبير هو الذي يصنع ثراءه وجماله

* السؤال الجوهري الذي يطرح في هذا المقام حسب المهتمين هو: كيف يمكن حماية اللباس الجزائري إذا كان شبه ملغى من الفضاء الخاص والعام

 

الجزائر: بأعالي هضبة العناصر بالجزائر العاصمة، كسر قصر الثقافة مفدي زكرياء الصمت المطبق الذي فرضته كورونا على المشهد الثقافي الجزائري منذ بداية العام، باحتضان باحات القصر فعاليات تظاهرة اللباس التقليدي الجزائري، والتي تستمر لغاية منتصف شهر سبتمبر (أيلول) القادم، في محاولة من السلطات الثقافية بالبلاد الحفاظ على الموروث الجزائري الزاخر في مجال اللباس التقليدي.

ويُعَرّف اللباس الجزائري التقليدي على أنه «مجموعة الألبسة التي توارثها وحافظ عليها الجزائريون جيلا بعد جيل، تلبس بالأخص في المناسبات كالأعياد والأعراس وحفلات الختان». 

 



«لباسي ذاكرتي وثقافتي»تظاهرة تحتفي باللباس التقليدي الجزائري

وحسب الخبير في مجال التراث، العمري قابش، فإن «اللباس التقليدي الأصيل من المقومات الثقافية المبسطة لانتماء الحضارة لأعرافها التراثية، التي تبرز قيم صمودها وارتقائها في التمسك بهوية الذات والتعريف بتقاليد المنطقة التي تنبع على تشريفها لتتميز بتنوعها التراثي الذي يروي المبادئ المحافظة لتعاقب الأجيال مستمدة جذور أصالة الخلف من السلف». وأبرز لـ«المجلة» أن «التنوع الثقافي الجزائري من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه يعتبر قوة ضخامة تراثه الذي يبصم ثروة التقاليد وميزة التنوع الحضاري في الأزياء التقليدية لكل شبر من المناطق الجزائرية مقدسة الأعراف القومية والشرفية لكل منطقة تراثية تروي كسوتها رمزية قومية لكل شبر من ربوع الوطن».

التظاهرة انطلقت الأسبوع الماضي تحت شعار: «لباسي ذاكرتي» وتدخل في إطار شهر التراث اللامادي، بإشراف وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة التي أبرزت في كلمة الافتتاح أهمية هذا الموروث الثقافي الذي هو جزء حسب حديثها «مهم من هويتنا». وأضافت أن «هذا الموروث الثقافي الذي نحتفي به من خلال هذه التظاهرة غني ومتنوع، ويمكن من خلاله معرفة الكثير عن الحياة الاجتماعية للمنطقة التي يمثلها». ودعت بالمناسبة الباحثين والمؤرخين إلى الاهتمام أكثر بدراسات تطور هذا اللباس عبر العصور، مؤكدة أن «هذه التظاهرة فرصة لإبراز هذا الإرث والحفاظ عليه والعمل من أجل تطويره وإيصاله إلى العالمية».

 



الكاراكو العاصمي ضمن أشهر اللباس التقليدي الجزائري 

أجنحة المعرض الذي بدا كفسيفساء غنية بالألوان والأشكال المتنوعة زادتها رونقا الحلي الفضية والذهبية الزمينة للمعروضات احتضنت نماذج للباس النسوي، وأيضا الرجالي مثل الملحفة والبرنوس بمختلف تنوعاتها، وكذا نماذج من الأزياء الشاوية، ولباس المرأة النايلية الجميل إلى جانب لباس النساء الترقيات، مع مجموعة من الأزياء العريقة التي تمثل مختلف مناطق البلاد بدءا من «الكاراكو العاصمي» المتألق، مرورا بـ«الشدة التلمسانية»، و«الجبة القبائلية»، و«البلوزة الوهرانية». 

و«الكاراكو» لباس تقليدي يختص بسكان مدينة الجزائر، ظهر في القرن الخامس عشر، وكانت ترتديه الطبقة الأرستقراطية من مدينة الجزائر في الأعراس وحفلات الختان، وكان يعبر عن مدى النفوذ والعظمة السامية لنساء مدينة الجزائر، حيث كان يدعى بـ«الغليلة» وقتها، يتكون من قطعتين، الأولى غالبا ما تكون سترة مخملية من القطيفة مطروزة بخيوط ذهبية تدعى «الفتلة» و«المجبود» على الصدر، والرقبة واليدين، يطغى عليه التطريز التقليدي بخيوطه الذهبية. أما القطعة الثانية فهي قطعة قماش تصمم بطريقة أسهل من الأولى وأخف ليكون على العموم من قماش الساتان، وقد يكون أيضا على شكل تنورة أو على شكل سروال يسمى الأول «الشلقة» وهناك المدور والقصير العصري، كما تضيف المرأة عند لبس هذا الزي قطعة قماش أخرى على الرأس تدعى «محرمة الفتول»، سواء كانت باللون الفضي أو الذهبي حسب لون الكاراكو، بالإضافة إلى الجواهر التي تزين المرأة في عنقها ويديها إضافة إلى الرأس، ذلك الذي يسمى «خيط الروح». 

أما «الشدة التلمسانية» فهو خاص بالعروس، ويعد اللباس الأكثر فخامة بين الأزياء التقليدية بمحافظة تلمسان غرب الجزائر، كونه يتألف من مجموعة واسعة من مستلزمات اللباس والحلي، ولقيمته الفنية والجمالية والتاريخية صنفته منظمة اليونيسكو ضمن التراث الإنساني المشترك، وتباينت الروايات في سبب تسمية هذا اللباس «الشدة»، بين من يقول إن السبب هو كون الحلي والمجوهرات المرصعة به تضفي عليه لمعانا شديدا، ولأجل ذلك أطلق عليه اسم «الشدة»، بينما يؤكد آخرون أن السبب الحقيقي لهذه التسمية هو أن خيوطه ومجوهراته مشدودة ومتماسكة بعضها مع بعض بقوة وبشدة، لكن الرواية الأكثر شيوعا هي ما نقلتها زهرة العاملة بأحد محلات بيع الشدة بسوق مختصة ببيع الألبسة التقليدية بوسط مدينة تلمسان، حينما أكدت أن السر في تسمية هذا اللباس بالشدة هو أنه يُعد بمثابة اختبار لصبر العروس ليلة زفافها بتحملها هذا اللباس الذي يزن أكثر من 15 كيلوغراما منذ خروجها من بيت أهلها إلى بيت زوجها، ويتألف هذا اللباس من12  قطعة متناسقة، أبرزها البلوزة والقفطان والشاشية والفوطة، ومرصع بأكثر من 50 صنفا من المجوهرات التقليدية المحلية المصنوعة بتلمسان، ويصل سعره إلى أكثر من ثلاثة آلاف يورو، وتستغرق مدة خياطته أكثر من أربعة أشهر. 

ويعود تاريخ هذا اللباس التقليدي إلى مرحلة ما قبل سقوط الأندلس، وكان لباسا خاصا بالأميرات في منطقة تلمسان، ونظرا لقيمته التاريخية والحضارية والفنية، صنفته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية بمناسبة الدورة السابعة للجنة الوزارية المشتركة لحماية التراث الثقافي غير المادي المنعقدة بمقر المنظمة في باريس عام 2012. وحسب حديث أحد المرشدين بمركز التفسير للباس التقليدي المتواجد بمتحف قصر المشور في قلب المدينة يجمع هذا اللباس التقليدي بين عدة حضارات، فالبلوزة أصلها من الحضارة العربية، والفوطة من الحضارة الأمازيغية، والقفطان من الحضارة العثمانية بينما الشاشية مستمدة من الحضارة الأندلسية.

ومن الملابس المشهورة أيضاً «الجبة الأمازيغية» وهي من أهم الألبسة التقليدية في الجزائر وتنتشر في منطقة القبائل خاصة في تيزي وزو، وبجاية، ولا يكاد يكمل عرس دون أن ترتدي العروس هذا الثوب الجميل، يتكون من الجبة وفوطة التي تشد الخصر ومنديل وإكسسوارات في غاية الأناقة من أساور وقلادة وأقراط فضية، ولا تزال الجبة القبائلية تلبس بصفة يومية في أرجاء منطقة القبائل وفي المناسبات المهمة مثل الأعراس، وتختلف ألوان الجبة من امرأة لأخرى فهناك بيضاء اللون وسوداء وعدة ألوان أخرى، وتلبس هذه الجبة في الجزائر منذ قرون من طرف القبائل قبل الفتح الإسلامي للمغرب الكبير.

وبالنسبة لأشهر الملابس الرجالية فيعتبر «البرنوس»، و«القشابية» من أشهرها، ويمكن اعتبار «البرنوس» زي وطني، يأتي على شكل معطف فضفاض بلا أكمام يغطي الرأس، يصنع من الصوف. يصنع بأشكال وتصاميم مختلفة وتطريزات متنوعة خصوصا التي ترتديه النساء. أما «القشابية» فهي شبيهة بالبرنوس من حيث المفهوم لكن تكون بأكمام، مصنوعة من الصوف الأبيض أو البني.

 



التراث الجزائري في اللباس زاخر ومتفرد حسب كل منطقة

وبالمقابل شارك في التظاهرة عدة مراكز متخصصة في البحث والاهتمام بالتراث الجزائري الخاص باللباس، على غرار «مركز تفسير اللباس الجزائري والممارسات الشعبية»، والذي شارك حسب حديث الدكتورة سميرة أمبوعزة بتشكيلة متنوعة تضم تضم كل أنواع اللباس التقليدي الجزائري أهمها لباس الشدة التلمسانية المصنف عالميا، ذات المؤسسة الثقافية وحسب سميرة أمبوعزة هو المتحف الوحيد الذي له خاصيتان الأولى علمية تعتمد على البحث الميداني والأكاديمي لجمع المعلومات وتوثيقها وتنظيم أيام دراسية ومعارض مؤقتة، والثاني يقوم بعرض التراث المادي في إطار متحفي للباس التقليدي الجزائري، وقد تم افتتاحه يوم24  فبراير (شباط)2014  وهو أول مركز تفسيري على المستوى العربي.

ويعود الفضل في إنشاء هذا الفضاء الثقافي الوحيد من نوعه على المستوى العربي والأفريقي، حسب الباحثة في ذات المركز إلى «المكسب التاريخي الذي حققته الشدة التلمسانية بعد أن تم تصنيفها سنة2012  بباريس من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونيسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية بناء على اقتراح من الحكومة الجزائرية بواسطة وزارة الثقافة».

ويسعى هذا المركز المتميز بهندسته المعمارية والكائن بموقع مقابل للقصر الملكي للمشورة إلى تثمين وتفعيل العادات والتقاليد الجزائرية وإحياء الأعياد والمناسبات الدينية والمواسم والأفراح الاجتماعية الوطنية، بالإضافة إلى الاهتمام بالحرف التقليدية خصوصا منها الآيلة إلى الزوال، كما يهدف هذا الفضاء المتحفي ذو الطابع التعليمي إلى تثمين الثقافة المادية واللامادية المرتبطة بالزينة الجزائرية في جميع أشكالها.

وعلى هامش التظاهرة أطلقت وزارة الثقافة والفنون مسابقتين تخص اللباس الجزائري، هما مسابقة أقدم لباس تقليدي عائلي، ومسابقة تحديث اللباس الجزائري، وتفتح المسابقتان المجال أمام المهتمين باللباس الجزائري والحرفيين والمبدعين، جمعا وجردا وإبداعا وتحديثا، ليتنافسوا على افتكاك 6 جوائز، 3 لكل مسابقة. 

 



اللباس الترقي الخاص بسكان الجنوب كان حاضرا بقوة 

وفي مسابقة أقدم لباس تقليدي )للنساء وللرجال( تهتم لجنة التحكيم بكل من يملك لباسا عائليا توارثته الأجيال، ومرت عليه عشرات السنين. ويطلَب من المشارك تصوير اللباس من كل الزوايا بتصوير عالي الجودة، ويعرضه في فيديو لا يتجاوز 30 ثانية، ترافقه بطاقة فنية تبين نوعية القماش، تاريخ اللباس، الشخص أو الأشخاص الذين ارتدوه وفي أية مناسبة، يجب أن يكون في حالة جيدة. تحديد فترته الزمنية. بينما تقتضي مسابقة تحديث اللباس الجزائري، صنع لباس حديث نسائي أو رجالي أو يكون قد صنع مسبقا، مستوحى من الألبسة الجزائرية العتيقة، يمكن ارتداؤه في الخاص والعام، وفي الأيام العادية وفي المناسبات، وتكون تكلفته في متناول المستهلك، حيث ينبغي موافاة اللجنة بصور عن عملية الإنجاز، وصور أخرى للباس المكتمل تصميمه. ويشترط على المشارك تصوير اللباس من كل الزوايا بتصوير عالي الجودة، ويعرضه في فيديو لا يتجاوز دقيقة واحدة، كما يجب أن يرفق اللباس ببطاقة فنية تبيّن نوعية القماش، والوقت المستغرق في صنعه، ولمن تمّ تصميمه.

ورغم ما يمثله اللباس الجزائري بتنوعه وثرائه المرئي من التاريخ العريق الذي تتميز به الجزائر في كل مناطقها، إلا أن رياح العولمة عصفت سلبا بالألبسة المحلية، حيث بتحول العالم إلى قرية صغيرة، عمت ظاهرة التقليد للباس الآخر، التي كادت تجرف في طريقها ما تميز به اللباس الجزائري من خصوصيات سوسيوثقافية وتاريخية لولا غيرة وحرص المهتمين به والقائمين عليه، لكن رغم تلك الرجات عرف الحرفيون كيف يحافظون على خصائص ومميزات اللباس الجزائري التي أبانت عن منابته وأصوله، حتى وإن كان تنوعه الكبير هو الذي يصنع ثراءه وجماله... والسؤال الجوهري الذي يطرح في هذا المقام حسب المهتمين هو: كيف يمكن حماية اللباس الجزائري إذا كان شبه ملغى من الفضاء الخاص والعام، ومن المجال المحلي، حتى تقلّص ارتداؤه في تلك اللحظات العابرة من الحفلات والمناسبات، دون أن ييسر استعماله ويعمم ارتداؤه؟