حلمي بكر لـ«المجلة»: ألحن لمين؟!

قال: نعيش عصر الصدمات الفنية في ظل شاكوش وكزبرة
*  نعيش أحداثاً مرت علينا من قبل لكننا لم نتعظ فأصبحنا ننتظر النهاية وليس أمامنا إلا الاستغاثة للفضاء
*  فنانو المهرجانات لا يعرفون معنى الكلمة لأنهم جهلاء ينشرون الجهل على المجتمع ومثقفيه
*  لهذا السبب توقف عبد الوهاب عن الغناء ولو كان بيننا الآن لتمنى الموت
*  عبد الحليم حافظ ربنا رحمه لما مات في الوقت المناسب، و«مكنشي يتعمد يبقى مطرب النظام». ولكنه صنع من النظام وجوده. ومن الممكن أن يكون النظام قد استغله 
*  ليس لنقابة الموسيقيين أي صدى صوت ولا أحب الكلام عمن يديرونها
*  الخلاف بين وردة وفايزة أحمد كان صراعا فنيا عربيا مشروعا بين الجميل والأجمل أما الآن فالصراع أصبح بين خريجي السجون
*  المحاولات التي تتبناها بعض المؤسسات لاكتشاف المواهب مجرد محاولات رمزية، تحولت إلى سبوبة بما فيها البرنامج الذي شاركت فيه!
*  أشعر أن القيامة قامت وأننا نحاسب الآن بسبب ما نراه من تدهور على الساحة، والسوشيال ميديا «وديتنا في داهية»
*  مستوى الفنانين العرب حاليا ليس بنفس مستواهم أيام فايزة أحمد  ووردة وصباح بعد أن وصلنا لمرحلة لطم الخدود
*  أنا في غنى عن التواصل لأن التواصل الآن ليست له يد بيضاء ولست نادما على شيء
*  أمنيتي الوحيدة أن أرى طفلتي الصغيرة أمام عيني، أما حضور عرسها فهو أمنية أعلقها على صدري وأنا أتوارى تحت التراب

قال الملحن حلمي بكر إنه توقف عن العمل الفني وعن اكتشاف المواهب الجديدة لعدم وجود جمهور، على حد قوله. وأضاف أننا نعيش عصر الصدمات الفنية نتيجة لما يحدث من أزمات سياسية واقتصادية وصفها بأنها «بفعل فاعل»وأن الشعوب أصبحت بلا هوية، وأكد في حواره لـ«المجلة»أن من يسمون «فناني المهرجانات»جهلاء ينشرون الجهل على المجتمع ومثقفيه، مؤكدا أن نقابة المهن الموسيقية لا تمارس دورها وبدت غير موجودة. وكشف بكر عن السبب الذي اضطر الفنان محمد عبد الوهاب للتوقف عن الغناء قبل رحيله، كما تحدث عن علاقة عبد الحليم حافظ بالسلطة وحقيقة كونه مطربا للنظام السياسي في عهد عبد الناصر. 
ونفى الموسيقار حلمي بكر ما أشيع عن وجود خصومات فنية بين الفنانتين وردة وفايزة أحمد، مؤكدا أنه كان مجرد «صراع عربي مشروع». وانتقد بكر الفنانين الذين يغنون بلهجات غير لهجات بلادهم، كما هاجم برامج اكتشاف المواهب ووصفها بأنها مجرد «سبوبة»! 
يعد الفنان حلمي بكر من أشهر الملحنين في السجل الموسيقي الغنائي المصري، وينتمي إلى جيل الرواد الذين عاصروا أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ. ورغم ظهوره وسط كوكبة من عمالقة الغناء والتلحين أمثال كمال الطويل ومحمد الموجي ومحمد سلطان وبليغ حمدي وغيرهم إلا أنه نجح في أن يصنع لنفسه بصمة خاصة به من خلال ما قدمه من ألحان مميزة لكبار المطربين والمطربات، وعلى رأسهم وردة الجزائرية ونجاة وفايزة أحمد وعليا التونسية وليلى مراد وعزيزة جلال، وصولا إلى أصالة وسميرة سعيد وعلي الحجار ومدحت صالح ومحمد الحلو وغيرهم. 
كان للفنانة وردة الفضل في اكتشاف موهبة الملحن حلمي بكر، حينما شاءت الصدفة أن تغني في إحدى حفلات القوات المسلحة عندما كان حلمي يؤدي الخدمة العسكرية بعد تخرجه في المعهد العالي للموسيقى العربية، ووقتها استمعت لبعض ألحانه فقدمته للإذاعة المصرية بعد أن أعجبت بها، لينطلق بعدها لعالم الشهرة والنجومية.
على مدار ما يقرب من نصف قرن أثرى الملحن حلمي بكر المكتبة الموسيقية المصرية والعربية بالعديد من الألحان المميزة التي تجاوزت 1500 لحن منها «ع اللي جرى»،و«حبايب مصر»للفنانة عليا، و«معندكشي فكرة»،و«يا خبر»لوردة، و«مهما الأيام تعمل فينا»لنجاة، و«اغضب»لأصالة. وساهم في اكتشاف العديد من الفنانين بما قدمه لهم من ألحان صنعت نجوميتهم مثل مدحت صالح ومحمد ثروت وغادة رجب، كما قدم أعمالا موسيقية ذات طبيعة خاصة، منها تلحين فوازير نيللي وشيريهان ومدحت صالح، وأغاني 48 مسرحية غنائية، منها «سيدتي الجميلة»، و«حواديت»، و«موسيقى في الحي الشرقي»،بالإضافة لتترات بعض المسلسلات في الإذاعة والتلفزيون والموسيقى التصويرية لبعض الأفلام السينمائية، كما قدم أوبريتات كبيرة من أشهرها «الحلم العربي»الذي شارك فيه نخبة من كبار المطربين العرب.
رغم أعماله الكثيرة والشهيرة لكبار المطربين والمطربات، إلا أن حياته الشخصية وأخبار زيجاته المتعددة وخلافاته مع الفنانين وانتقاداته اللاذعة لبعض أعضاء الوسط الفني، أثارت جدلا كبيرا وكانت دائما محل اهتمام أكبر من الصحافة والإعلام، حيث عرف عن حلمي بكر زيجاته المتعددة التي وصلت لعشر زيجات من شخصيات مشهورة ومغمورة، أشهرها الفنانة سهير رمزي، وشقيقة الفنانة شويكار، وهي أم ابنه الوحيد  هشام، وابنة خالة الفنانة أصالة، حتى اشتهر بلقب شهريار الموسيقى. وبسبب آخر زيجاته تعرض الملحن حلمي بكر مؤخرا لأزمة إنسانية كبرى نتيجة خلافاته مع مطلقته الأخيرة وأم ابنته الوحيدة ريهام «ذات الأربع سنوات»حتى كانت دموعه أمام الكاميرات حديث الصحافة والإعلام.
حول مسيرته الفنية وآرائه المثيرة للجدل وأزماته الشخصية أجرت «المجلة»هذا الحوار مع الملحن الفنان حلمي بكر.

 




الموسيقار حلمي بكر مع عوده


 
* كيف ترى العالم من حولنا في اللحظة الراهنة؟
- العالم يصنع نهايته بيديه، هو صانع الفشل وليس صانعا للنجاح، لأن هناك دولا أصبحت ترى أنها تستطيع أن تعيش بإيذاء الدول المجاورة لها، وللأسف الشديد فإن حالة الاقتصاد المنهار عالميا تجعل البعض في تلك البلدان يرتكب الخطأ بيده لا بيد عمرو! ولم نعد نملك سوى الاستغاثة، فما يحدث في لبنان أو سوريا أو العراق وغيرها من الدول العربية هو بفعل فاعل، جزء منه دولة وجزء آخر هو شعب الدولة المصابة.
 
* لمن الاستغاثة؟ وإلى أين ستأخذنا هذه الأحداث برأيك؟
-  تأخذنا هذه الأحداث للنهاية ونحن نستغيث للفضاء ونصرخ كي يسمعنا ولا يسمعنا البشر. فالأرض لم يعد فيها أمل فنحن صانعو النهاية والله وحده يعلم متى ستكون!
 
* تبدو مبالغاً في التشاؤم!! ألم يشهد العالم أحداثا ساخنة مشابهة في فترات ماضية؟  
- بالطبع لقد مر بأحداث مشابهة على سبيل التجربة ولكننا لم نتعظ ثم مررنا بعدها بعدة تجارب لعلنا نستيقظ ولكن بعد فوات الأوان. 
 
* بنظرة تأملية كيف ترى انعكاس هذا على المناخ الفني والموسيقي في بلادنا العربية ومصر؟
- كنت فيما مضى وكانت لدينا الفرصة للتأمل ولكننا الآن لا نملك التأمل ولا التمني لأننا ننتظر الصدمات وننتظر ما يحدث مرة بعد أخرى. ونضحك على أنفسنا إذا سألنا عن السبب، فنحن لا نجتمع على كلمة واحدة.
 
* أي نوع من الصدمات  تقصد؟ هل تعني أننا نعيش عصر الصدمات الفنية؟
- نحن نعلم جيدا أن الفن هو مرآة لكل ما يحدث في أي دولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وقد يكون رد فعل لها وقد يكون رد الفعل هذا بالخيبة التي نعيش فيها الآن!

 




الموسيقار حلمي بكر مع الموسيقار محمد عبد الوهاب


 
* تقصد الظواهر الغنائية السلبية التي ظهرت على الساحة تحت تسميات مختلفة كمن يطلق عليهم «فنانو المهرجانات»؟
- عندما يعلم أصحاب هذه الكلمة من الجهلاء ما معنى مهرجان أخبريني! لأن  الجاهل لا يملك إلا ثقافة الجهل ونشرها ونحن نعيش عصر الصمت وانتظار الجهل مما نحن فيه. تخيلي إنسانا أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يعرف خطورة الكلمة ولا معناها ويخرج على المجتمع ومثقفيه ويغني لهم وينشر ثقافة الجهل وهي «مصيبة سودا»وعندما أهاجم فلتعلمي أنني بخير وعندما يرد علي الجهلاء بالمهاجمة بالمثل هنا لا يكون الأمر خيراً.
 
* كفنانين كبار ورواد ألا توجد عليكم مسؤولية لمواجهة هذه الظاهرة ووقف التدهور في مستوى الذوق لهذه الدرجة الخطيرة؟ وأين دور جبهات الحماية المضادة المتمثلة في أصحاب الفن الراقي؟
- المسألة لا تعتمد على الرائد أو الريادة ولكننا الآن نعتمد على الخيبة ورد فعل الخيبة التي نعيشها حاليا! كما أن الجبهات الآن فقدت صوتها وأصبحت شيطانا أخرس.
 
* وماذا عن نقابة الموسيقيين المعنية بالأمر والتي يرأسها الفنان هاني شاكر، هل تراها مقصرة؟
-  نقابة الموسيقيين غير موجودة لأنه ليس للنقابة أي صدى صوت ودعيني أبتعد عن الحديث حول من يديرون النقابة. 
 
* تبدو حزينا رافضا للاستغراق في الحديث وكأنك تعبت أو مللت الكلام عن أحوال الفن والغناء حاليا؟
- أنا لا أمل ولا أصاب بالتعب ولكن عندما لا يكون لأي جبهة صدى صوت تصابي بالخيبة! عندما كنا نعيش عصر الجمال كان السباق بين الجميل والأجمل وهو ما ساهم في صنع حضارة أمم وخلق كيانات فنية جميلة وعظيمة على مر العصور يأتي على قمتها عبد الوهاب ثم أولاد عبد الوهاب في كل المنطقة العربية وصولا لمرحلة شاكوش وكزبرة وكمون ما شاء الله!! وأصبحت المقارنة للأسف بين شاكوش وكزبرة بعد أن كنا نقارن بين الجميل والاجمل ومع ذلك هم يحققون الشهرة ويحصلون على أجور ويحققون أرباحا، وهذا دليل على أنه ليس هناك جمهور فالجمهور أصبح في خبر كان، والشعوب الآن هي التي تعيث في الارض فسادا وأصبحت بلا هوية.
 
* هل تعتقد أن رحيل الكيانات الموسيقية الكبيرة كالفنان محمد عبد الوهاب  وأم كلثوم أفسح المجال لانتشار مثل أولئك الدخلاء على الطرب والغناء؟
- ذات يوم سألت الموسيقار محمد عبد الوهاب: لماذا انقطعت عن الغناء؟ فقال لي: «أعطني جمهورا وأنا أغني!»، فكان هناك مستمع عظيم ومات الله يرحمه وكفاه ما غناه عندما كان هناك مستمع يسمع، أما الآن فإنه يستعيض عن أذنه بعينه ونحن نعلم أن العين تلوثت لما تراه من مناظر هابطة وساقطة ورافضة للجمال الحقيقي. عندما كان عبد الوهاب موجودا كان بمثابة مظلة واقعية لنا جميعا تحمينا من أشعة الهيدروجين والنيتروجين الغنائي، فنحن نعيش الآن عصر دعارة الغناء وأعني به ما يمارس من قبل بعض الجهلاء من خريجي السجون وخريجي الجرائم التي تنتشر في مجتمعاتنا.
 
* إذا كان الموسيقار عبد الوهاب قال ذلك منذ عقود طويلة فما باله لو كان بيننا الآن، ماذا كان سيقول باعتقادك؟
-  لو كان الموسيقار عبد الوهاب بيننا لتمنى الموت، وكذلك عبد الحليم حافظ ربنا رحمه ومات في الوقت المناسب، لأنه لو كان عاش للآن، لا أعرف ما الذي كان سيحدث له! 
 
*  ما رأيك في المحاولات المتتابعة للمؤسسات العربية المختلفة لاكتشاف المواهب وتقديمها من خلال برامج متنوعة؟
- هي محاولات رمزية وليست محاولات حقيقية لأنها موسيقية وليست إبداعية فأي دولة توجه الفن من خلال وزارة الثقافة أو الفنون أو السياحة أو الإعلام أو عندما تعمل هذه الوزارات معا، سوف نحصل على درجة صفر لأن الأدوات التي تستخدمها ليست أدوات حقيقية فمن أين نأتي ثانية بعبد الوهاب وعبد الحليم وأم كلثوم ومن جاء بعدهم من وردة ونجاة وفايزة وصباح ومن أين نأتي  بنادية مصطفى وغادة وغيرهن وغيرهن!! 

 




أثناء إحدى تكريماته


 
* لكن معين المواهب لا ينضب ولا يمكن أن ننكر أن هناك أصواتا جيدة تستحق الإهتمام؟
- لا نجد أمامنا الا أم أربعة وأربعين والسحلية وشاكوش وكمون وكزبرة، فماذا ستفعل تلك الوزارات في هذه الحثالة؟!
 
* لكن المواهب موجودة وهو ما تؤكده البرامج المتخصصة في اكتشافهم وأنت شخصيا شاركت في بعضها بالتحكيم وساهمت في نجومية بعضهم. فما رأيك؟
- أصابنا الحول ونحن نبحث عن المطرب الجيد فنذهب إلى المطرب الرخيص وذلك بما يحمله من خطابات وهذه الخطابات تحمل إعلانات ممولة للبرامج ومن ثم تحولت البرامج إلى «سبوبة»وليست إلى إبداع.
 
* هل ينطبق ذلك على البرنامج الذي شاركت فيه بالتحكيم؟
- نعم! بما فيها البرنامج الذي قدمته، ولأن المشكلة أن هذه البرامج لا تكمل باقي الخطوات وإنما يتوقف الأمر عند مرحلة واحدة لذلك تعتبر هذه البرامج ناقصة. ففي مثل هذه البرامج في إنجلترا على سبيل المثال تمر بمراحل عديدة وصولا للمرحلة الأخيرة لصناعة النجوم، لكننا في عالمنا العربي نتوقف عند «الدورة دي جابت كام؟!»،ومن ثم فهذه البرامج لا تصنع نجما لأن النجم يصنعه الجمهور، وطالما لا يوجد جمهور فليس هناك نجم لأن الشركة المنتجة للبرنامج أو الممولة أو الشركة المعلنة هي التي تصنع النجم وتهنئه وهي التي تغني على ليلاها!
 
* هل يرجع ذلك لانسحاب الجهات القومية أو الوطنية التنفيذية عن مهمتها في رعاية وإقامة حفلات تتبنى المواهب وتصنع النجوم، مما أفسح المجال لجهات تجارية بحتة للقيام على الأمر؟  
- سؤالك ينطوي على الإجابة عن معنى كلمة «مهرجانات»عندما ذكرتِ قيمة الفن والدولة، وعندما كانت تتبنى أولادها ليخرج من الأرض الخضراء  ثمار خضراء مفيدة وليست ضارة. وأذكر أنه في ظل وجود دور للدولة حدث ذات يوم في إحدى ليالي حفلات أضواء المدينة  التي أحياها التلفزيون من جديد أن جاءت بإحدى «الحشرات»وكانت راقصة، وزعموا أنها خليفة أم كلثوم، وكانت النتيجة أن التلفزيون أغلق مبكرا!

 




بكر مع طفلته ريهام قبل الخلاف مع والدتها


 
* إذن أنت تطالب بدور للدولة في رعاية الفن!
- المهم هو أن نعرف ما طبيعة هذا الدور ومن هم الذين يقومون على أدائه! يعني لا بد أن نعرف من المسؤول الذي سيقوم بإدارة حفلات أضواء المدينة مثلا، وللأسف غالبا ما يكون موظفا على درجة وظيفية وليست له علاقة بالفن. بينما كان المسؤول في الماضي عن هذه الحفلات هو جهاز إعلام زاخر بالفنانين والمتذوقين والمستمعين. أما الآن فالناس تبحث عن السبوبة وعما يقبضونه من أجور وبدلات وعن المكاسب المتحققة من الحفل في حين أنها في الحقيقة مكاسب على الورق فقط!
 
* هل تعتقد أن تدخل الدولة في مثل هذه الحفلات يمكن أن يؤدي إلى استغلال الفن للتوجيه السياسي؟
- هنا يجب أن نتوقف لنعلم ماهية مسؤولية الدولة المقصودة في مثل هذه الحفلات، أنا أقصد أن تحمي الدولة بمظلتها وتؤيد الجيد وأن تبحث عن كل ما هو جميل وليس مسؤوليتها أن تحرك الوظائف التي لديها، لأن الفن ليس وظيفة وإنما إبداع.
 
* ما رأيك في تسييس الفن في المراحل الثورية من تاريخ مصر وخاصة ثورة يوليو؟
-  هذه المسألة يجب النظر إليها بشكل يركز على الناتج فمثلا نتيجة تلك العصور كان الموسيقار عبد الوهاب وأنا أسأل «عبد الوهاب جه بعده مين؟!»فالفرق بين قمة عبد الوهاب وقمة عدوية- يقصد المطرب الشعبي أحمد عدوية- أنه لما رحل عبد الوهاب وقرناؤه أصبح عدوية على القمة ثم خلفاؤه من بعده من شعبان عبد الرحيم وأوكا وأورتيجا وصولا لشاكوش وكزبرة، ثم بعد ذلك يتهمونني أنني أهاجم الفنانين.
 
* لكن هناك فنانين ارتبطت أسماؤهم بعصور وأنظمة سياسية مثل عبد الحليم حافظ، ألم يطلق عليه مطرب الثورة؟
- عبد الحليم ساهم في إنجاح ثورة 23 يوليو، و23 يوليو صنعت نجوميته بأغانيه الوطنية، أي إن كليهما استفاد من الآخر وأصبحت لعبة الغناء لعبة الحكم! 
 
* هل تعتقد أن مدى هذا الاستغلال السياسي لعبد الحليم حافظ وصل إلى درجة استخدامه كمخدر للشعوب في بعض الأحيان إلى جانب دوره في تعبئتهم خلف القيادة السياسية إذا لزم الأمر؟
- لا لا.عبد الحليم كان مرحلة غنائية في اتجاه آخر.
 
* يعني ألم يكن عبد الحليم حافظ مطرب النظام؟
- لا. يعني «مكنشي يتعمد يبقى مطرب النظام». لكن وجود النظام صنع منه نجما وصنع من النظام وجودا. ومن الممكن أن يكون النظام قد استغله أحيانا.

 




خلال  إحدى زيجاته


 
* بحكم عملك مع المطربتين فايزة أحمد ووردة الجزائرية، هل كانت بينهما خلافات لدرجة الخصومة وما طبيعة هذه الخلافات؟ 
- طبعا أنا قدمت أعمالا للمطربتين الكبيرتين وردة وفايزة، وأنا كشاهد على تلك المرحلة أؤكد أنه لم تكن بينهما أية خصومة، وإنما صراع من النوع المشروع، وهو صراع مشروع في عالمنا العربي عندما كانت الغيرة من الفن والغيرة على الفن، قبل أن يتحول إلى صراع غريب بين خريجي السجون.
 
* ساهمت في اكتشاف العديد من الأصوات حتى صاروا نجوما، فلماذا توقفت عن هذه المهمة للمساهمة في تنظيف الساحة من خريجي السجون الذين تتحدث عنهم؟
- بالفعل اكتشفت العديد من الأصوات منهم أصالة ومحمد ثروت ومدحت صالح وغادة رجب وكثيرون غيرهم. وكنت أبحث عن المواهب عندما كان هناك جمهور، أما الآن فلمن أبحث عن المواهب  في ظل عدم وجود جمهور!
 
* إلى أي مدى ساهمت وسائل الاتصال الحديثة والسوشيال ميديا في تدني مستوى الأغنية والأوضاع الفنية عموماً؟
- للأسف الشديد، أصبح التليفون يعيث فسادا فينا وصرنا بلا هوية وبلا شخصية وأصبحنا مجتمعا بلا وجود.
 
* إلى أين ستأخذنا هذه التكنولوجيا؟
- هي بالفعل «ودتنا في داهية»، فأنا أشعر أحيانا أن القيامة قامت وأننا نحاسب لأننا أصبحنا نتخبط ونشكو مذبوحين من الألم، فالوضع صعب عالميا ومحليا. 
 
* توافد الفنانون العرب على مصر عبر العصور وأثمرت هذه الظاهرة عن نجوم عرب كبار في مجال الطرب والموسيقى. كيف تقارن بين تلك الفترة وبين الوضع الحالي  للفنانين العرب في مصر؟
- طبعا مستوى الفنانين العرب حاليا ليس بنفس مستواهم أيام فايزة أحمد  ووردة وصباح، ولكن السماوات المفتوحة جعلتنا نتقارب دون طائرة وأصبحنا نتقارب بالأغنية وبالأمس كان ينتقل العالم العربي إلى مصر حيث كانت ريادة الفن للاستماع إلى أم كلثوم أول كل شهر أو للاستمتاع بأغنيات عبد الوهاب الجديدة والاستمتاع بما يقدمه عبد الحليم حافظ من أغانٍ تعبيرية وحسية. أما الآن فقد وصلنا لمرحلة بدأت بالقرع على الطبول وانتهت بمرحلة لطم الخدود. 
 
* ما رأيك في ظاهرة غناء بعض المطربين والمطربات بلهجات مختلفة عن لهجات بلادهم الأصلية؟ وهل يسهم ذلك في إنعاش الأغنية العربية؟
- للأسف لن يجدي هذا وهو ليس في مصلحة الفن فالدولة الواحدة فيها لهجات كثيرة غنائية مثلا في مصر نجد كل منطقة لها غناؤها الخاص من بحري لقبلي وبدوي وخلافه، تخيلي لو أزحنا هذه الحدود وصهرنا كل اللهجات مع بعضها، لن تعرفي هوية هذه البلد من الأخرى لأن «كله ساح في بعضه»مع إن كل دولة تحمل هوية ولها أزياؤها ولها غناؤها المميز وكلما برزت هوية كل دولة في غنائها ساهم ذلك في إثراء الغناء، ولذلك نحن نخسر حين يغني المطربون بلهجات غير لهجات بلادهم.

 




خلال مرضه


 
* إلى متى تظل متوقفا عن التلحين؟
-  يعني ألحن لمين فيهم على الساحة؛ شاكوش ولا كزبرة وكمون؟!
 
* هناك أصوات جميلة تحتاج لمن يمد يد العون لها ويساعدها بألحانه؟
- المشكلة في الجمهور الذي لم يعد يسمع بأذنيه ولم يعد موجودا أصلا! 
 
* هل هناك أسباب أخرى مثل استشعارك المرارة أو الجحود من تلاميذك ممن اكتشفتهم من قبل فقررت التوقف؟
- من يعطى لا ينتظر المقابل، ولكن يفرح عندما يجد أبناءه وتلامذته ينجحون، وأنا أفرح كثيرا عندما ينجح تلاميذي مع غيري، وبالعكس لو فشلوا أشعر أنني أنا الذي فشلت.
 
* بعد تجربة زواجك الأخيرة، وما أسفرت عنه من خلافات ومشاكل أسرية تضمنت الطلاق، تبدو وحيدا في هذا العمر، وأنت تعيش في عزلتك هذه، ألا تفكر في استئناف الحياة الفنية والتواصل مع الناس من جديد لعله يثمر عن ارتباط إنساني ناجح؟
- أنا في غنى عن التواصل، لأن التواصل الآن ليست له يد بيضاء، وأقول ذلك بصدق، فأنا لا أعرف المجاملة، والجري وراء لقمة العيش جعل الفنان لا يلتفت إلى ما هو جيد، بل إلى الرخيص. كما أن الظروف السياسية التي تجتاح العالم جعلت الفنان يعمل في ظروف الاضطرار وكذلك الظروف المجتمعية، وهي ناتجة عن الظروف الاقتصادية والسياسية معا، جعلتنا لا نقترب من بعضنا البعض، سمعيا ولكننا نتناقر أذنيا. 
 
* وماذا عن أبناء حلمي بكر وعلاقته بهم في هذه الفترة من العمر؟
- لدي ابني هشام ويقيم في الولايات المتحدة الأميركية، وهو من المتفوقين وقد حصل على الماجستير ولديه مشروعات وأبحاث كثيرة ومهمة هناك. ولدي ابنتي ريهام، الطفلة الصغيرة التي أنجبتها من آخر زوجاتي، والتي دمرتها أمها- منها لله- وما زالت تدمرها، وهي عندها 3 سنوات، ويساعدها في هذا بعض المخلوقات أو بعض ممن يسمون أنفسهم مخلوقات. وأكثر ما يؤلمني طبعا هو هذا الموضوع، وقد تجمعت أمنياتي كلها في أمنية واحدة هي أن تكون ابنتي ريهام في بيتي وأمام عيني، وهو ما أمني به نفسي طوال الوقت. 
 
* ندعو لك أن تحقق أمنيتك وتسعد بقربها وعرسها حينما تكبر
- دعاء جميل أعلقه على صدري عندما أتوارى في التراب.
 
* ألم  تندم على شيء في حياتك؟
- لا ليس هناك ندم لأنني أشعر أنني «عملت اللي عليا»،وأدرك جيدا أنني لم أدمر المجتمع بأي عمل رديء، وفي نهاية الأمر يعيش الفنان ثم يرحل وتبقى أعماله تتحدث عنه.