تعميم مصرف لبنان الـ154... ومعادلة الترغيب والترهيب

هل يعيد الأموال المهربة والمنهوبة؟

* القصار: ستتكشف الأمور لمن اتهم المصارف- ولا يزال- بتهريب الأموال إلى الخارج
* غبريل: التعميم لملء الفراغ الذي تركته السلطة التنفيذية
* «المركزي» ليس سلطة قضائية ولا قانونية قادرة على إلزام هؤلاء بإعادة جزء من أموالهم تحت طائلة الملاحقة القانونية، من هنا استخدم المركزي عبارة «حثّ العملاء»،

بيروت:  في مواجهة الفراغ الحكومي وغياب التشريع وبالتالي أي خطة متكاملة للإنقاذ الاقتصادي والمالي والنقدي، وفي ضوء توقف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بعد استقالة الحكومة، علماً أنها كانت متعثرة ومعلقة أساساً قبل الاستقالة، اختار حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عدم الانتظار لتشكيل حكومة جديدة وأخذ زمام المبادرة في محاولة للتخفيف من وطأة فشل المنظومة السياسية على الشعب اللبناني والدورة الاقتصادية والقطاعات الإنتاجية والمصارف.
فبعد سلسلة من الاجتماعات البعيدة عن الأضواء، بالإضافة إلى مروحة واسعة من المشاورات والاتصالات واللقاءات مع المعنيين في مصرف لبنان وخارجه، صدرت عن حاكم مصرف لبنان مجموعة من التدابير والتعاميم لـ«إدارة الأزمة» بما تحتاجه من إجراءات من شأنها ليس فقط مجرد التخفيف من الانعكاسات السلبية للانهيار السياسي، إنما تسعى إلى تجاوز الفشل والعجز السياسي في محاولة لإعادة إطلاق دورة اقتصادية تحاكي القضايا الطارئة والعاجلة وتضمن استمرار الحياة بالحد الأدنى المتاح.
وقد وضع سلامة المنظومة السياسية أمام مسؤولياتها لناحية التحذير العلني من عدم القدرة وعدم جواز الاستمرار في سياسات الدعم التي اعتمدت كإجراء استثنائي ومؤقت، فإذا بها تتحول في نظر الحكومة إلى ثابتة سرعان ما سترتد كارثة جديدة على الأوضاع الاقتصادية والمالية والمصرفية.
ولم يكتف الحاكم بالتحذير ورمي المسؤولية على غيره، بل سارع إلى تولي زمام المبادرة في اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي من شأنها التخفيف من وطأة الأزمة والتأسيس لحلول مستدامة متى توافرت الظروف السياسية المطلوبة.
 




نائب رئيس جمعية المصارف نديم القصّار



التعميم 154
شكّل التعميم رقم 154 الذي أصدره مصرف لبنان علامة فارقة في مضمونه؛ إذ وجه لفئة العملاء الكبار ممن حوّلوا أموالهم خارج لبنان، وإن لم يحمل صفة الإلزام بفعل طبيعة العمل المصرفي في لبنان والأطر القانونية، ولكنّها المرّة الأولى التي يصدر فيها المركزي تعميمًا متعلّقًا بهؤلاء.
في قراءة للتعميم 154 والتعميم الوسيط رقم 567 فهما يشكّلان دعامة أساسية لإعادة نهوض القطاع المصرفي، لأنّهما يشكّلان خارطة طريق لإعادة إحياء القطاع المصرفي وضمانة لإعادة الودائع إلى أصحابها.
التعميم 154 يطلب من المصارف أن «تقوم بحثّ عملائها الذين قام أيّ منهم بتحويل ما يفوق مجموعه 500 ألف دولار أو ما يوازيه بالعملات الأجنبية إلى الخارج، خلال الفترة من 1/7/2017 حتى تاريخ صدور هذا القرار، على أن يودعوا في حساب خاص مجمّد لمدة خمس سنوات، مبلغًا يوازي 15في المائة من القيمة المحوّلة». ويوضح التعميم طبيعة هؤلاء العملاء في البند الثاني من المادة الثانية، فيطلب تطبيقه على رؤساء وأعضاء مجالس إدارة وكبار مساهمي المصارف وعلى الإدارات العليا التنفيذية للمصارف وعملاء المصارف من الأشخاص المعرّضين سياسياً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو بواسطة شركات يمتلكها أيّ منهم على أن تعتمد هنا نسبة 30 في المائة بدلًا من 15 في المائة. على أن تستخدم هذه الودائع لتسهيل العملات الخارجية المحفّزة للاقتصاد.
والسؤال: كيف يمكن لهذا التعميم أن يلزم من هرّبوا أو حوّلوا أموالهم إلى الخارج، سواء أكانوا من الطبقة السياسية أو من أصحاب المصارف أو من المتمولين، أن يعيدوا نسبة 15 في المائة إلى المصارف اللبنانية، لاسيّما من تحوم حول أمواله شبهات الفساد؟
بطبيعة الحال المصرف المركزي ليس سلطة قضائية ولا قانونية قادرة على إلزام هؤلاء بإعادة جزء من أموالهم تحت طائلة الملاحقة القانونية، من هنا استخدم المركزي عبارة «حثّ العملاء»، ومن أجل تشجيع هؤلاء على إعادة بعض أموالهم إلى المصارف اللبنانية، ضمّن التعميم سلّة من الإغراءات إذا صح التعبير، بأن يقدّم المصرف للعميل المقصود ضمانة «باستعادة وديعته مهما كانت الظروف عند حلول الأجل المتفق عليه»، وذلك من خلال تقديم المصرف «إفادة خطّية صريحة تبين ذلك». وأكثر من ذلك وبقصد أن تتمتع الإفادة الخطّية بالمصداقية طلب من «مفوضي المراقبة أن يلبّوا كل طلب معلومات من المركزي تتعلق بصحة تطبيق أحكام هذه المادة». ولزيادة تشجيع هؤلاء العملاء، أتاح المركزي للمصارف منح هذه الفئة من المودعين فوائد عالية في البند الثالث من المادة الثانية «يمكن دفع فوائد على «الحساب الخاص» دون التقيّد بسقوف الفوائد المحدّدة في القرار رقم 13100.
ولكن ماذا لو لم تشجّع كل هذه الضمانات عملاء حوّلوا مليون دولار مثلًا إلى مصارف سويسرا، بإعادة 15 في المائة منها، وإيداعها في المصارف اللبنانية؟
هنا يمكن قراءة المسافة الفاصلة بين الترغيب والترهيب في التعميم، فهؤلاء العملاء الذين هرّبوا أموالهم إلى الخارج وتسبّبوا بأزمة سيولة مصرفية، والذين تحوم شبهات حول ثرواتهم بتهم نهب المال العام، يمكن فضحهم في حال تجاهلوا التعميم، ليس من قبل المصرف المركزي الملزم بالسريّة المصرفية، ولكن من خلال أطر أخرى، خصوصًا أنّ مسألة استعادة الأموال المنهوبة هي في عهدة القضاء، الذي يمكنه أن يطلب من لجنة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان تزويده بأسماء هؤلاء، فضلًا عن وجود منظومة قانونية لبنانية قادرة على مكافحة تبييض الأموال، وتهريب الأموال يندرج في إطارها. وكأنّ ما بين سطور التعميم يمكن قراءة الخلاصة التالية: «هرّبت أموالك بلا حسيب ولا رقيب، على الأقل ساهم ولو بجزء بسيط بحلحلة الأزمة النقدية والاقتصادية، بإيداع جزء منها في لبنان، وستنال فائدة عالية وضمانة خطّية باستعادة أموالك بعد 5 سنوات».
كما حدد في التعميمين الوسيط والأساسي، آلية إعادة تكوين المؤونات تدريجيًا على فترة خمس سنوات، وتخفيض المؤونات عام 2024 بحدّ أقصى، وزيادة رأس المال بنسبة 20 في المائة، وإعادة الالتزام بالمعايير، والطلب من المصارف استئناف تقديم خدماتها ووفق ما كانت عليه قبل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والعودة إلى النشاط المصرفي المعتاد، وفترة الخمس سنوات ليسترد وديعته من يعيد نسبة 15 في المائة من أمواله إلى المصارف اللبنانية «بما معناه أنّ المصرف المركزي يرى أنّ الأمور ستعود إلى طبيعتها في غضون خمس سنوات، وأن هذا المدى الزمني يمثّل سقف عمر الأزمة، وأن القطاع المصرفي سيعود ليقف على قدميه خلال هذه الفترة، وهذه نظرة مستقبلية إيجابية بمدى زمني مقبول».
 



الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور نسيب غبريل



كيف تلقفت المصارف التعميم 154؟
القصار
نائب رئيس جمعية المصارف نديم القصّار أوضح لـ«المجلة» أن «حاكم البنك المركزي يعي تماماً تفاصيل التعميم وأهدافه وحيثياته وبالتالي هو متأكد من قانونيّته تماماً، أما المصارف فيقتصر دورها على تطبيق التعميم عبر التمني على كبار عملائها وجوب استرجاع النسبة المذكورة من الأموال المحوّلة، وإذا لم يفعلوا، عندها تبلّغ مصرف لبنان بالأمر».
ولفت إلى أن «بهذا التعميم ستتكشف الأمور لمَن اتهم المصارف ولا يزال، بتهريب الأموال إلى الخارج، ومَن حوّل أمواله سيُعيد 30 في المائة منها إلى لبنان وهي نسبة غير ضئيلة، وستعود إلى الشخص ذاته بحساب خاص به»، وسأل القصّار في السياق: «هل الـ(هيركات) عملية قانونية، بينما استرجاع الأموال وبحسابه الخاص غير قانوني؟!».
وإذ أوضح أن «من خلال التعميم 154 ننتهي من مقولة أصحاب المصارف هرّبوا الأموال إلى الخارج، ذكّر بأن منذ اندلاع ثورة 17 تشرين وحتى اليوم، لا يزال أصحاب المصارف عرضة للشتم والحملات المتعددة الجوانب بتهمة تهريبهم الأموال إلى الخارج بمليارات الدولارات في مقابل حجبهم الودائع عن أصحابها. في حين أننا كأصحاب مصارف لم نتمكّن من إقناعهم بعكس ذلك سوى بالأرقام التي تزيل كل لُبس في الموضوع، ولكن بطريقة محدودة نظراً إلى التزام السرية المصرفية... إلى أن جاء تعميم مصرف لبنان 154 الذي طلب من رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المصارف والسياسيين، استرجاع 30 في المائة من الأموال التي تم تحويلها إلى خارج لبنان، أما باقي المودِعين فـ15 في المائة».
وشدد القصّار على «إيجابية هذا التعميم، وأعلن أننا كأصحاب مصارف سنطبّقه وسنسترجع الأموال من الخارج إلى لبنان»، وتابع: «حتى إن نسبة الـ15 في المائة المطلوب من العملاء استرجاعها منذ العام 2017، تبقى أقل من الفائدة التي تقاضوها طوال السنوات الثلاث وتبقى باسمهم في حساب خاص».
وأكد أن «التعميم صدر بعد دراسة قانونية ممحّصة من قِبَل مصرف لبنان، وهنا نسأل: هل اتخذت الحكومة أي تدبير أو قرار قانوني حتى اليوم؟! وقع انفجار مرفأ بيروت منذ شهر ولم تُعرف ملابساته حتى اليوم ولم يتم تعويض المتضرّرين».
وخلص القصّار إلى القول: «بتعميم مصرف لبنان رقم 154 نتفادى تطبيق الـ(هيركات) على أموال المودِعين، وبات من الأفضل أن نحث المعني بنَص التعميم، على استرجاع أمواله من الخارج ووضعها بحساب خاص باسمه... إنها مبادرة حل فنتلقّفها».
 



حاكم مصرف لبنان رياض سلامة 



غبريل
أما الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور نسيب غبريل فقد شكّك في حديث مع «المجلة» في آلية تطبيق هذا التعميم، ورأى أن هذا التعميم جاء في ظل غياب أي مبادرة حكومية وهو محاولة لاستقطاب السيولة إلى السوق اللبنانية عبر القطاع المصرفي .
ولفت أن مصرف لبنان طلب في التعميم أن تقوم المصارف بالمهمة أي مهمة حث عملائها «من مودعين أو أصحاب مصارف أو أعضاء مجالس إدارة أو سياسيين» الذين حولوا ما يفوق 500 ألف دولار أو ما يوازيه بالعملات الأجنبية الأخرى إلى الخارج منذ عام 2017 حتى تاريخ صدور هذا القرار إلى لبنان، فمن حوّل أمواله سيعيد 30 في المائة منها، مؤكدا أن المصارف ستطبقه .
لكن غبريل سأل: هل ستتمكن المصارف من إقناع عملائها سوى بالأرقام التي تزيل كل لبس بالموضوع، لذا من المفترض أن يتبع التعميم بعض الإيضاحات .
وتابع بسؤال آخر: ربما أحد العملاء استثمر أمواله في مشاريع عقارية أو تجارية فما هي الخطوة التالية؟
ووجد في التعميم نوع من ملء الفراغ الذي تركته السلطة التنفيذية منذ 17 أكتوبر الماضي حيث كان من المفترض أن تطبق إجراءات «الكابيتال كونترول» لكن للأسف حكومة الرئيس سعد الحريري لم تستطع البت بهذه المسألة وبعدها استقالت وأتت حكومة الرئيس حسان دياب التي انصرفت إلى مناقشة قانون «الكابيتال كونترول» ثم سحب المشروع فجأة من التداول أكثر من مرة، رغم أن «الكابيتال كونترول» يقونن التحويلات، لافتا إلى أن صندوق النقد الدولي متمسك أيضا بـ«الكابيتال كونترول» ويعتبره شرطا أساسيا للوصول إلى اتفاق مع السلطات اللبنانية .
وعادغبريل بالزمن إلى أزمة «بنك إنترا» في أواخر الستينات، حيث أقرت آنذاك السلطة التنفيذية بعد يومين إجراءات «الكابيتال كونترول» وفي العام 2007 وبعد خروج رؤوس الأموال من أيسلاندا التي سببت أزمة مالية كبيرة في البلاد أقرت سلطتها «الكابيتال كونترول» وأبدى غبريل أسفه لما آلت إليه الأمور، وبالتالي لا تزال تتقاذف السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية هذا الموضوع، فجاء هذا التعميم لملء الفراغ الذي تركته السلطة السياسية مؤكدا التزام المصارف به.