الجنسية التركيّة: سياسات ضبابية وامتيازات وبيع وشراء!

«المجلة» تفتح ملف معوقات حصول السوريين عليها

* حذف ملفات السوريين المتقدمين للجنسية شكّل صدمة كبيرة للآلاف ووجدوا أنفسهم في نقطة الصفر بعد سنوات طويلة من الانتظار

* عدد السوريين حاملي تصاريح العمل 30 ألفاً فقط من أصل 3.6 مليون سوري

* يتعرض اللاجئون لسوء المعاملة والتعنيف اللفظي والتمييز خلال مراجعتهم لمديريات إدارة الهجرة

* الاستخبارات التركية لشاب سوري: «قدم لنا المعلومات حول السوريين، ويمكن أن نؤمن لك الحصول على الجنسية التركية»

* معايير اختيار المرشحين للجنسية ليست واضحة ولا منسجمة مع تصريحات الرئيس حول أصحاب الكفاءات أو الشهادات

* تجنيس وإرسال السوريين إلى المناطق السورية التي تسيطر عليها تركيا قد يكون مقدمة للضم

* شهدت الدوائر المحليّة لإدارة الهجرة حالات متكررة من سوء المعاملة، والعنف وصولاً إلى الاعتقال والترحيل خلال المراجعات الروتينية

* بكيلو بقلاوة وقليل من التحذلق، يمكن للمراجع معرفة فيمَ إذا كان سيتم استدعاؤه قريباً للتقدم للحصول على الجنسية التركيّة أم لا

 

لندن: ضجت منصات التواصل الاجتماعي في تركيّا يوم الجمعة الماضي بخبر حذف آلاف الملفات للسوريين المتقدمين للحصول على الجنسية التركية. وليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها حذف طلبات الجنسية دون سابق إنذار، لكن ما يميز هذه الجولة من الحذف أنها طالت عدداً كبيراً من الملفات العالقة منذ ما يقارب الأربع سنوات في مرحلة البحث والتدقيق الأمني والتي طالت عدداً ممَن يفترض أنهم الدفعة الأولى من المستحقين للجنسية الاستثنائية من أصحاب الكفاءات أو الشهادات ورجال الأعمال الذين تم استدعاؤهم لتقديم أوراقهم للحصول على الجنسية الاستثنائية بعد إعلان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان نيته منح عدد من السوريين الجنسية التركية في 2016

شكلت هذه الخطوة صدمة كبيرة للآلاف من العائلات ورجال الأعمال وأصحاب المهن الذين تحطمت آمالهم وتبددت خططهم ووجدوا أنفسهم في نقطة الصفر بعد سنوات طويلة من الانتظار. فما القصة وراء تجنيس اللاجئين السوريين في تركيّا؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد من مقدمة حول سياق الكتلة البشرية الضخمة الموجودة في الدولة الجار.

الوضع القانوني وواقع العمل

يصل عدد السوريين في تركيا إلى 3.5 مليون نسمة، ويعيش 98 في المائة منهم في المدن التركية، أي خارج مخيمات اللجوء، ويحمل معظمهم بطاقة الحماية المؤقتة والتي لا تنطبق عليها بنود معاهدة 1951 في جنيڤ الخاصة باللاجئين، حيث تمنح حالة الحماية المؤقتة حامليها حق البقاء في ولاية محددة في تركيا دون السماح لهم بالتنقل داخل البلاد أو خارجها، بالإضافة إلى حق تلقي العلاج في المستشفيات الحكومية والتعليم في المؤسسات التعليمية التركية بتمويل أوروبي وأممي.

بينما يحمل حوالي 60 ألفاً من السوريين (أقل من اثنين في المائة) بطاقة الإقامة السياحية التي يقومون بتجديدها بشكل دوري، والتي تسمح لهم بالتنقل خارج البلاد أو داخلها دون إذن مسبق، لكن الحصول عليها معقد ومكلف إلى حد كبير.

المشكلة الأساسية في واقع السوريين (الضيوف أو المهاجرين) كما تسميهم الحكومة التركية، هي أن حالة الحماية المؤقتة التي يتمتعون بها لا تمنحهم الحق في العمل، ولا تجعل منهم مستحقين لأي مساعدات من الحكومة في الوقت ذاته. هذا يعني أن العمل هو الخيار الوحيد أمام السوريين لكسب معيشتهم وإعالة أنفسهم، ما دفع مئات الآلاف منهم للعمل بشكل غير قانوني وفي ظروف قاسية، دون ضمانات ودون حماية، وعرّض الكثير من العمال من الفئات المهمشة للاستغلال وإساءة المعاملة، ناهيك عن الأرقام المهولة لعمالة الأطفال.

يتطلب العمل في تركيّا استصدار تصريح بممارسة العمل من وزارة العمل، وقد حددت الوزارة نسبة 9 : 1 بما يخص حاملي بطاقة الحماية المؤقتة، هذا يعني أن مقابل كل عامل سوري يعمل في الشركة، فإن صاحب العمل مطالب بتشغيل 9 مواطنين أتراك، ما جعل قضية العمل بشكل قانوني صعبة إلى حد مستحيل في البلاد.

في ظل هذا الواقع، تشير أرقام وزارة العمل في تركيّا إلى أنها لم تمنح حق العمل إلا لـ30 ألفاً من السوريين خلال العام الماضي من أصل أكثر من مليون ونصف المليون من السوريين القادرين على العمل في البلاد، بالإضافة إلى وجود ما يقارب 10 آلاف شركة قام بتأسيسها سوريون منذ بداية اللجوء نحو تركيا عام 2011.

في ظل المصاعب التي يواجهها السوريون بشكل عام، وتواجهها الكفاءات والخبرات السورية بشكل خاص نظراً لتعقيد ظروف العمل القانونية، بالإضافة إلى منع العمل للأجانب بشكل مطلق ضمن مجموعة من المهن المحددة، كالمحاماة والصيدلة وطب الأسنان وغيرها، فإن عدداً كبيراً من السوريين اتجه غرباً نحو دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي كان أحد أسباب اتفاقية اللاجئين الشهيرة بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

 



بطاقة الحماية المؤقتة للسوريين

 

الجنسية التركية والجنسية الاستثنائية

تشبه السياسات والقوانين التركية نظيراتها حول العالم فيما يتعلق بمنح الجنسية للأجانب، من ناحية الإقامة دون انقطاع، مع العمل لمدة معينة أو الاستثمار أو الزواج من مواطن يحمل الجنسية التركيّة أو التبنّي.

لكنها تختلف في موضوع الحصول على الجنسية عن طريق الأصول، فيمكن لمن يستطيع أن يثبت أن أحد أجداده حمل الجنسية التركيّة بعد تأسيس الجمهورية أن يحصل على أمر قضائي بمنحه الجنسية، لكن هذه القضايا طويلة ومعقدة لما تحتويه من ثغرات متعلقة بالتزوير والميراث والملكيّة.

بالإضافة إلى ذلك، وبعد أزمة الليرة التركيّة، قامت الحكومة بسن تشريعات جديدة من شأنها تسهيل الحصول على الجنسية التركية للمستثمرين في النقد الأجنبي في البنوك التركية أو في العقارات، ما فتح الباب أمام مجموعة من العرب والأجانب للحصول على الجنسية التركيّة خلال الأعوام القليلة الماضية.

في الواقع، لا تنطبق قوانين الجنسية التركية على حاملي بطاقة الحماية المؤقتة. وبالتالي ليس لهؤلاء الملايين من اللاجئين أمل لا بالعودة إلى ديارهم المدمرة، ولا بالحصول على حق المواطنة والعيش في بلد قضوا فيه ما يقرب من عقد من الزمن.

لكن هذا الواقع بدأ بالتغير بالتزامن مع اتفاقية اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، حين صرّح الرئيس التركي عام 2016 أن حكومة بلاده تعمل على مشروع يمنح الراغبين من اللاجئين السوريين الجنسية التركية وأتبعها بتصريح في 2017 يؤكد على وجود «أشخاص بينهم ]اللاجئون السوريون والعراقيون[ من أصحاب الكفاءات العالية التي من الضروري الاستفادة منها بدلاً من تركهم دون عمل».

وأضاف: «سنمنحهم الفرصة للعمل بصفتهم مواطنين، وأبناء هذه الأمة، بدلاً من تركهم يعملون بشكل غير قانوني».

وبالفعل، لم يكد عام 2017 يبدأ إلا وكانت آلاف الدعوات قد وصلت عبر الرسائل النصيّة القصيرة إلى مجموعات مختلفة من اللاجئين السوريين، بغض النظر عن مؤهلاتهم العلميّة أو مهنهم أو مدى إتقانهم للغة أو فترة بقائهم في تركيّا، تخبرهم بوجوب مراجعة إدارة الهجرة في الولاية التي يقيمون فيها للتقدم من أجل الحصول على الجنسية التركيّة.

لم تكن معايير الاختيار واضحة بالمطلق ولا منسجمة مع تصريحات الرئيس حول أصحاب الكفاءات أو الشهادات، ولم تكن الخطوات والإجراءات المتبعة متطابقة بل كانت تتبع في كثير من الأحيان لفهم الدوائر المحلية لفروع إدارة الهجرة سيئة السمعة في الولايات المختلفة. في الحقيقة، لا يعرف أحد حتى الآن ما هي آلية الاختيار والمنح للجنسية التركية للسوريين رغم مرور ما يقارب خمس سنوات على إقرار آلية الجنسية الاستثنائية للسوريين.

المديرية العامة لإدارة الهجرة هي المؤسسة الحكومية المسؤولة عن إدارة شؤون الأجانب وإصدار تصاريح الإقامة السياحية، وتسجيل «الضيوف» وإصدار بطاقات الحماية المؤقتة بالإضافة إلى كونها المحطّة الأولى للتقدم للحصول على الجنسية التركية، ويعود سوء سمعة فروع إدارة الهجرة في تركيا بين السوريين إلى حالات الازدحام وسوء الخدمة والتخبط في القوانين والاستثناءات وانتشار الرشاوى والسماسرة المتعاونين مع موظفين في الدوائر. بالإضافة إلى حداثة تجربة إدارة الهجرة بحد ذاتها كمؤسسة أو جهاز حكومي، حيث تم إنشاء مديرية إدارة الهجرة في تركيا عام 2014 وتم توكيلها بإدارة ملف الأجانب عوضاً عن فرع شرطة الأجانب التابع للمؤسسة الأمنية ووزارة الداخلية قبل ذلك.

في هذا السياق، شهدت الدوائر المحليّة لإدارة الهجرة في الولايات المختلفة حالات متكررة من سوء المعاملة، والعنف اللفظي والتهديد والتمييز في التعامل على أساس الدين والجنسية والشكل، وصولاً إلى الاعتقال والترحيل للكثير من الأجانب خلال مراجعاتهم الروتينية.

وعلى الرغم من كل ذلك، شكّل توجه الحكومة آنذاك نحو منح السوريين الجنسية أملاً كبيراً لمئات الآلاف من السوريين الذين كانوا محرومين من حريّة الحركة أو العمل أو التملك في تركيّا، وبنوا آمالهم في الحصول على حياة مستقرّة، وكان ذلك حقيقياً في حالة أكثر من 47 ألف بالغ سوري ومثلهم من الأطفال تم منحهم الجنسية التركية الاستثنائيّة وبالتالي صار لهم كامل الحق في الانتقال والتملك والعمل، والاستفادة من خدمات وبرامج الرفاه الأخرى التي توفرها الدولة للمواطنين.

ضمن برنامج الجنسية الاستثنائية حصل معلمو ومعلمات مراكز التعليم المؤقتة الخاصة بالسوريين على الجنسية التركية، بالإضافة إلى مجموعات من طلاب الجامعات والأطباء العاملين في المستوصفات العامة المختصة بالسوريين وأصحاب الشركات وبعض حاملي تصاريح العمل.

 



لاجئون سوريون يعملون في موقع بناء في حي أنايورت في أنقرة، تركيا (غيتي)

 

بازار «الوطنداش»

أصبحت الجنسية التركية حلماً للكثيرين من الآملين بالاستقرار في البلد الجار، لوجود شبكاتهم العائلية، وإتقانهم اللغة أو عملهم ودخول أولادهم المدارس وتقارب المجتمع المسلم مع غالبية اللاجئين السوريين. وفي ظل ضبابية السياسة بدأت المحاولات للحصول على الجنسية أو الاستدعاء للتقدم للجنسية هاجساً لكثيرين.

دفع التخبط في إدارة الملف السلطات للدخول في دوامة من التناقض، ويمكن أن نعزو ذلك إلى مجموعة من الأسباب، أهمها:

1- حداثة تجربة دوائر الهجرة

2- عدم وضوح سياسات الاختيار والتقييم

3- انتشار الرشاوى والسماسرة

4- نفوذ الجهاز الأمني والمخابرات في كل المسائل المتعلقة بالسوريين

5- حصول تغيرات في السياسات الداخلية التركية، تجلت في خسارة حزب العدالة والتنمية الأغلبية المطلقة في البرلمان وخسارته في الانتخابات البلدية الأخيرة.

أحد الشبان حصل على الجنسية بتسليمه رسالة تشرح تفوقه الرياضي باليد للرئيس إردوغان، وآخرون عن طريق مراسلة مديرية إدارة الهجرة في أنقرة بمؤهلاتهم، كما انتشرت فيديوهات لمجموعة من الرجال يحملون أوراقهم لتقديمها لأحد المسؤولين رفيعي المستوى خلال زيارتهم لإحدى المدن.

لم يتوقف الأمر هنا، بل امتدّ التخبّط لتصبح الإدارة السيئة للملف ثقباً أسود يبتلع أحلام الناس وأيامهم وآمالهم دون أمل في الحصول على تفسير قانوني واضح. أحد الأطباء السوريين الذين يعملون في ظل جائحة كورونا انتظر أكثر من 3 سنوات ليكتشف أن ملفّه قد تم حذفه دون تقديم أي أسباب، وهو يستغرب من عدم حصوله على الجنسية رغم أنه خريج جامعة تركية، ومتزوج من تركية، ويتقن اللغة، ويحمل تصريح عمل ويدفع ضرائبه بانتظام.

من جانب آخر يعبر سوريّ آخر عن حيرته حول حصوله على الهوية التركية خلال سنة من قدومه إلى البلاد، وندمه على ذلك لأنه لم يعد يعتبر مستحقاً للمساعدات الأوروبية أو الأممية أو برامج إعادة التوطين والهجرة وقبول اللاجئين بعد تجنيسه.

أصبحت إذن قضية تجنيس السوريين محاطة بالضبابية والغموض، ومحطاً للتجاذبات الداخلية السياسية، ما فتح الباب على مصراعيه للإشاعات والأخبار الكاذبة، وللفساد والرشاوى.

بكيلو بقلاوة وقليل من التحذلق، يمكن للمراجع معرفة فيمَ إذا كان سيتم استدعاؤه قريباً للتقدم للحصول على الجنسية التركيّة أم لا. وإذا كان الجواب لا، فإن أول سؤال سيخطر ببال المراجع هو، كيف يمكنني الحصول على الجنسية.

إذن ما هي الطرق الأخرى للحصول على الجنسية التركية الاستثنائية؟

بطريقة تذكّر بفترة منح الجواز السوداني للسوريين مقابل بضعة آلاف من الدولارات.

إذا أردت إضافة اسمك للقائمة التي سيتم استدعاؤها، فعليك أن تسلك طريقاً يتطلب الكثير من الدولارات وسمساراً محترفاً. سيتوجب عليك أن تدفع ما بين 60 إلى 100 ألف ليرة تركيّة (9-15 ألف دولار) لتصلك رسالة نصية قصيرة بوجوب مراجعة دائرة إدارة الهجرة مع مجموعة من الأوراق وصورة شخصية للتقدم إلى الجنسية التركية الاستثنائية.

أما إذا كنت قادراً على دفع 220 ألف ليرة تركيّة (30 ألف دولار) فإنك تحصل على الجنسيّة خلال فترة قصيرة جداً، والدفع بعد الاستلام.

بعض المحظوظين أيضاً لهم طرق مختلفة للحصول على الجنسية الاستثنائية، مثل المقربين من الأجهزة الأمنية والمتعاونين مع جهاز المخابرات، الذين يكونون مخبرين مسؤولين عادة عن إعداد التقارير عن السوريين واللاجئين على طريقة المخابرات السورية، حتى إن العرض يمكن أن يكون واضحاً وبسيطاً: «قدم لنا المعلومات حول السوريين، ويمكن أن نؤمن لك الحصول على الجنسية التركية».

بعض منظمات المجتمع المدني السورية المقربة من الحزب الحاكم يمكن أن تتقدم بطلب لتجنيس العاملين لديها وأقاربهم وأصدقائهم، بينما يتم ترحيل موظفي ومسؤولي منظمات أخرى، وينطبق هذا الازدواج على المؤسسات الإعلامية والبحثية، فالممولة من قطر أو المقربة لحزب العدالة والتنمية ترسل القوائم للتجنيس أيضاً، أما بالنسبة للصحافيين والناشطين، ففي الطريقة ذاتها يتم تجنيس بعضهم بينما يتم ترحيل آخرين أو تهديدهم بالترحيل ليرحلوا بأنفسهم.

لا يقتصر الموضوع بالطبع على السوريين المقربين من حزب العدالة والتنمية، بل يشمل المحسوبين على بعض التيارات السياسية الإسلامية المقربة من الحزب في مختلف الدول العربية، إذ قامت السلطات التركيّة بمنح الجنسية لسبعة قادة من قيادات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بينما ينتظرها خمس قيادات آخرون، بحسب جريدة «التلغراف» البريطانية.

 



مكاتب إدارة الهجرة

 

أبعاد سياسية للقضية

بعض التحليلات تشير إلى وجود أبعاد سياسية في قضية الجنسية الاستثنائية للسوريين، خصوصاً عندما علت أصوات الشارع التركي والأحزاب المعارضة قبيل الاستفتاء على الدستور، محذرة من الاستعجال بمنح الجنسية للسوريين بهدف التأثير على نتيجة الاستفتاء.

فرغم أن فرص تأثير عشرات الآلاف من السوريين على مسار انتخابات وطنية يشارك فيها ما يقارب نحو خمسين مليون ناخب تبدو ضئيلة، إلا أنها قد تبدو مهمة عندما ندرك أن الاستفتاء على الدستور قد انتهى بنسبة 51 في المائة لصالح مقترح العدالة والتنمية، وأن حزب العدالة خسر لأول مرة منذ عقود انتخابات بلدية اسطنبول بفارق بضعة آلاف من الأصوات لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري.

هذا يعني أن سيناريو التجنيس من أجل كسب الأصوات قد يبدو حالماً عند النظر إليه على المستوى الوطني بأكمله، لكنه بكل تأكيد مؤثر في الانتخابات المحلية التي يصارع حزب العدالة والتنمية على الحفاظ عليها، أو في الولايات والمدن التي تحتوي على عدد كبير من السوريين لكنها من الحصة التقليدية للأحزاب المعارضة.

يتفق هذا الطرح مع بعض القصص التي يتناقلها السوريون في تركيا عن بعض القرى والمدن في ولايات مثل أنطاكيا واسكندرون ومرسين التي تم فتح الباب أمام كل سكانها من السوريين للتقدم للحصول على الجنسية وتم منحهم إياها خلال مدة استثنائية لم تتجاوز 16 أسبوعاً، بينما فرضت شروط قاسية ولم يفتح الباب للتقدم في ولايات أخرى مضمونة النتائج في الانتخابات المحلية.

يشير محللون إلى أن أحد أسباب انخفاض شعبية حزب العدالة والتنمية وخسارتهم المدوية في إسطنبول، هو الانفتاح تجاه السوريين اللاجئين بشكل خاص والعرب بشكل عام، كالليبين والمصريين والعراقيين واليمنيين، لذا بدأت الحملة المفاجئة والقاسية بترحيل آلاف السوريين إلى خارج إسطنبول، وإلى سوريا في بعض الأحيان.

زيادة على ذلك، فإن على حزب العدالة والتنمية تقديم بعض التنازلات لحليفه حزب الحركة القومية المعروف بمواقفه القومية المتشددة والرافضة لمنح الجنسية التركية للسوريين، نظراً لأنه لم يعد يملك الأغلبية في البرلمان، لذا فربما قد تكون جولتا حذف الملفات الأخيرتان ضمن التفاهم الداخلي للتحالف بين الحزبين حول ملف تجنيس السوريين.

ويقترح السيناريو الأخير أن تجنيس السوريين جزء من مخطط بعيد المدى لضم المناطق السورية المحتلة حالياً من تركيا، ويعتمد هذا الطرح على الميثاق الوطني (المِلّي) الذي كان جزءاً من حرب التحرير بعد الحرب العالمية الثانية لاستعادة أراضي الإمبراطورية العثمانية وإقامة دولة تركيا متضمنة مناطق من حلب إلى الموصل شمال سوريا والعراق حالياً، والذي أتى على ذكره الرئيس أردوغان في أكثر من مناسبة.

إضافة إلى ذلك، مجموعة تصريحات المسؤولين الأتراك التي لا تحصى عن أهمية وجود المنطقة الآمنة شمال سوريا تحت سيطرتها لإرسال ملايين السوريين إليها، والتي بدأت فعلاً بالتشكل من عفرين غرباً إلى وسط وشرق سوريا.

الجدير بالذكر أنه يمكن لحملة الجنسيات المزدوجة (السورية والتركية) العبور إلى المناطق التي تسيطر عليها تركيا والاستقرار هناك أيضاً، ما يثير شكوكاً أكبر حول هذا المخطط، الذي يشمل إرسال وتجنيس جزء من السوريين تمهيداً لاستفتاء على الضم على غرار استفتاء أنطاكية منتصف القرن الماضي.

 



طفل سوري لاجئ يعمل في مصنع ملابس في مدينة غازي عنتاب، تركيا. (غيتي)