مأزق قديم... العراق تحت ضغط الاغتيالات الداخلية

عدم استقرار... وانتفاضات شعبية متوالية... وتدخلات إقليمية غير منتهية

*  مئات القتلى والجرحى في ساحات التظاهر والآلاف المختطفين مجهولي المصير بمدن العراق والفاعل دومًا مجهول

* الاغتيالات المتواصلة للنشطاء السياسيين أضحت ظاهرة عراقية على مدى سنوات خلت، وغدت «علامة عراقية مميزة»

* الميليشيات العراقية الطائفية التابعة لإيران محرك رئيسي في دوران عجلة الاغتيال وعدم توقفها، رغم تنامي الغضب الشعبي وتعاظم وتيرة التظاهر والتنديد بممارساتها من قبل المتظاهرين والمحتجين العراقيين

* مطالب الشعب العراقي تعبر عن مرارة الواقع الذي يصعب استمراره. ومع ذلك ثمة مؤشرات إيجابية يصعب إغفالها كحيوية ونضج قطاعات واسعة من الشعب العراقي

* توحي مبادرة اللقاء الثلاثي الذي جمع بين قادة مصر والأردن والعراق وما تم التوصل إليه من اتفاقات اقتصادية وتوافقات سياسية بأن هناك «بديلاً عربياً» قيد التشكل

أنقرة: لا يزال العراق يعاني... مرت السنوات وتوالت الأحداث حاملة معها من التوترات الكثير ومن الاضطرابات ما جعل سمة الحالة العراقية عدم الاستقرار. انتفاضات شعبية متوالية. وتدخلات إقليمية غير منتهية. فتحولت البلاد إلى ساحة لتصفية الخلافات وتعددت على ساحته المواجهات الإقليمية والدولية، كما تنامت بداخله النزاعات الانفصالية والرغبة في الانتقام من الساسة الذين أوصلوا الدولة العراقية بتاريخها العريق وقوتها المعهودة إلى هذه الحالة من الضعف والتراجع.

أفضى ذلك إلى أن شهدت الساحات العراقية انتفاضات شعبية لا تلبث أن تخفت حتى تعود للاشتعال. ذلك أن أهدافها سرعان ما يتراجع السياسيون عن تحقيقها بمجرد أن يهدأ فيض «الفوران الشعبي». ولأن هذه التحركات الاحتجاجية لم تأت وحسب رفضًا للأوضاع الداخلية، وإنما لتحول البلاد إلى تبعية دول الجوار الجغرافي مثل إيران، عبر أذرع وميليشيات إرهابية، فإن قادة هذه الاحتجاجات والثورات الشعبية باتوا مطلوبين من قبل الجماعات والميليشيات الظلامية الانتقامية التي تتبع هذه الدول، والتي أخذت على عاتقها تصفية رموز وقادة هذه الحركات الثورية عبر سلسلة من الاغتيالات لم تهدأ ولم تتراجع وتيرتها.

لقد بلغ عدد القتلى في ساحات التظاهر في مدن العراق خلال الأزمة الأخيرة المئات، وبلغ عدد المختطفين مجهولي المصير الآلاف، وكذلك عدد المصابين المشاركين في الانتفاضة الشعبية. ورغم تعدد الضحايا وتشابه أنماط الجريمة وملابساتها، فإن الفاعل دومًا مجهول، كما أن التراخي حيال ذلك بدا أنه سمة رئيسية للتعاطي مع أزمة تفاقمت وتعاظمت ارتداداتها الشعبية وتداعياتها الأمنية والسياسية.

ذلك أن عمليات الاغتيالات المتواصلة للنشطاء السياسيين أضحت ظاهرة عراقية على مدى سنوات خلت، وغدت «علامة عراقية مميزة»، سيما بعدما امتدت لتشمل بعض السياسيين والإعلاميين الذين يشاركون في هذه المظاهرات ويتناقلون فاعلياتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتغدو وسيلة التعاطي مع ذلك ومجابهته تتمثل في «مجموعات الظلام» ككتائب الموت ومجموعات الاغتيال عبر «السكاكين» و«كواتم الصوت»، وذلك من خلال حيل عديدة منها المراقبة وتحين الفرص لعملية الاغتيال عبر ملابس تنكرية، تخفي وجه القاتل لكنها تُظهر وجهًا آخر لـ«الموت الكامن» في عقول أولئك الملثمين المنفذين لأجندات القتل الممنهج.

لم يسلم من «القتل الصامت» عبر «كواتم الصوت» كل صاحب رأي مضاد لانتشار نفوذ التنظيمات الطائفية، سيما من الصحافيين ليصل العراق إلى أعلى نسبة من التعرض للاغتيال في العالم، بلغت أكثر من 450 صحافيًا وإعلاميًا، أولهم نقيب الصحافيين العراقيين الراحل شهاب التميمي، الذي اغتيل عند خروجه من مقر النقابة، تلا ذلك عمليات استهدفت المئات ممن اختلفت معهم السلطة أو استهدفتهم الجماعات الإرهابية والطائفية بسبب توجهاتهم وآرائهم المضادة.

جاءت بعدها أيضًا عمليات ممنهجة  لتصفية النشطاء والأكاديميين، وبقوائم معدة سلفًا، آخرها تضمن اسم الإعلامي والخبير الأمني هشام الهاشمي الذي اغتيل أمام بيته في بغداد، ورغم أن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وعد بأن يكون "ولي الدم" لمستشاره وصديقه الهاشمي، وإجراء تحقيقات شاملة لكشف المنفذين والمحرضين على اغتياله، فإن القضية ما زالت مسجلة ضد مجهول، مما يعطي انطباعًا لدى العامة بأن وراء قرار التصفية والتنفيذ جهات منظمة وفاعلة ومحترفة.

 



مشيعون يجلسون في مؤخرة سيارة بجوار نعش الناشطة المقتولة ريهام يعقوب المغطى بالعلم العراقي خلال جنازتها في مدينة البصرة جنوب العراق، 20 أغسطس 2020

لماذا تتصاعد عمليات الاغتيال

نشرت صحيفة «صنداي تايمز» تقريرًا، قالت فيه إن الميليشيات في العراق تواصل استهداف الناشطين، وإن لديها قائمة اغتيالات بها 70 اسمًا. ومن بين هؤلاء الـ70 لم يستطع سوى عدد قليل من الناشطين توفير المال للهروب، خصوصا من مدينة البصرة.

وحاول رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي كان مديراً للمخابرات واختير في مايو (أيار) الماضي بعد أشهر من المظاهرات في البصرة وبغداد، الحد من نشاطات وتأثير الميليشيات المسلحة التي تحاول إضعاف سيطرة الكاظمي على الحكم ومنع المتظاهرين في البصرة وبغداد من التعبئة والتحول إلى قوة سياسية.

وتعد الميليشيات العراقية الطائفية التابعة لإيران محركاً رئيسياً في دوران عجلة الاغتيال وعدم توقفها، رغم تنامي الغضب الشعبي وتعاظم وتيرة التظاهر والتنديد بممارساتها من قبل المتظاهرين والمحتجين العراقيين. وقد بدأت الاحتجاجات في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 واستمرت عدة أشهر، وطالب خلالها مئات الآلاف من العراقيين بوظائف وخدمات ورحيل النخبة الحاكمة، التي قالوا إنها «فاسدة». وتسببت الاحتجاجات في استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، الذي حل محله في مايو الماضي الكاظمي.

تتنوع الأسباب وتتعدد محركات انتشار هذه الظاهرة. بيد أن ثمة اتفاقاً لدى معظم المراقبين على أن اللجان المختلفة التي شكلتها الحكومات العراقية لحل طلاسم هذه العمليات الإجرامية كانت أداة قاصرة وعاجزة وتفتقد الجرأة للتعاطي مع هذه الأزمة التي تمثل ارتداداتها انعكاساً لانتشار ظاهرة «كتائب الموت».

ليس هناك من المسؤولين من يستطيع الإشارة بوضوح إلى «عمق الجرح» الإنساني الناتج عن محاولة أحزاب السلطة المتطرفة أن توقف الأصوات الشبابية المطالبة بالحرية والعدالة وتأمين العيش الكريم أو إعلان الحرب على الفساد.

لقد باتت المظاهرات والاحتجاجات المتواصلة والمتجددة العدو الأول في أجندة الميليشيات المنبثّة في الشوارع والأحياء المحتمية بتسميات أحزاب السلطة. ذلك أن عشرات الميليشيات تمكنت من توظيف أتباعها ومريديها في نظام تستند بعض أركانه على تنظيمات طائفية تستمد قوتها من قوى خارجية، ترفع شعارات ما عادت مستساغة من عامة الشعب الغاضب على واقع مرير، لذلك لم تعد القطاعات المحتجة منه تتوانى عن حرق مقارهذه التنظيمات الطائفية ومكامنها، لإعلان غضب جماهيري متأصل على وجودها.

احتدت الاحتجاجات وامتدت من مدينة إلى أخرى لتشمل مختلف أنحاء بغداد ووسط البلاد فضلا عن مدن الجنوب العراقي مركز المظاهرات وشراراتها، سيما تلك التي تشهد تمركزات الميليشيات الطائفية الإرهابية التابعة لطهران في مدينة الناصرية والبصرة، حيث أحرقت مقار تابعة للعديد من الأحزاب في المدينة. وهُدمت مقار ميليشيات «بدر»، و«عصائب أهل الحق» في ذي قار .وفي البصرة، أضرم المتظاهرون العراقيون النار في مكتب البرلمان للمطالبة بإقالة المحافظ. واحتشد المحتجون لمطالبة البرلمان العراقي بإقالة المحافظ بعد مقتل اثنين من الناشطين وإصابة آخرين في 3 هجمات منفصلة نفذها مسلحون مجهولون خلال الأيام القليلة الماضية.

كذلك أحرق المتظاهرون الغاضبون صورًا لرئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، الذي يتهمونه بالتحريض على قتل المتظاهرين. وتوجه المتظاهرون إلى مكتب مجلس النواب في المحافظة وقاموا بإحراقه وإغلاقه، فيما استخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية لتفريق المحتجين وسط انتشار مكثف لقوات مكافحة الشغب.

 



عراقيون يرفعون صور الأشخاص الذين لقوا حتفهم خلال المظاهرات المناهضة للحكومة في البلاد 28 أغسطس 2020

موقف الحكومة العراقية

لم تستطع السلطات العراقية الاستجابة إلى مطالب المتظاهرين العراقيين، وعلى خلفية تنامي الاحتجاجات لاستمرار عمليات اغتيال النشطاء والنزاعات العشائرية في المحافظة وملاحقة المحتجين. لذلك لجأت إلى الإسراف في توظيف قوات الأمن العراقية الذخيرة الحية كإحدى أدوات إنهاء حالة التظاهر، التي تأججت بعد اغتيال الناشطة ريهام يعقوب، التي قادت عدة مسيرات نسائية عديدة خلال الاحتجاجات الشعبية، كما أصيب ثلاثة آخرون، وذلك عندما فتح مسلحون يحملون بنادق هجومية ويستقلون دراجة نارية، فتحوا النار على سيارتهم.

شكّل مسلسل الاغتيالات واحدا من الملفات الضاغطة على الحكومة، خاصة أنها تقترن بمعركة تخوضها الحكومة مع فصائل مسلحة، بغية حصر السلاح وتحجيم النفوذ. وقالت لهيب هيغل، المحللة في شؤون العراق بمجموعة الأزمات الدولية إن سلسلة الاغتيال المتواصلة في العراق تستهدف تشويه سمعة مصطفى الكاظمي، وأضافت أنهم «يستهدفون الناشطين الذين تعهد بحمايتهم». وتعمل الميليشيات كقوة أمنية موازية، بحيث يقول الناشطون ومسؤولو الحكومة إنه من الصعب محاسبتهم.

وعلى خلاف رئيس الوزراء الذي كان يدعو لبقاء القوات الأميركية من أجل ملاحقة بقايا تنظيم داعش، تطالب الميليشيات بخروج القوات الأميركية وتقوم بإطلاق الصواريخ على القواعد التي ينتشر فيها الجنود الأميركيون في العراق. لذلك فإن مرحلة ما بعد خروج القوات الأميركية من العراق قد تشهد موجة أشد عنفا ضد النشطاء والمتظاهرين من قبل الجماعات العراقية الموالية لإيران.

وقد تعهدت حكومة رئيس الوزراء الجديد بالتحقيق في مقتل وسجن مئات المتظاهرين في الاضطرابات التي أطاحت بالحكومة السابقة العام الماضي. وقال هشام داود مستشار رئيس الوزراء للصحافيين إن الحكومة ستعامل جميع الأشخاص البالغ عددهم 560 شخصاً بصفتهم «شهداء» وستحصل كل أسرة على 10 ملايين دينار (8380 دولارا) على سبيل التعويضات.

وأعلن رئيس وزراء العراق، مصطفى الكاظمي، إقالة عدد من المسؤولين بسبب عمليات الاغتيال الأخيرة، متوعدا مستهدفي الناشطين العراقيين.  وقال عبر «تويتر»: «أقلنا قائد شرطة البصرة وعددا من مديري الأمن بسبب عمليات الاغتيال الأخيرة». وأضاف: «سنقوم بكل ما يلزم لتضطلع القوى الأمنية بواجباتها. التواطؤ مع القتلة أو الخضوع لتهديداتهم مرفوض وسنقوم بكل ما يلزم لتقوم أجهزة وزارة الداخلية والأمن بمهمة حماية أمن المجتمع من تهديدات الخارجين على القانون».

مقابل ذلك، تهدد الميليشيات الموالية لإيران المتظاهرين وتتبع أساليب «المافيا» لترويع كل من ينتقد أنشطتها الإجرامية، في محاولة لإحكام قبضتها على المجتمع المدني. وأشارت اتجاهات إعلامية إلى أن ميليشيات «حركة النجباء» المدعومة من إيران، هددت الأمم المتحدة في العراق حتى لا تنتقد أفعالها. وأشارت إلى أن الميليشيات المدعومة من إيران، والعديد منها ينتمي إلى وحدات «الحشد الشعبي»، تقوم بتهديد المتظاهرين ونشطاء المجتمع المدني وحتى رئيس الوزراء. وفي الأيام الأخيرة، أدت سلسلة من الهجمات الصاروخية على القوات الأميركية في العراق، والانفجارات الغامضة في مخازن الذخيرة، وقتل المتظاهرين، إلى زيادة التوترات في جميع أنحاء بغداد ووسط وجنوب البلاد.

وبعد اعتقال عناصر ميليشيات كتائب حزب الله، وإطلاق سراحهم أواخر يونيو (حزيران) الماضي على أيدي قوات مكافحة الإرهاب، أحرقوا صور رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. والآن، أصدرت حركة النجباء بيانًا انتقدت فيه رئيس الوزراء بعد تصريحات وصف فيه الميليشيات بأنها «مافيا». وحسب تقديرات فإن الميليشيات العراقية باتت تتصرف بالفعل كـ«المافيا»، حيث وجه زعيمها، نصر الشمري، رسالة تهديد على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس بلاسخارت، دعاها فيها إلى أن تكون «منصفة» وإلا «ستكون غير مرحب» بها في العراق.

وكانت بلاسخارت قد كتبت في يوليو (تموز) 2020، أن الأمم المتحدة صدمت باغتيال الدكتور هشام الهاشمي، ودعت الحكومة إلى تحديد الجناة وتقديمهم للعدالة. وبعد مقتل المزيد من المتظاهرين، الذين يتلقون تهديدات مباشرة من الميليشيات بأنها ستلاحقهم بسبب أنشطتهم، أعربت بلاسخارت يوم 27 يوليو (تموز) الماضي، عن أسفها «للعنف والإصابات خلال احتجاجات بغداد»، وقالت إنها ترحب بمحاولة الحكومة للتحقيق ومحاسبة الجناة. وفي اليوم التالي وجهت «النجباء» تهديدها، وقالت إن المسؤولة أدلت ببيان أمام مجلس الأمن الدولي بشأن هذه الأحداث.

وفي المقابل، نفت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، ما يتردد من ادعاءات بأن بلاسخارت قدمت «أي تقرير أو بيان للمجلس» بهذا الشأن. وأعربت عن وقوفها «إلى جانب حق المتظاهرين في الاحتجاج السلمي والتعبير عن مطالبهم المشروعة».

 



نقيب الصحافيين العراقيين شهاب التميمي

العراق ومأزق الاغتيالات التاريخي

تعد الاغتيالات السياسية من الظواهر التاريخية السائدة على الساحة العراقية. لم ترتبط هذه الظاهرة بسنوات الاضطراب الأخيرة، وإنما سادت عقود التوتر الخالية التي لم يشهد العراق فيها سوى استقرار ظاهرى فيما مضمون التفاعلات السياسية كانت قائمة على الإقصاء المادي أكثر منه المعنوي.

فقد شهد العراق منذ تأسيسه كدولة حديثة عام 1921 العديد من حوادث الاغتيال للتخلص من الخصوم السياسيين، ولم تقف شلالات الدم إلى يومنا هذا. وتشير الأدبيات إلى أن أول ضحية للاغتيال السياسي في العراق الحديث يُعد توفيق بيك الخالدي، وكان مناوئًا للعهد الملكي بشكل أساسي، حيث كان من دعاة العهد الجمهوري، اغتاله شخص يُسمى شاكر الغره غولي، وهذا الاغتيال فتح بوابةً واسعة لم تغلق إلى يومنا هذا لعمليات الاغتيال السياسي.

وتشير اتجاهات إلى أن قائد الجيش بكر صدقي يؤرخ لسيرته بأنه صاحب أول انقلابٍ عسكري يشهده العالم العربي عام 1936، وقد دشن انقلابه باغتيال وزير الدفاع العراقي آنذاك جعفر العسكري، ولكن سرعان ما كان الاغتيال نصيب بكر صدقي ذاته، فبعد عامين اغتاله ضابط برتبة ملازم في نادي الضباط في العراق.

وقد اتسعت ظاهرة الاغتيالات السياسية مع انقلاب عام 1958 الذي دشن عهده بمجزرة «قصر الرحاب» التي راح ضحيتها الملك فيصل الثاني وخاله الوصي على العرش عبد الإله بن علي.

وحسب بعض الاتجاهات الرائجة، كانت تلك الحادثة إيذانا بانطلاق سباق «التصفيات السياسية»، فعبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف، اللذان قادا انقلاب 1958 ودشناه بالاغتيال، يقعان الواحد تلو الآخر ضحيةً للاغتيال السياسي، وليقع بعدهما حردان التكريتي وزير دفاع البعث العراقي ضحية للاغتيال وهو «مُخطط الاغتيالات»، فتكون نهايته على يد نظمي كزار الذي خطط هو الآخر لاغتيال حردان.

وبدأت سلسلة اخرى من الاغتيالات السياسية دشنها صدام حسين عام 1979 باغتيال مجموعات من رفاقه البعثيين بزعم المؤامرة ضده وبالتنسيق مع الراحل حافظ الأسد، أو «بعث سوريا» كما قيل عنهم يومها. ومنذ العام 2003 بدأت سلسلة متصلة من الاغتيالات السياسية القائمة على الهوية، وما زالت مستمرة بقيادة ميليشيات وجماعات الأحزاب والتنظيمات الموالية لنظام الملالي الإيراني.

 



الإعلامي والخبير الأمني هشام الهاشمي

سياسات الاغتيال بعد الانسحاب الأميركي

نشرت مؤخرا مؤسسة البحث والتطوير الأميركية (راند) دراسة مطولة تتضمن تقييماً لسحب الولايات المتحدة قواتها من العراق، والمخاطر الاستراتيجية التي ينطوي عليها اتخاذ مثل هذا القرار. وتتضمن الدراسة تقييماً لخيارات الانسحاب العسكري الأميركي من العراق خلال العام الحالي. خلصت الدراسة إلى أن كل مستويات الانسحاب تلحق الضرر بالجهود التي تهدف إلى مواجهة إيران في العراق، وغيرها، وأنه في ضوء النوايا الإيرانية الصريحة والأعمال المستمرة ضد أميركا، سيوفر أي انسحاب جزئي الكثير من المكاسب لطهران، في حين أن عدم الانسحاب سيوضح لإيران أن الولايات المتحدة والقوات المتحالفة التي تقودها سوف تظلان شريكتين دائمتين وموثوقاً بهما للحكومة العراقية، وأن الضغط الإيراني لن يحقق النتيجة المرجوة، وهي الانسحاب الأميركي. لذلك يوصي واضعو الدراسة بأن يكون هناك اختيار دقيق بين عدم الانسحاب والانسحاب المحدود.

 وتشير أغلب الأدبيات الغربية في هذا الإطار إلى أن السياسات الأميركية كانت المسؤولة عن الأوضاع العراقية المضطربة، كونها أفضت إلى اتساع نفوذ إيران في العراق من دون أن تتخذ موقفا حازما حيال ذلك، بما أفضى إلى تنامي الغضب الشعبي ليس وحسب حيال طهران بسبب سياساتها الطائفية في العراق، وإنما بالأساس بسبب السياسات الأميركية التي أفضت إلى عدم مقدرة الحكومة العراقية على مجابهة الانتشار الواسع للميليشيات الطائفية التي غدت مسيطرة على الوضع السياسي والأمني، وذلك على نحو أدى إلى تشكل واقع بات من وجهة نظر قوى الحراك الشعبي العراقي يصعب التعايش معه أو التكيف مع استمراره، لارتداداته الكارثية سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

قد تتنوع مسارات التفاعلات السياسية والأمنية خلال الفترة المقبلة في العراق، ذلك أن كافة المؤشرات تشير إلى احتمالات دراماتيكية قد تشهدها الساحة العراقية ما لم تتخذ السلطات العراقية موقفا حازما من السياسات الإيرانية وتتبنى قرارا حاسما حيال الميليشيات الإرهابية التي باتت تغتال «الحلم العراقي» قبل أن تغتال خيرة شبابه.

ويشير واقع الأمر إلى أن النفق طويل وليس هناك ما يوحي بشعاع ضوء في نهايته، ذلك أن مطالب الشعب العراقي تعبر عن مرارة الواقع الذي يصعب استمراره. ومع ذلك ثمة مؤشرات إيجابية يصعب إغفالها كحيوية ونضج قطاعات واسعة من الشعب العراقي، وكذلك توجهات رئيس الوزراء العراقي وسعيه لإعادة ضبط بوصلة السياسات العراقية. وقد توحي مبادرة اللقاء الثلاثي الذي جمع بين قادة مصر والأردن والعراق وما تم التوصل إليه من اتفاقات اقتصادية وتوافقات سياسية بأن هناك «بديلا عربيا» قيد التشكل، ولكن لكي يتجذر لا بد له أن يسعى إلى جذب التيار العراقي النشط والرافض للوجود الإيراني إلى صفوفه حتى يبقى العراق بلدا عربيا يسعى قادته إلى تحقيق مصالح الشعب العراقي انطلاقا من الدوافع البرغماتية وليس بمقتضى الاعتبارات الطائفية.