ماكرون... وحزب الله وايران

* بالنسبة لحزب الله هو لا يمانع بإجراء بضعة إصلاحات لا تنال من سطوته على البلد، طالما سيفضي إلى فك الحصار عن لبنان ولو جزئيا. ساعتئذ سيتصل ماكرون بصديقه ترامب ويقول له: استطعنا أن ننجح مع لبنان، إذن نستطيع أن ننجح في إيران

جاء ماكرون، ذهب ماكرون، عاد ماكرون. شغل ماكرون الصحافة اللبنانية وتلك الفرنسية بزياراته لبيروت. زيارات جرت على وقع حملات دعائية سخيفة نظرا لكونها واضحة الغايات والمرامي. قبل عودته الأخيرة لزيارة بيروت وفيروز سفيرة لبنان إلى النجوم، وقبل زرع أرزة في منطقة جاج، صرح وزير خارجيته بأن لبنان قد يواجه خطر الزوال. جورج مالبرونو صحافي بلاط الإليزيه كتب مقالا لـ«لوفيغارو»نقلا عن مصادر غير رسمية أن هناك لائحة عقوبات ستطال سياسيين وخاصة عائلة الرئيس عون. ماكرون نفسه عبر عن قلقه من الأوضاع في لبنان. ثم كان هناك تصريح وزيرة الجيوش الفرنسية فرنسوا بارلي بأن حزب الله هو حزب لبناني رسمي متجاهلة صدور حكم إدانة عضو هذا الحزب الرسمي سليم عياش باغتيال رفيق الحريري.
أما في الجانب اللبناني فيقال إن أموالا دفعت لكي يظهر الرئيس عون على صفحات المجلة الفرنسية المشهورة «باري ماتش»بخطاب إصلاحي يلاقي نوعا ما ملاحظات الرئيس الفرنسي حول لبنان وأزماته. بالطبع عون قد لا يجد متسعا من الوقت لتنفيذ أي من وعوده التي أطلقها في تلك المقابلة، وقد لا يملك الإرادة والعزيمة حتى وهو الذي دخل سنته الرابعة في الحكم ولم يبقى أمامه سوى سنتين إذا ما طرأ طارئ... 
أمين عام حزب الله هو الآخر تكلم عن إمكانية تغيير النظام إنما بالحوار ومن دون تدخل خارجي. 
نبيه بري ملك البرلمان اللبناني انضم لجوقة أولاد التنوير وطالب بإلغاء الطائفية السياسية بما أن البلد انهار اقتصاديا وسياسيا وماليا واجتماعيا.
بدا من الواضح أن هذه الجهود منسقة وتصب في صالح إبقاء الستاتيكو اللبناني على ما هو عليه، أي هيمنة حزب الله على مفاصل القرار اللبناني. يبقى على ماكرون إقناع الرئيس الأميركي بهذا الأمر.
تكلم ماكرون لمجلة «بوليتيكو»،موضحاً نوعاً ما فلسفته تجاه الملف اللبناني خاصة في الناحية المتعلقة بحزب الله منتقدا ضمنا سياسة ترامب تجاه إيران المعروفة بالضغط الأقصى، عندما قال: «إن صعوبة أولئك الذين يدافعون عن مسارات تعددية هي عدم الوقوع في فخ التصعيد العسكري، إنه الفخ الذي لا أريد الوقوع فيه ولن أقع فيه، بما في ذلك في شرق البحر الأبيض المتوسط». ولكن ما السبيل لإقناع الرئيس ترامب بأن المسارات التعددية نافعة؟ لبنان قد يكون الجواب.  
 
لذا استمع اللبنانيون على مدار الأسبوعين الماضيين من السياسيين دروساً في الديمقراطية والدولة المدنية ومساوئ الطائفية ووعود بالإصلاحات ومحاربة الفساد على وقع حروب مذهبية صغيرة في خلده مثلا على خلفية رفع لافطات دينية.
 
فجأة توافقت القوى السياسية قبيل زيارة ماكرون الأخيرة للبنان على تكليف سفير لبنان لدى ألمانيا بتشكيل الحكومة. وتحدثت الصحافة عن الورقة الإصلاحية الفرنسية التي طرحت على الأفرقاء السياسيين. طبعا لا شيء جديد في هذه الورقة التي قد تكون شبيهة إلى حد كبير بالبيانات الوزارية المتعاقبة، سوى أنها تطلب من الطبقة السياسية الفاسدة إصلاح فسادها.
 
والسؤال: ماذا يريد كل طرف من الآخر؟
الطبقة الحاكمة اللبنانية تتخبط في أزمات كبيرة اقتصادية وسياسية ومالية واجتماعية، جراء سياسة ترامب بتضييق الخناق على إيران وحزب الله، فاقمتها أزمة كورونا وانفجار مرفأ بيروت إلى موضوع الفساد، وهي بحاجة إلى مال من أجل أن تبقى وأن تستمر. ماكرون قد يكون طوق نجاتها إذا ما استطاع إقناع الرئيس الأميركي بتخفيف الحصار على لبنان.
أما ماكرون فيشعر بأنه يستطيع أن يحل مكان الولايات المتحدة الأميركية في شرق المتوسط، وأن يؤمن مصالح الشركات الفرنسية في تلك المنطقة لا سيما سوريا ومشروع إعادة إعمارها.
في هذه الحالة يصبح لبنان بالنسبة لماكرون ساحة لتثبيت نظريته للأميركيين: انظروا كيف أن الحوار دفع بحزب الله إلى القبول بالاقتراحات الفرنسية في موضوع الإصلاح أو محاربة الفساد أو الكهرباء. بالنسبة لحزب الله هو لا يمانع بإجراء بضعة إصلاحات لا تنال من سطوته على البلد طالما سيفضي إلى فك الحصار عن لبنان ولو جزئيا. ساعتئذ سيتصل ماكرون بصديقه ترامب ويقول له: استطعنا أن ننجح مع لبنان، إذن نستطيع أن ننجح في إيران.