الحكومة السورية تتجاهل تغلغل كورونا في سوريا

كما تكتّمت دمشق على أعداد القتلى لسنوات

* بالتزامن مع إنكار تفشي الفيروس، انتشرت شائعات في الداخل السوري تفيد بانتشار مرض ذات الرئة

* يبلغ سعر مسحة فيروس كورونا في سوريا 100 دولار، بينما سعرها في لبنان 30 دولاراً وفي تركيا 19 دولاراً وفي الصين 7 دولارات

* أثار تسجيل 44 إصابة بفيروس كورونا في الأردن لأشخاص قادمين من سوريا تساؤلات حول الأعداد الحقيقية للمصابين بالفيروس في سوريا

* تم الكشف عن 23 شخصاً مصابين بكورونا أتوا من سوريا لحضور اجتماعات اللجنة الدستورية السورية في جنيف السويسرية

* قسم الدراسات الوبائية في وزارة الصحة الألمانية: عدد الإصابات الفعلي في سوريا وصل إلى نحو مليونين ونصف المليون حالة

* توجد مئات الحالات المرتبطة بكورونا غير مؤكدة كل يوم، ولم يعد لدى مستشفيات حلب أكياس للف الموتى

لندن: وصل عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في سوريا حتى إعداد هذا التقرير 2440 شخصاً بحسب الأرقام الرسمية، والوفيات دون المائة، فيما تضج وسائل التواصل الاجتماعي بأخبار يومية عن إصابات متزايدة ووفيات جديدة وأرقام مرعبة بعيدة تماماً عن تلك المعلنة من جانب النظام السوري.

وفي ظل هدوء غير مستقر على الأرض، وبقايا حرب هدمت أنظمة الرعاية الصحية وأجبرت ما يصل إلى 70 في المائة من الطواقم الطبية على مغادرة البلاد تاركة وراءها مؤسسات طبية منهكة، يقف ملايين السوريين العزل، أمام التهديد المدمر، لفيروس كورونا المستجد.

 

إنكارٌ فتكتّم فتجاهل

رفضت دمشق طويلاً الاعتراف بوجود إصابات بالفيروس على أراضيها، فقد اعتادت على التكتم على أعداد الموتى في المعارك، ناهيك عن المصابين بالفيروس، حتى إن وزير الصحة السوري نزار يازجي كان له تصريح غريب في مقابلة تلفزيونية يقول فيه: «لا يوجد كورونا في سوريا، فالجيش العربي السوري طهر سوريا من الجراثيم» في إشارة إلى المعارضين.

ولكن من غير المعقول أن لا تتأثر البلاد فعلاً، نظرًا للعلاقات الوثيقة مع إيران، المتأثر الأكبر بجائحة كوفيد-19 في الشرق الأوسط، فبالإضافة إلى الآلاف من رجال الميليشيات، الذين تم حشدهم إلى جانب القوات الحكومية السورية، ترسل طهران إلى سوريا مجموعات ضخمة من «الحجاج» إلى المزار الشيعي للسيدة زينب، جنوبي دمشق، مما يجعل إنكار وجود إصابات على الأراضي السورية مستبعداً.

ومع استمرار إنكار الحكومة السورية لوجود إصابات لمدة تزيد على الشهرين منذ إعلانها جائحة، اعتمد النظام على دعايته المعتادة بأن البلاد «بخير» في ظل زعامة الأسد. ومع ذلك، تغيّر فحوى الرسائل منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، وبدأت السلطات السورية إجراءاتٍ لمنع الفيروس من التفشّي، إذ عزلت المدن عن القرى ومنعت التنقل بين المدن، إضافةً إلى فرض حظر تجوال من السادسة مساءً إلى السادسة صباحاً، فضلاً عن إغلاق المطاعم ودور العبادة وصالات الأفراح والمآتم، دون الاعتراف بأرقام الضحايا، ثم في مايو (أيار) الماضي، أعاد «الفريق الحكومي المعني بالتصدّي لفيروس كورونا»فتح الحياة من جديد حتّى ألغى جميع القيود، ليبدأ الفيروس بالتفشّي على نطاقٍ غير مسبوق، وسعى النظام السوري إلى الاستفادة مما يجري للدعوة إلى رفع العقوبات الاقتصادية، على الرغم من أن أيًا منها لا يستهدف القطاع الطبي، حيث أشارت وزارة الصحة في بيان على صفحة «فيسبوك»الخاصة بها إلى أنها «لا تملك الإمكانيات في ظل الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد الذي طاول القطاع الصحي بكل مكوناته لإجراء مسح عام في جميع المحافظات».

 



مجموعة من الصور لأطباء في قسم العزل الصحي بمستشفى الأسد الجامعي في العاصمة السورية دمشق (غيتي)

 

 

وفي هذه الأثناء، وبالتزامن مع إنكار تفشي الفيروس، انتشرت شائعات في الداخل السوري تفيد بانتشار مرض ذات الرئة. يقول المواطن السوري أسامة لـ«المجلة»: «عانى أخي من ارتفاع في درجة الحرارة وسعال جاف، ولدى استشارته الطبيب أبلغه أنه يعاني من ذات الرئة، وعليه أن يعزل نفسَه وزوجته بعيدًا عن باقي الأسرة لمدة 14 يومًا، وعندما أبدى استغرابه لأن ذات الرئة غير معدٍ، أكّد له الطبيب أن عليه فعل ذلك تحسبًا».

وتشرح المواطنة السورية ريم لـ«المجلة»: «أصيبت والدتي بأعراض أثارت رعبنا، فهي تشبه ما يحكي الإعلام عنه حول أعراض الإصابة بفيروس كورونا، وبينما أكّد لنا الأطباء أنها ذات الرئة، منعونا من زيارتها».

في هذا الوقت المشحون بالقلق والترقب، يلجأ السوريون إلى مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات غير الرسمية، والجهات غير المعروفة، والشائعات المُتناقلة، والوصفات الشعبية، خوفًا وعجزًا واتّكالاً، كما اعتادوا لسنوات.

ورغم أن رؤساء العالم تحدّثوا إلى شعوبهم في هذه الأزمة، ومعظمهم سمّوا متحدثين رسميين باسم خلية أزمة كوفيد-19. ووصل الأمر حدّ تنظيم مؤتمرات صحافية يومية لتحديث الأخبار، لما لذلك من أثر إيجابي في نشر الإحساس بالأمان لدى الشعوب وفي إثبات الجهود التي تبذلها الحكومات في سبيل حمايتهم، استمرّ الرئيس السوري بالتزام الصمت، كما حكومته، وأطباؤه.

ثم أخيرًا، بعبثية المجبور، أعلنت دمشق متأخرة عن أول إصابة بالفيروس يوم 22 مارس (آذار) الماضي، ووصفت الأمم المتحدة هذا الإعلان بأنه قمة جبل الجليد، في إشارة إلى أن العدد الحقيقي للإصابات أكبر من المُعلن.

وقد أعلنت الأمم المتحدة مراراً أن البلاد معرضة لخطر تفشي المرض بشكل مرعب، بسبب النظام الصحي الهش والحالة السيئة للبنى التحتية، والاقتصاد المنهار، إلى جانب نقص المعدات الكافية للكشف عن الفيروس والحماية منه. كما حذرت منظمة الصحة العالمية من تدهور الوضع الصحي في سوريا، في حال انتشار فيروس كورونا.

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارك لوكوك تحدث في مجلس الأمن الدولي قائلاً: «جميع الجهود الرامية إلى الكشف عن الحالات المصابة بمرض كوفيد-19 والتصدي له ستتعرقل بسبب النظام الصحي الهش في سوريا»، مشيرًا إلى أن نحو نصف مستشفيات الدولة ومرافق الرعاية الصحية كانت تعمل بكامل طاقتها في نهاية عام 2019.

وأضاف أن الجهود المبذولة للوقاية من الفيروس ومكافحته تعوقها أيضًا المستويات الكبيرة من حركة السكان، والتحديات التي تواجه الحصول على الإمدادات الحيوية بما في ذلك المعدات الواقية وأجهزة التنفس الصناعي، وصعوبات العزل في مخيمات النازحين المكتظة مع «المستويات المنخفضة هناك من خدمات الصرف الصحي».

المشكلة في تفشّي الفيروس في سوريا، تتمثّل في أن المدنيين لا يحصلون على أي مساعدة طبّية من الحكومة، إذ يبلغ سعر مسحة فيروس كورونا 100 دولار، بينما سعرها في لبنان يعادل 30 دولاراً وفي تركيا 19 دولاراً وفي الصين 7 دولارات.كما أن المستشفيات جميعها ممتلئة وبالتالي لا علاج، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأدوية التي هي إمّا مفقودة من الأسواق أو تُباع بأسعار مرتفعة جداً، مقابل الدخل المعدوم في سوريا، على ما تقول صيدلانية تُدعى بتول في حي الجميلية في حلب.

وتقول سلوى: «استيقظ والدي يشكو من بعض التعب، تطور إلى ضيق في التنفس، نقلناه على أثرها إلى المستشفى حيث وافته المنية هناك خلال ساعات، المحزن فعلاً أنهم غسّلوا جثته باستخدام الكلور! لا أدري من أين جاءوا بهذه التقنية، ولم يسمحوا لنا بالتدخل أو رفض ذلك».

 



مسعفون في عنبر أحد مستشفيات العاصمة السورية دمشق (غيتي)

 

 

قمة جبل الجليد

بدأت الأنباء عن تفشّي الفيروس، في يونيو (حزيران) الماضي، تتكشف من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وتداول قوائم لأسماء أشخاص ماتوا بسبب الفيروس، وشيئاً فشيئاً امتلأت الصفحات الرئيسية على «فيسبوك»بالنعي والتعازي والدعوات للموتى، فيما تتراوح الأعداد التي يُعلن عنها النظام السوري بين 3 إصابات و30 إصابة يومية في كامل مناطق سيطرته، مما يشكك بتكتم يمارسه النظام السوري على الإعلان عن أعداد المصابين بمناطق سيطرته.

وفي يوليو (تموز)، شيّع سكّان العاصمة دمشق، 6 رجال دين، وسط صدمة وذهول وشائعات عدّة تناقلها أهل المدينة، بين مشكّك برواية الموت الطبيعي، ومؤكد لنظرية تفشّي الفيروس، دون أي تصريح رسميّ.

ثم أعلن نائب رئيس جامعة دمشق صبحي البحري، عن وفاة 13 عضواً من الهيئة التدريسية في الجامعة بفيروس كورونا، وإصابة 60 آخرين من الهيئة ذاتها، دون إيقاف الدوام الجامعي أو الامتحانات.

كما أثار تسجيل 44 إصابة بفيروس كورونا في الأردن لأشخاص قادمين من سوريا تساؤلات حول الأعداد الحقيقية للمصابين بالفيروس في سوريا، فدمشق نفسها لم تعلن عن هذا الرقم منذ بداية تفشي كورونا بالبلاد.

وأخيراً تم الكشف عن 23 شخصاً مصابين بكورونا، أتوا من سوريا لحضور اجتماعات اللجنة الدستورية السورية في جنيف السويسرية، وهو ما يوحي بحجم الإصابات في الداخل السوري.

وفي فيديو انتشر بشكل واسع في الأوساط السورية، ظهرت الطبيبة السورية، شغف فاعور، العاملة في مشفى المجتهد قسم الأمراض الداخلية، في مقطع مصور لتتحدث عن الواقع الطبي في سوريا، مع انتشار فيروس كورونا وتناقش الأسباب التي أدت إلى ذلك، وقالت فاعور إن سوريا وصلت إلى ذروة كورونا منذ الأيام الأولى لانتشار الفيروس في إشارة منها إلى عدم مصداقية ما أعلنه النظام عن الأعداد الحقيقية للحالات الواردة.

وأردفت فاعور قائلة: «مو معقول بمشافينا كلها ما تلاقي مكان فاضي لمريض بكورونا ولا منفسة، ونشوف قرايبينا وأصدقائنا وما نقدر نساعدهم، الفيروس عم يجي بكتير طريقة عشوائية وهو شبه معجزة لأن ما حدا عرفان كيف عم يشتغل وينتقل، وشو الشغلات اللي ممكن تخففه فعلاً أو تخفف تأثيره ع المريض».

الطبيبة حذرت: «بهالفيديو طالعة عنجد خوّفكم لأن الأسلوب تبع معلش، ومعلش ماعم يمشي مع الشعب، نحن حالياً مارح اقلكم عم نفرش لأن نحن فرشنا فيكم تقولوا لأن الأعداد المعلنة ما وصلت لسا للألف حالة وفرشت البلد عنا، وصلنا للذروة ع بكير وانتهت حلول الأرض عنا ع بكير».

وعلى الرغم من إدراك السوريين لحجم الكارثة، إلا أن الإجراءات الاحترازية غائبة تماماً، فالتجمعات ما زالت في أوجها مع انعدام التباعد الاجتماعي وغياب الرادع الحكومي، والذي غابت معه الأقنعة الطبية في البلاد، وأنابيب الأكسجين.

وهو ما يفسر إعلان قسم الدراسات الوبائية في وزارة الصحة الألمانية، أن عدد الإصابات الفعلي في سوريا وصل إلى نحو مليونين ونصف المليون حالة، مؤكداً أن الجائحة في البلاد تأخذ مجرى الانفجار الأفقي والعمودي، وقد توقع المركز كارثة كبرى لم يشهد لها العالم مثيلاً، لو استمرت الأمور على هذا الحال.

وفي ظل هذا التدهور، انطلقت مبادرات فردية وفرق تطوّعية، عملت على تأمين عبوات أوكسجين للمرضى الأكثر احتياجاً في سوريا لمعالجتهم من داخل منازلهم، كما ساهمت هذه المبادرات في حملات التوعية وتوزيع كمامات ومعقّمات في الشوارع.

صحيفة «الغارديان»نشرت مقالا باسم مجهول جاء فيه: «أعمل في المجال الطبي بسوريا، حيث تتكشف أزمة لا يتم الإبلاغ عنها من كوفيد-19»، وأوضح أن الممرضين والأطباء يعانون من نقص خطير في المعدات الطبية وأجهزة الحماية الشخصية ومعدات الفحص. ومضى قائلا: «زاد عدد المصابين والموتى بسبب فيروس كورونا بشكل مطرد وأكثر من الأرقام التي تنشرها الحكومة السورية أو منظمة الصحة العالمية، ولا أحد منا يعتقد أن هذه الأرقام دقيقة.. لدينا المئات من الحالات المرتبطة بكوفيد غير مؤكدة كل يوم، ولم يعد لدى مستشفيات حلب أكياس للف الموتى، وفي كل يوم تزداد قائمة عمال الصحة الذين يموتون بسبب الفيروس، وطلب منا شراء الملابس الواقية».

تأتي هذه الكارثة لتزيد على ما يحمله السوريون حملاً ثقيلاً، في ظل أزمة اقتصادية خانقة ظهرت آثارها جلية على القدرة الشرائية للمواطنين مع ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية، وانقطاع مستمرّ في الكهرباء، وحظر تجول جزئي، تسبب بتوقف أعمال كثير من صغار الكسَبة.