محمد عبد الوهاب: قال لي الناس«أنت تفسد الموسيقى العربية»

موسيقار الجيلين يفتح قلبه لـ «المجلة»... (1من 2)
* أم كلثوم تمثل الأدب القديم بفصاحته وبلاغته وأنا أمثل الأدب الجديد 
* يجب أن لا تزيد أغاني الأفلام عن 4 دقائق مثل «انسى الدنيا وريح بالك»أو «بلاش تبوسني في عينية» 

تنشر «المجلة» في هذا العدد الجزء الأول من حوار خاص أجرته الدكتورة سهير عبد الفتاح زوجة الشاعر المصري البارز أحمد عبد المعطي حجازي،مع الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب. 
والدكتورة سهير عبد الفتاح تخرجت في المعهد العالي للموسيقى العربية في القاهرة. وواصلت دراستها في جامعة السوربون في باريس حيث حصلت على الدكتوراه، وكان موضوع رسالتها: «مجتمع القاهرة من خلال أغاني سيد درويش»،وفيما يأتي الحوار مع الفنان الكبير عبد الوهاب.
 
المرة الأولى التي رأيته فيها كنت طفلة صغيرة. صحبني أبي لأراه. كان عبد الوهاب آنذاك في قمة مجده. وكان في حوالي الأربعين.
بعد ثلاثين سنة رأيته للمرة الثانية في باريس. لم يزل في قمة مجده ولا يبدو أنه تجاوز السبعين- فما زال محتفظاً بأناقته وحضور ذهنه وعذوبة صوته. يقيم في باريس منذ أوائل الصيف الماضي. ويحتل مع زوجته السيدة نهلة القدسي، جناحاً في فندق الكونتيننتال، وهو فندق كلاسيكي قريب من ميدان الكونكورد الذي تتوسطه المسلة المصرية الشهيرة ويقضي وقته في الاستجمام واستقبال الأصدقاء والمعجبين والصحافيين والصلاة وربما في التلحين أيضاً. لكن في صمت. 
أجريت معه ثلاثة لقاءات: الأول لعرض الأسئلة، والثاني للإجابة، والثالث للمراجعة. إنه شديد الحرص على كل كلمة تنشر له أو تنشر عنه.
احترت؛ هل أكلمه كباحثة. أم أكلمه كصحافية، ووجدت خير الأمور الوسط. بين السؤال والجواب كان في خاطري شريط طويل من الذكريات والقضايا والمشاكل الفنية. لم أحب أن أكون معه ناقدة، فالنقد لا يستلزم الكلام مع الفنان، النقد يكون مع العمل، فضلت أن أستمع إليه أنا والقراء.
 
* يمكن تقسيم حياتك الفنية إلى ثلاث مراحل: الأولى يمكن تسميتها المرحلة الكلاسيكية التي حافظت فيها على الأشكال الغنائية التقليدية مثل الدور، الموشح، القصيدة، الطقطوقة، مع الاستعانة بالتخت التقليدي وإن لم تخل من تجديد يظهر في التعبير العاطفي الجياش والصريح وفي التأثر بالأداء الأوبرالي... المرحلة الثانية يمكن تسميتها المرحلة الرومانتيكية أو التعبيرية، وفيها ابتعدت عن الأشكال التقليدية واتجهت إلى التصوير والتعبير عن العواطف الذاتية معتمداً على نصوص (فصحى وعامية) لشعراء رومانتيكيين (علي محمود طه، إيليا أبو ماضي، أحمد فتحي، إبراهيم ناجي، كامل الشناوي، بشارة الخوري، محمود حسن إسماعيل، إلى جانب بعض قصائد وأزجال شوقي. وأخيراً المرحلة الثالثة و الأخيرة، وهي مرحلة الأغنية الخفيفة التي بدأت بأغاني الأفلام واستمرت حتى الأن، سواء في الألحان التي تغنيها بنفسك أو يغنيها مطربون ومطربات أخرون...
- المرحلة الأولى (الكلاسيكية) اقتصرت على الأشكال التقليدية، وبدأت في رأيي بقصيدة «يا جارة الوادي». في هذا الوقت لم يكن الكلام العربي، أو القصيدة العربية، تقال بأداء غير إيقاعي. كان يجب أن يكون الأداء موقعاً. أما الأداء المنساب بدون إيقاع واضح فلم يكن موجوداً في ذلك الوقت، كانت القصائد تغنى على إيقاع الرق أو أي آلة نقرية وقد لحنت على سبيل المثال من هذا اللون التقليدي، من الوجهة التلحينية، القصائد التالية: «ياجارة الوادي»و«علموه»و«تلفت ظبية الوادي»و«يا ناعما رقدت جفونه»لكن في هذه الفترة ويمكن قبلها كان هذا الشخص الذي اسمه محمد عبد الوهاب يحاول القيام بثورة تختمر بعد ولم تنضج النضوج الكبير والدليل على هذا قصيدة لأحمد رامي يقول في أولها: 
على غصون البان 
عصفورتان تتناجيان 
بأعذب الألحان 
هذه القصيدة أديتها بطريقة تختلف عن الطريقة القديمة التي كانت متبعة قبلي، وتختلف كذلك عن أدائي للقصائد السابقة، كقصيدة «يا جارة الوادي»، أو «تلفت ظبية الوادي». الأداء في قصيدة رامي تقليدي أو تعبيري، يعني أداء للمعنى يختلف تماماً عن الأداء التقليدي، كان موقعاً، ومع ذلك فالتعبير نفسه والطريقة نفسها واللحن نفسه كان مغايراً تماماً لألحان القصائد القديمة أو التقليدية. هذه المرحلة التي أطلقت المرحلة الكلاسيكية أو مرحلة الاحتفاظ بالأشكال التقليدية التي وصلت إلينا من الملحنين قبلنا، مثل عبده الحامولي وداود حسني ومحمد عثمان والأخرين. 


 
* معنى هذا أن بدايات المرحلة الرومانتيكية كانت موجودة في قلب المرحلة الأولى؟ 
- طبعاً المرحلة الأولى ظهرت فيها محاولات تدل على أن هذا الرجل «عايز يقول حاجة ما قالهاش لسه لكن حيقولها»وقصيدة رامي كانت مجرد بداية للمرحلة الجديدة «اللي بتسميها»رومانتيكية، وفي الحقيقة أنا أعتبر هذه المرحلة هي مرحلة الغناء الحديث غير المتقيد بالإيقاع التقليدي للموسيقى العربية والذي يؤدي في الغناء التقليدي بالطبلة أو الرق أو أي آلة من الآلات التي تضبط الإيقاع وأصبحت تؤدى بدون هذه الآلات. هذه المراحل تتميز بأنها مرحلة التعبير وتلحين الجملة، بدلاً من تلحين الحروف، كما كان يحدث في الأغاني القديمة، يعني مثلاً افرضي أني لحنت «ياما ناديت»على الطريقة القديمة. كان ممكنا جدا أن ألحن «يا» لوحدها، وأستمر في أدائها لحظات طويلة «يا.. يا.. يا»ثم ألحن ما بعدها، وهكذا... في هذه الطريقة الجملة لم تكن تصل إلى الأذن كاملة المعنى إلا على مراحل أو بعد فترة، أما في «الجندول» وقبلها من «أعجبت بي» أصبحت ألحن الجمل وأجعل اللحن يعبر عن المعاني العاطفية، نجد مثلاً في «الجندول»أنك لو قرأت القصيدة أو قرأها أي شخص آخر لقال: «أين من عيني هاتيك المجالي»كما غنيتها أنا، لكن الفرق أن قراءتي أنا للجملة غناء، وقراءة غيري قراءة عادية في اللحن ده خليت الجملة تتلحن وتروح للأذن مرة واحدة كاملة المعنى. وعلى غرار «الجندول»نجد «كليوباترا»،و«الكرنك».
 
* اظن أن هذا التطور ظهر في المونولوغ قبل أن يظهر في القصيدة؟
- طبعاً حصل في المونولوغ تطور كبير ونجد ذلك واضحاً جداً «في الليل لما خلي»، وهذا أول مونولوغ يكاد يكون الغناء فيه أوبراليا وكذلك في «أهون عليك»والكلام في هذه المونولوغات دارج، إنما الأداء أوبرالي.


 
* كيف تفسر قبول المستمع العربي في ذلك الوقت لهذا التجديد؟
- بالنسبة للأذن العربية لم يكن هذا الأداء يعتبر غناء لأنه لم يكن مجرد طرب لكنه كان تعبيراً. والأذن العربية قبلت هذا التجديد لأني لم أنس الطرب ولم أنس الأذن الشرقية. كنت أراعي الأذن العربية وأحاول إرضاءها، إلى جانب التجديد، يعني مثلاً إذا كان من الضروري أن تكون جملة «أين من عيني هاتيك المجالي»تصويرية أو تعبيرية، فبالإمكان أن أعطي الأذن العربية فرصة للراحة والطرب في جملة «أنا من ضيع في الأوهام عمره»لم أكن أغالي في معاكسة الأذن العربية حتى لا تهرب مني، وكنت بين الحين والآخر أعطيها ما تحبه أو ما تستسيغه.
 
* أعتقد أن هذه المحاولة فرضت نفسها على الجو الموسيقي وبدأ الملحنون يسيرون على نفس الدرب؟
- بعد هذه المحاولة لم يعد الغناء مجرد طرب، لكنه أصبح تعبيراً، ولم يعد ضرورياً أن يكون اللحن من أوله لآخره على إيقاع واحد، بحيث إن المستمع يقدر يمسك الوحدة أو يضبط الإيقاع برجله أو بيده مع النقرات التي يسمعها من الطبلة أو الدف أو من أي آلة إيقاع أخرى.
 
* وماذا بالنسبة لمرحلة الأغاني الخفيفة التي بدأت في رأيي منذ أشتغالك بالسينما؟
- في أثناء المرحلة التعبيرية التي تكلمت عنها من قبل بدأت أظهر في السينما وكانت أفلامي بالطبع أفلاما غنائية. فاضطررت لأن ألحن أغاني خفيفة أو صغيرة، لأن الفيلم لا يحتمل أكثر من هذا، لا يمكن للأغنية أن تستمر نصف ساعة والفيلم كله لا يزيد على ساعتين، يعني لو عملت أربع أغاني انتهى الفيلم كله. لهذا كان يجب أن لا تزيد الأغنية عن ثلاث أو أربع دقائق، مثل: «انسى الدنيا وريح بالك»أو «بلاش تبوسني في عينية»، أو غيرها من أغاني الأفلام.