ماذا حقق ماكرون في لبنان؟

عمل «حزب الله» على إثارة مخاوف الفرنسيين من موجة هجرة جديدة من لبنان

* فرنسا لا تملك الأموال الكافية لإخراج لبنان من أزمته، ودون مباركة الولايات المتحدة، لن يتم الإفراج عن مساعدات مؤتمر «سيدر» أو أي مساعدات دولية أخرى

واشنطن:  قبل يومٍ واحدٍ من زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، تم تكليف رئيس جديد لتشكيل حكومة جديدة ستكونُ مسؤولةً عن التعامل مع أصعب مرحلة في تاريخ لبنان. فإلى جانب الانهيار الاقتصادي والتضخم، أضاف الانفجار الذي هز بيروت مستوى جديداً من الإحباط كشف اعتلال لبنان أمام المجتمع الدولي. ومع تدفق المساعدات الإنسانية إلى بيروت من جميع أنحاء العالم، تقدمت فرنسا والولايات المتحدة بمبادرة سياسية وعروضٍ للمساعدة.
وبين زيارة ماكرون الأولى بعد الانفجار وزيارته الثانية في مطلع الشهر الحالي، حصلت أحداثٌ كثيرة. فقد عمل حزب الله ومن خلال عدد من الاشتباكات الطائفية التي أشعلها في البلاد، على استحضار مخاوف الحرب الأهلية، وبالتالي إثارة مخاوف الفرنسيين والأوروبيين من موجة هجرة جديدة من لبنان. وبناءً على ذلك، عاد ماكرون إلى بيروت حاملًا معه ما يشبه التسوية، ومشددًا على استقرار البلاد بدل الحديث عن «العقد السياسي الجديد» الذي اقترحه للبنان في زيارته الأولى.
في هذا السياق، برزت إشارتان أساسيتان تفسران هذا التغيير المفاجئ: الأولى هي تصريح ماكرون بأن حزب الله منتخب من الشعب اللبناني وأنه يجب أن يكون شريكًا في الحكم، والثانية هي قراره باختتام زيارته بلقاء كبير في القصر الجمهوري حضره ممثلو جميع الأحزاب السياسية. بارك الرئيس الفرنسي خيار تسمية مصطفى أديب الذي يمثل الطبقة الحاكمة نفسها ولم يشدد على تشكيل حكومة من خارج الأحزاب السياسية.
 




الملصقات الانتخابية للمرشح الرئاسي الفرنسي إيمانويل ماكرون (إلى اليسار) ومرشحة الجبهة الوطنية (إلى اليمين) مارين لوبان، في العاصمة اللبنانية بيروت (غيتي)



الخطوات التالية
مع مغادرة ماكرون، تبدو الأولوية لتشكيل حكومة والبدء بالإصلاحات، بحسب ما ورد في البرنامج الذي وضعه الرئيس الفرنسي. وصرح مسؤولون في حزب الله بأنهم سيدرسون الطرح الفرنسي وأنهم لا يمانعون من 99 في المائة مما جاء فيه، بينما أبدوا معارضة صريحة لإقامة انتخابات نيابية مبكرة. وليس من المتوقع أن يواجه الرئيس المكلف صعوبة في تشكيل الحكومة الجديدة كون تسميته حازت على دعم الشيعة (حزب الله وأمل) والسنة (رؤساء الحكومة السابقون ومن بينهم الحريري والسنيورة) ونصف المسيحيين (التيار الوطني الحر بالإضافة إلى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط)، إلا أن أديب يصطدمُ اليوم برفض الشارع والمتظاهرين بسبب هذا الدعم.
لم يعد يخفى على أحد أن ماكرون قرر دعم خيار الوساطة والتسوية بدل الإنقاذ في انسجام مع الدور الفرنسي التقليدي في لبنان والمنطقة عامة. وبما أن حزب الله منح بركاته للرئيس المكلف وللقسم الأكبر من الخطة الفرنسية، بات يمكن القول إن إيران بدورها باركت المبادرة الفرنسية.
ولكن فرنسا لا تملك الأموال الكافية لإخراج لبنان من أزمته، ودون مباركة الولايات المتحدة، لن يتم الإفراج عن مساعدات مؤتمر «سيدر» أو أي مساعدات دولية أخرى. وفي غياب التعاون والضوء الأخضر الأميركي، ستبقى المبادرة الفرنسية مجرد استعراض قدمه ماكرون في بيروت.
بعد تقديم الرئيس الفرنسي لهذا العرض، استعادت الطبقة السياسية اللبنانية بقيادة حزب الله زخمها وتلقت دفعة إلى الأمام وباتت تشعر اليوم بحافز أكبر للتمسك بالسلطة، الأمر الذي سيسحب لبنان أكثر نحو الهاوية. بمعنى آخر، إن ما قام به الرئيس الفرنسي أخر الدفن ليس إلا.
بعد مغادرة ماكرون لبنان إلى العراق، حط في بيروت مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر حاملًا معه رسالةً واضحة مفادها أنه لن يلتقي بأي زعيم سياسي. وافقت إدارة ترامب على منح باريس فرصة لقيادة عملية التغيير في لبنان، ولكن واشنطن لن تؤيد فرنسا إذا لم تحقق هذه الأخيرة الشروط والتوجيهات التي وضعتها الولايات المتحدة في ما يخص الوضع اللبناني.
في المقابل، وعلى الرغم من تأييده للطبقة السياسية الحاكمة نفسها، شدد ماكرون على أهمية إجراء بعض الإصلاحات وهدد بفرض عقوبات إذا لم يتم تنفيذها. تشمل هذه الإصلاحات مسائل مهمة أبرزها ملف الكهرباء والمطار والمرفأ والتدقيق في حسابات المصرف المركزي، ويبقى أن نرى ما إذا كانت الطبقة السياسية الحاكمة ستوافق على التنازلات والتسويات في الأشهر الثلاثة المقبلة أم لا، أي الفترة الزمنية التي حددها ماكرون قبل أن يزور بيروت مرة أخرى في ديسمبر (كانون الأول) المقبل لإعادة تقييم الوضع. كما يبقى أن نرى ما إذا كان الأخير سينفذ تهديداته بفرض العقوبات في حال لم يُصار إلى تطبيق الإصلاحات المطلوبة.
 



الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلتقي بالرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء اللبناني السابق حسان دياب في قصر بعبدا في بيروت ، لبنان في 6 أغسطس 2020. (غيتي)



السياق والسيناريوهات
أعطى ماكرون المسؤولين اللبنانيين مدة ثلاثة أشهرٍ، ما يعني أنهم يملكون هامشا للمناورة حتى ديسمبر، أي ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستحدد ما إذا كانت إدارة ترامب الحالية ستستمر في حملة الضغط القصوى التي تمارسها على إيران ووكلائها الإقليميين، أم أن إدارة بايدن ستتولى زمام الحكم وتخفف الضغط على طهران وحزب الله، وتتجه ربما إلى تبني المبادرة الفرنسية.
يدرك ماكرون هذا الأمر، ويأمل في أن تحظى مبادرته بالمصادقة الأميركية من الإدارة الجديدة إذا لم يكن من الإدارة الحالية... ولعل هذه الآمال هي التي دفعته إلى تأخير زيارته المقبلة إلى لبنان إلى ما بعد الانتخابات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني). ولكن الرئيس الفرنسي خيب بتصرفه هذا أمل الشارع اللبناني الذي خُدع بتصريحاته السابقة ورأى فيها فرصة لتغيير حقيقي واتفاق سياسي جديد.
خان ماكرون أبناء الشعب اللبناني الذين خسروا كل شيء؛ وظائفهم ومدخراتهم ومنازلهم بتعويمه للطبقة السياسية اللبنانية لأشهر إضافية. فقد أنعش ماكرون هذه الطبقة الفاسدة المدارة من قبل حزب الله الذي دأب على تهديد الشعب بالحرب الأهلية إذا سعى للمطالبة بالتغيير واستخدم القوة المفرطة ضد الضحية لحماية المجرمين.
شعر الناس الذين تحملوا العنف في الشوارع منذ 17  أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أن ماكرون منح هؤلاء الحكام المتوحشين فرصة أخرى. ولكن الولايات المتحدة تملك رأيًا مختلفًا في ما يتعلق بلبنان، وتنظر إليه من منظور حزب الله وأسلوب الضغط المفرط، مما جعل أولوياتها تختلف كثيرًا عن أولويات الفرنسي؛ حيث تضع باريس استقرار لبنان في رأس أولوياتها بينما تعتبر الإدارة الأميركية أن تطويق حزب الله أهم من الاستقرار. لهذا السبب، سيكون من الصعب أن تتبنى الولايات المتحدة المبادرة الفرنسية التي لا تضغط على حزب الله.
في الأشهر الثلاثة المقبلة، سيكون على الحكومة اللبنانية الجديدة أن تثبت لفرنسا أنها قادرة على القيام ببعض الإصلاحات. قد يضطر حزب الله إلى القيام ببعض التنازلات من هنا وهناك للحفاظ على ماء وجهه وقوته في وقت واحد. ولكن المشكلة تفاقمت بعد انفجار بيروت وأصبحت أكبر من مجرد بضعة إصلاحات... فقد أصبحت مسألة ثقة، ثقة بالطبقة السياسية، وتحديدًا بالنظام السياسي الذي حكم لبنان في السنوات المائة الماضية.
لهذا السبب، يجب أن تشهد الجبهة اللبنانية ثلاثة أشكال من الضغط السياسي. يجب أن يستمر الشارع بضغطه على الطبقة السياسية من خلال المظاهرات، وعلى الفرنسي أن يستمر في الضغط من أجل تحقيق الإصلاحات من خلال التلويح بالعقوبات، وعلى الإدارة الأميركية أن تستمر في الضغط على الجانب الفرنسي ليحرص على تنفيذ خطته بجدية من قبل الأطراف اللبنانية وعلى أن تواصلهم مع حزب الله لن يقويه أو يقوي راعيه الإيراني.
* حنين غدار، زميلة «فريدمان» في برنامج «غيدولد للسياسة العربية» في معهد واشنطن. تركز الكاتبة في عملها على عمل الشيعة  ونشاطهم السياسي في الشرق الأوسط