رئة سوريا تحترق...

الحليف الروسي يرفض المساعدة... وتركيا تدير ظهرها

* التقديرات الأولية تشير إلى تضرر مئات الهكتارات في الأحراج الجبلية، مشيرة إلى أن غابات يبلغ عمرها مئات السنين تحولت إلى رماد
* أهالي المناطق المتضررة أوضحوا أنه لم تتم السيطرة سوى على بعض الحرائق التي لم تبرد بعد
* أطلقت صفحات عدة على مواقع التواصل الاجتماعي نداءات استغاثة لنقل المواطنين من القرى المتضررة
* ركّزت القنوات الرسمية السورية على الدور الإيجابي لأجهزة الدولة في إطفاء الحرائق وإلصاق التهمة بالمدنيين وفلاحي المنطقة
* سبق أن ساعدت روسيا إسرائيل في إطفاء الحرائق التي اشتعلت في عامي 2016 و2019 لكنها رفضت المطالبات السورية بالمساعدة
* الدفاع المدني السوري المعارِض أعلن استعداده لتقديم المساعدة بمكافحة الحرائق بشرط تقديم ضمانات تكفل سلامة متطوعيه

 
لندن: يعرفونها جيّداً، وآمنوا لسنوات أنها الأجمل على الإطلاق، لا بدّ أن كلاً منهم زارها مراراً خلال طفولته، لعب على أحراجها، وتدرّج على مروجها. سوريّو المهجر وسوريّو الداخل يعيشون اليوم ألماً يعتصرهم فوق آلامهم المتراكمة فيما يتابعون مشاهد احتراق «رئة سوريا» وأيديهم خاوية إلا من الدعاء. هذه المصيبة هي واحدة من مصائب عدة تناوبت على محمية أشجار الشوح والأرز في صلنفة، بين تصحر وجفاف انتهت اليوم بحرائق مدمّرة أتلفت الأخضر واليابس.
خلال الأيام الماضية شهدت الغابات السورية سلسلة من الحرائق المدمّرة امتدت شمالاً إلى كسَب على الحدود مع تركيا وصولاً إلى الحدود السورية اللبنانية جنوباً، وسط صمت دولي وسكوت من جانب حلفاء النظام. وبينما لم تزل الحرائق مستمرة، شهدت المناطق السكنية الملاصقة للأحراج المحترقة حركة نزوح للأهالي باتجاه القرى والبلدات الأكثر أماناً.
الحرائق المستمرة والتي يشكل تهديدها خطراً حقيقياً على المدنيين، اندلعت في محافظة اللاذقية الساحلية وجبال صلنفة لتتسع رقعتها باتجاه أرياف حمص وحماه، وقضت في طريقها على كتلة حراجية ضخمة من الثروة الطبيعية السورية تقدر بمئات الهكتارات. ووصلت الحرائق إلى الجبال الشرقية المطلة على بلدات وقرى الريف الغربي لمحافظة حماه نتيجة ارتفاع درجات الحرارة التي ترافقت مع سرعة الرياح، وساهمت وعورة الطرق في تلك المناطق في الحد من قدرة فرق الإطفاء على التعامل مع الحرائق وإخمادها، ووصل ارتفاع الحريق إلى أكثر من 4 أمتار في منطقة عين الكروم والتهمت مئات الهكتارات من الأحراج الطبيعية، والغابات التابعة لقرى محافظة حماه، وامتدت باتجاه منازل السكان.
وأعلن قائد فوج إطفاء حماه، ثائر الحسن، بتاريخ 2 سبتمبر (أيلول)، أن فرق الإطفاء أخمدت حرائق «عين الكروم» في سهل الغاب، التابع لمحافظة حماه وسط سوريا، وقال لصحيفة «الوطن» السورية المحلية إن الحرائق أُخمدت نهائيًا، مشيرًا إلى أن الحريق اندلع من جهتين، وشاركت في إخماده فرق من أربع محافظات، هي طرطوس واللاذقية ودمشق وريفها، بالإضافة إلى جهود أهالي المنطقة، بحسب تصريحه.
 لكن ريف حماه شهد حريقاً ثانياً خلال أقل من أسبوع في أحراج الريف الغربي، في 3 من سبتمبر الحالي، قبل أن يتوسع باتجاه السفح الشرقي لجبال منطقة مصياف في اليوم التالي، فيما يعمل الأهالي على إخماده بالطرق اليدوية لصعوبة وصول الأدوات والآليات الخاصة بطواقم الإطفاء إلى الأحراج الوعرة.
فرق الدفاع المدني التابعة لحكومة النظام السوري استطاعت إخماد الحريق الذي امتد لأربعة أيام في بيرة الجرد التابعة لريف مصياف، فيما لا تزال البؤرة المشتعلة في محور بلدة قصية مشتعلة، ونقلت الوكالة عن مدير الموارد في الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب فايز المحمد قوله إن حرائق قرية الفريكة أخمد منها 75 في المائة.
وقالت صحيفة «تشرين» الحكومية، اليوم الأحد 6 سبتمبر، إن فرق الإطفاء «نجحت بإخماد الحريق الذي اندلع في الأحراج الشرقية من صلنفة، وكذلك الأمر في جبل الشعرة بريف اللاذقية، إلا أن النيران لا تزال مشتعلة في محمية الشوح بسبب تقلب اتجاه الريح ووعورة المنطقة.
تأتي هذه الموجة من الحرائق بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة في البلاد بـ9 إلى 11 درجة فوق المعدل الطبيعي عن هذا الوقت من العام، وهو ما ساهم في سرعة انتشار الحرائق بحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية.
وقد جددت مشاهد النيران، التي تلتهم مساحات واسعة من الأراضي الحرجية والزراعية حالة الفزع لدى المزارعين، الذين تعرضت محاصيلهم لخسائر فادحة، حينما أتت الحرائق على آلاف الهكتارات العام الماضي، وتكررت خلال جني المحصول في مايو (أيار) من العام الجاري أيضاً.
 




دمار المساحات الخضراء في الأحراج الجبلية بعد حريق تل الكروم (وكالات)



مئات الهكتارات تحولت إلى رماد
أظهرت صور تداولها مواطنون سوريون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دمارًا هائلًا في الأحراج الجبلية، تظهر تآكل مساحات خضراء شاسعة. ونقلت وكالة الأنباء السورية عن رئيس الجمعية الفلاحية في قرية بيرة الجرد، غياث الراشد، قوله إن المساحة التي التهمتها النيران تتجاوز ألفي دونم من الغابات التي تحتوي على مساحات واسعة من أشجار السنديان والسرو والصنوبر المعمرة.
الوكالة قالت إن التقديرات الأولية تشير إلى تضرر مئات الهكتارات في الأحراج الجبلية، مشيرة إلى أن غابات يبلغ عمرها مئات السنوات تحولت إلى رماد، وقال قائد فوج أطفاء حماه، العقيد ثائر الحسن، إن عربات الإطفاء تحاول منع النيران من التقدم باتجاه قرية المشرفة، مشيرًا إلى أن سرعة الرياح ووعورة المنطقة وارتفاع درجات الحرارة، «تحول دون إخماد الحريق بالسرعة المطلوبة».
وكان وزير الزراعة في حكومة النظام أعلن أنه تمت السيطرة على حرائق الغابات، مؤكداً اقتصار الأضرار على الأحراج وعدم سقوط ضحايا بشرية، ونقلت صحيفة «الوطن» التي تصدر في دمشق عن الوزير حسان قطنا القول إن «القرى أصبحت بأمان تام وإن باقي الحرائق التي ما زالت مشتعلة في أعالي الجبال يجري تطويقها»، مدعياً أن الأضرار لحقت بألفي دونم فقط من الأحراج والغابات، بينما قال الدفاع المدني في ريف حماه إن خمسة آلاف دونم من مساحات محافظة حماه الحراجية احترقت في يوم واحد فقط.
فيما نفى أهالي المناطق المتضررة هذه الأنباء موضحين أنه لم تتم السيطرة سوى على بعض الحرائق التي لم تبرد بعد، ويمكن أن تنتشر إلى الغابات المتصلة بين محافظتي حماه واللاذقية.
 



دمار المساحات الخضراء في الأحراج الجبلية بعد حريق تل الكروم (وكالات)



تعاطف إلكتروني واسع ونداء استغاثة
تفاعل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مع هذه الأخبار، وعبّر العديد من الناشطين ونجوم الفن في العالم العربي، عن تضامنهم مع السوريين، بسبب موجة الحرائق الضخمة، وأبدوا دعمهم وتضامنهم عبر وسم «سوريا تحترق»، الذي حظي بتفاعل واسع وتصدر قائمة المواضيع الرائجة، على موقع «تويتر» في العديد من البلدان العربية، خلال الأيام الماضية.
وأطلقت صفحات عدة على مواقع التواصل الاجتماعي نداء استغاثة لنقل المواطنين من القرى المتضررة، مطالبين كل شخص يملك سيارة بالتوجه إلى تلك المناطق.
لكن الإعلام السوري الرسمي اكتفى بنقل بعض المشاهد للحرائق لتكراره الدائم أهمية «التركيز على الأخبار المفرحة بدلاً من نقل الذعر»، بحسب مراسل تلفزيون «الإخبارية» السورية ربيع ديبة، وعليه ركّزت الشاشات الرسمية السورية على الدور الإيجابي لأجهزة الدولة في إطفاء الحرائق وإلصاق التهمة بالمدنيين وفلاحي المنطقة.
فيما انتشرت آلاف التعليقات التي تساءلت عن غياب دور الحليف الروسي في إطفاء الحرائق ومساعدة دمشق، وأخذت الردود صيغة موحدة بأن روسيا تشعل الحرائق ولا تطفئها، بموازاة انتشار دعوات ومنشورات حاولت تنظيم جهود السكان لإطفاء الحرائق أو الهروب منها.
 



أحد أعضاء الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) يحاول إطفاء الحرائق أثناء حريق غابة في ريف اللاذقية، سوريا )غيتي)



الروسي حليف... لكن بمزاج!
لم تتدخل موسكو حتى اليوم بإخماد الحرائق المنتشرة في سوريا، وسط عجز حكومة النظام السوري عن السيطرة عليها، رغم تدخل روسيا بإخماد حرائق سابقة في المنطقة وأبرزها إسرائيل.
وطلب النظام السوري المساعدة من قاعدة حميميم الروسية في سوريا، لكن طلبه قوبل بالرفض، بحسب ما قاله المتحدث باسم «هيئة التفاوض السورية»، يحيى العريضي، لصحيفة «عنب بلدي» المعارٍضة. وأضاف العريضي أن معلومات وصلته من مصادر خاصة حول طلب النظام السوري المساعدة من القاعدة، التي رفضت بحجة «عدم امتلاكها لوسائل إطفاء».
وسبق أن ساعدت روسيا، إسرائيل في إطفاء الحرائق التي اشتعلت في عامي 2016 و2019، ووفقًا لقناة «روسيا اليوم»، فقد أرسلت وزارة الطوارئ الروسية، في 24 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، طائرتين برمائيتين إلى إسرائيل للمساعدة في إخماد الحرائق، وذلك بإيعاز من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. وفي العام الماضي 2019، أعلنت إسرائيل عن استعانتها بعدد من الدول لمساعدتها على إطفاء الحرائق، بينها روسيا، وفقًا لـ«روسيا اليوم».
الأمر نفسه ينطبق على الجار التركي، الذي أرسل قواته وحواماته لوقف امتداد الحرائق إلى أراضيه، بعد أن وصلت النيران إلى ولاية هاتاي التركية وغابات الصنوبر، واستطاعت المروحيات التركية السيطرة عليها بالفعل، دون المساعدة في إخمادها في الداخل السوري.
 



اختفاء المساحات الخضراء في الأحراج الجبلية (فيسبوك)



بيان الدفاع المدني المعارِض
الدفاع المدني السوري أعلن في بيان استعداده لتقديم المساعدة بمكافحة الحرائق بما يمتلكه من خبرات ومعدات، وتأهيل ما خلفته الحرائق من أضرار، داعياً لتقديم ضمانات تكفل سلامة المتطوعين وإفساح المجال لهم للتوجه للمنطقة والمساهمة بالحد من الضرر وإيقاف تمدد الحرائق وإنقاذ المدنيين من أي خسائر أو كوارث مُحتملة.
وتابع البيان: «ننظر بألم للواقع الذي آل إليه حال العمل الإنساني في سوريا والذي نرى نتائجه اليوم بعجزنا عن القيام بواجبنا الإنساني بسبب خوفنا على سلامة المتطوعين».
 
حرائق جديدها قديم
هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها الغابات السورية حرائق ضخمة، فقد شهدت سوريا خلال سنوات الصراع الخمس حرائق ضخمة، بدا أغلبها متوقّعًا نتيجة القصف المستمر والمتواصل بكافة الأسلحة.
 حيث شهدت محافظة حماه، في مايو (أيار) الماضي، ثلاثة حرائق في مناطق زراعية قُدرت بأكثر من 160 دونمًا في قرية عوج الجناة بمنطقة السلمية، في ريف محافظة حماه.
وسيطر حينها فوج إطفاء منطقة السلمية على الحريق بالتعاون مع أهالي المنطقة، بينما كان الحريق الذي اندلع في قرية زغرين هو الأضخم، حيث التهم مساحة 140 دونمًا من محصول الشعير، في حين اندلع حريق آخر في بلدة برى الغربي بحقل شعير وأشجار مثمرة بمساحة عشرة دونمات.
واشتعلت أجزاء من غابات مصياف خلال الأسابيع الماضية دون أن يتم إخمادها، الأمر الذي أعاد للسكان الحرائق التي اشتعلت في المنطقة خلال أبريل (نيسان)، ومايو (أيار) الماضيين.
وشهدت غابات منطقة مصياف إلى الغرب من محافظة حماه، على مقربة من قرى الساحل السوري، التي تتميز بغطاء شجري كثيف، حريقين هائلين حولا مساحات واسعة منها إلى رماد خلال العام الجاري.
وفي ريف اللاذقية تسببت الغارات الجوّية بقنابل «النابالم» التي شنّها النظام السوري، وسلاح الجو الروسي، بحرائق متكررة، التهمت نيرانها غابات كثيفة وأراضٍ زراعية ووصلت النيران إلى أحد مخيمات اللاجئين قرب الحدود التركية بداية العام الجاري، وشردت مئات الأشخاص.
وتعرّضت مناطق سورية عدة خلال النصف الأول من العام الجاري لعدد من الحرائق، وكان أبرزها حريق سوق الهال في العاصمة دمشق، حين تعرّضت سيارات شحن بضائع كانت مركونة في السوق لحريق كبير خلال ليلة الثلاثاء 19 يوليو (تموز) 2016، أدت إلى خسائر مادية كبيرة. وحريق سوق العصرونية بتاريخ 23 أبريل (نيسان) 2016، حين غطت أعمدة دخان كثيفة المناطق المجاورة والقريبة من قلعة دمشق، والتهم الحريق نحو 80 محلًّا تجاريًّا، وتسبب بخسائر مادية وصلت إلى مليارات الليرات السورية، بعد أن محا أثر بضاعة ومستودعات ومخازن تجار السوق.