إيران تسحق الإنسانية

صفحات سوداء جديدة في سجل حكم الملالي وظلمهم وانتهاكاتهم المستمرة ضد مواطنيهم

* أشار التقرير إلى تعرض كثير من المعتقلين للاحتجاز بمعزل عن الاتصال بذويهم ومحاميهم مع إخفاء بعضهم لمدد مختلفة تصل إلى شهور
* أشار التقرير إلى ما أطلق عليه أزمة الإفلات من العقاب، إذ لم يخضع أي موظف عام للتحقيق لإصداره الأوامر بتنفيذ جرائم التعذيب والإخفاء القسري وغيرها من الانتهاكات
* يحلم الشعب الإيراني باستعادة مواطنته في بلده في ظل نظام حكم يدرك التحولات التي تجري في العالم وانعكاساتها على حياة المواطنين
* الملف الحقوقي لإيران يستوجب إلقاء المزيد من الضوء على أبعاده المختلفة التي تتفاقم يوماً بعد يوم

باكو: «إنّ الأجهزة الأمنية والقضائية الإيرانية ارتكبت سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان المروّعة، بما في ذلك الاحتجاز التعسّفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، وغيرها من ضروب المعاملة السيّئة». بهذه العبارة الجامعة الواردة في التقرير الأممى الصادر عن منظمة العفو الدولية في أوائل سبتمبر (أيلول) الجاري (2020) يتأكد للجميع حجم المأساة التي واجهها الإيرانيون الرافضون لسياسة الملالي التي زادت حياتهم ضنكا وفقرا، مما دفعهم إلى التظاهر فيما عرف بانتفاضة الخبز تارة وانتفاضة النفط تارة أخرى والتي اندلعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 احتجاجاً على الارتفاع الحادّ في أسعار النفط، ففي كل مرة يخرج فيه الشعب الإيراني رافضا سياسات الحكومة في ارتفاع الأسعار وضيق المعيشة وفرض المزيد من القيود على حيواتهم، إلا ويواجهون بسلسلة من الانتهاكات الجسيمة والمروعة من جانب أدوات النظام القمعية التي تستغل المناخ السائد لتوسيع دائرة الاعتقالات والاحتجازات ورفع مستويات التعذيب كما رصدها التقرير الحالي وغيره من التقارير التي تسجل بين صفحاتها انتهاكات إيرانية مستمرة ليس فقط بحق هؤلاء المتظاهرين الذين وجهت إليهم اتهامات باطلة، وإنما بحق كافة المعارضين السياسيين والأقليات العرقية والدينية الموجودة في إيران.
في ضوء ذلك يلقي هذا التقرير مزيدا من الضوء على ما رصدته منظمة العفو الدولية في تقريرها الجديد عن حجم الانتهاكات التي ارتكبتها السلطات الإيرانية بحق المتظاهرين الذين تحملوا مسؤولية الرفض لسياسات الملالي غير الإنسانية بحق أهليهم وذويهم، آملين أن يتحرك المجتمع الدولي بمنظماته ضد النظام الإيراني الذي يزداد وحشية وتسلطا على كافة الرافضين لفساده وفشله في إدارة البلاد. كما يستعرض هذا التقرير ما خلصت إليه المنظمة من توصيات، وذلك على النحو الآتي:
 




من تقرير منظمة العفو الدولية «سحق الإنسانية»



أولا: سحق الإنسانية... سجل أسود جديد لنظام الملالي
تحت عنوان «سحق الإنسانية» جاء تقرير منظمة العفو الدولية ليضيف صفحات سوداء جديدة في سجل حكم الملالي وظلمهم وانتهاكاتهم المستمرة ضد الشعب الإيراني، إذ أوضحت المنظمة أنها جمعت شهادات من عشرات المعتقلين من الرجال والنساء والأطفال الذين اعتقلوا في أعقاب تلك المظاهرات، فضلا عن الاستماع إلى محاميهم وشهود العيان، إضافة إلى تحليلها للعديد من مقاطع الفيديو، وكذلك فحص عدد من أحكام المحاكم وغيرها من الوثائق القانونية، مع مراجعة تصريحات المسؤولين الإيرانيين، والاطلاع على شهادات وتقارير منظمات حقوقية مستقلة للخروج بهذا التقرير الذي رصد بين صفحاته المعدودة، ما جرى من جانب السلطات الإيرانية بحق هؤلاء المتظاهرين وغيرهم من خلال تبويب صور الانتهاكات والتي سجلها التقرير على النحو الآتي:

  1. القبض والاحتجاز بصورة تعسفية، أشار التقرير إلى أن النتائج التي توصلت إليه المنظمة كشفت عن تنفيذ السلطات الإيرانية لاعتقالات عدة بحق المتظاهرين وذويهم، بل اتخذتها السلطات ذريعة لتوسيع مساحة القبض على نشطاء ينتمون إلى أقليات عرقية من بينهم عرب الأحواز والأذريون والأكراد على الرغم من عدم مشاركتهم في تلك المظاهرات. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل امتدت يد السلطات بالقبض والاحتجاز لأهالي وأسر المحتجزين المطلوبين للضغط عليهم لتسليم أنفسهم، كما استغلت السلطات أيضا المناخ الأمني المشدد في القبض على عائلات المدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين لإجبارهم على تقديم اعترافات مكتوبة أو مصورة بالفيديو. وقد أشار التقرير إلى طبيعة التهم الموجهة إلى هؤلاء والتي وصفها بأنها تهم فضفاضة ومبهمة تتناقض مع مبدأ المشروعية القانونية، منها: «الإخلال بالنظام العام، والتجمهر والتواطؤ لارتكاب جرائم ضد الأمن القومي، والانتماء إلى جماعة بغرض زعزعة الأمن القومي، وإهانة المسؤولين، وإهانة المرشد الأعلى، وترويج دعاية مناهضة للنظام». وأشار التقرير إلى أن بعض هذه التهم يعاقب عليها بالإعدام، رغم أنها تهم جنائية مبهمة وفضفاضة.
  2.  الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والإخفاء القسرى، أشار التقرير إلى تعرض كثير من المعتقلين للاحتجاز بمعزل عن الاتصال بذويهم ومحاميهم مع إخفاء بعضهم لمدد مختلفة تصل إلى شهور، حيث يتم احتجازهم في أماكن سرية غير رسمية يطلق عليها «مراكز الاحتجاز الأمنية» تديرها أجهزة الأمن والاستخبارات. ومما يزيد الأمر سوءا ما كشفه التقرير عنه في حالات عديدة يتوفى المحتجزون جراء استخدام القوة المميتة على أيدى قوات الأمن، وترفض السلطات إعادة جثثهم إلى عائلاتهم.
  3. التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، أشار التقرير إلى أن التعذيب يستخدم بشكل واسع المدى ضد المعتقلين وأهاليهم المحتجزين. وقد سجلت المنظمة في تقريرها ما تعرض له هؤلاء المعتقلون من أساليب للتعذيب، شملت: الضرب، والجلد، والصعق الكهربائي، والأوضاع المجهدة، والإعدامات الوهمية، والإيهام بالغرق، والعنف الجنسي، والإجبار على تناول مواد كيميائية، والحرمان من العناية الطبية، وتجريد المحتجزين من ثيابهم، ورشّهم بالماء البارد، وتعريضهم لدرجات حرارة قاسية و/أو تعريضهم للأضواء الشديدة أو الأصوات الصاخبة؛ أو نزع أظافر الأيدي والأقدام بالقوة؛ أو رشّهم برذاذ الفلفل؛ واستخدام الصدمات الكهربائية.
  4. المحاكمات الجائرة، حيث كشف التقرير عن حالات عديدة من المعتقلين لم يتمكنوا من الاتصال بمحاميهم أو منحهم الوقت لإعداد دفاعهم الملائم، مع حرمان المحامين من الاطلاع على ملفات القضايا حتى بدء المحاكمات، بل لم يكن يسمح للمعتقلين بمقابلة محاميهم إلا بعد بدء المحاكمة؛ فضلا عن إجراءات المحاكمة التي تعقد في جلسات مغلقة. ويزداد التعنت بعرقلتهم للمعتقلين ومحاميهم من تقديم مذكراتهم إلى الاستئناف بما يعطي الفرصة لتأييد الأحكام، لتظل هذه المحاكمات شكلية وجائرة.
  5. الإفلات من العقاب، أشار التقرير إلى ما أطلق عليه أزمة الإفلات من العقاب، إذ لم يخضع أي موظف عام للتحقيق لإصداره الأوامر بتنفيذ جرائم التعذيب والإخفاء القسري وغيرها من الانتهاكات، وذلك ناهيك عن إمكانية محاسبته أو محاكمته. مستندين في ذلك إلى موقف القادة الإيرانيين وكبار المسؤولين الذين وصفوا هؤلاء المتظاهرين بمثيرى الشغب وأعداء الثورة والأشرار كما جاء في خطاب المرشد الإيراني علي خامنئي الذي ألقاه في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، حيث وصف المتظاهرين بأنهم: «الأشرار الذين حرضهم عملاء معادون للثورة وأجانب ومجاهدو خلق».

 
ثانيا: حقوق الإنسان في إيران... انتهاكات مستمرة وإدانات غير فاعلة
لم يكن التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية في سبتمبر (أيلول) 2020 هو الأول من نوعه ولن يكن الأخير كذلك، إذ المتابع للتقارير الدورية الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية بل وبعض المنظمات الإيرانية المعنية بقضايا حقوق الإنسان، يكتشف أن السياسة الإيرانية في مجال انتهاكات حقوق الإنسان سياسة ممنهجة، بمعنى أن النظام الإيراني يرى أن ردود الفعل الدولية والإقليمية على انتهاكاته المستمرة بكافة صورها وأشكالها لم ترق إلى منع طهران من التمادي في ممارساتها غير الإنسانية.
صحيح أن الإدانات تخرج على لسان المسؤولين الرافضين لما تقوم به طهران إلا أنها تظل مجرد إدانات لفظية ونداءات كلامية لم تنتقل إلى مجال العمل والفعل ضد طهران. ولذا فاطمئنان إيران إلى غياب رد الفعل الدولي والإقليمي على ما ترتكبه بحق الشعب الإيراني، يعطيها الثقة في الاستمرار فيما ترتكبه من انتهاكات وتجاوزات ليس فقط ضد من يعارض سياساتها وإنما ضد جميع النشطاء المنتمين إلى الأقليات العرقية التي تواجه تمييزا مترسخا في السياسة الإيرانية، ولعل المطلع ليس فقط على هذا التقرير المعنون بـ«سحق الإنسانية»، وإنما على التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية وآخرها تقريرها عن حالة حقوق الإنسان في إيران لعام 2018 والصادر عام 2019 يكتشف أن ذات المحاور الرئيسية أو الصور الرئيسية لما ترتكبه السلطات الإيرانية من انتهاكات حقوقية هي ذاتها الواردة في هذا التقرير الأخير.
ولعل ما ذكرته ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية بمناسبة صدور تقرير «سحق الإنسانية» يعبر بجلاء عن هذا الواقع الإيراني، إذ ذكرت أنه: «في الأيام التي أعقبت الاحتجاجات الواسعة النطاق، أثارت مقاطع الفيديو- التي أظهرت أفراد قوات الأمن الإيرانية وهم يقتلون ويُصيبون عن عمد المحتجين العُزل والمارة- صدمة في جميع أنحاء العالم. ومما لا يتم إظهاره أن هناك أشكالاً مختلفة للتصرفات الوحشية التي تعرض لها المحتجزون وعائلاتهم على أيدي مسؤولين إيرانيين بعيداً عن أنظار الناس... وأنه بدلاً من التحقيق في هذه الادعاءات المتعلقة بالإخفاء القسري، والتعذيب، وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وجرائم أخرى ضد المحتجزين، أصبح المدعون العامون الإيرانيون متواطئين في حملة القمع من خلال توجيه تهم المس بالأمن القومي لمئات الأشخاص لمجرد ممارسة حقوقهم في حرية التعبير، وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، والتجمع السلمي، بينما أصدر القضاة أحكام الإدانة بناء على اعترافات انتُزِعت تحت وطأة التعذيب. وهذه السلسلة من الجرائم والانتهاكات، المرتكبة في ظل الإفلات التام من العقاب، اقترنت بموجة من الاعترافات المتلفزة القسرية عبر مقاطع الفيديو الدعائية الخاصة بالدولة، وتصريحات بشعة صادرة عن كبار المسؤولين الذين امتدحوا العاملين في أجهزة الاستخبارات، وقوات الأمن باعتبارهم أبطالاً بسبب أدوارهم في عمليات القمع الوحشية».
وجدير بالإشارة أن هذا الواقع هو ما رصده أيضا تقرير «سحق الإنسانية»، حينما ذكر أنه حتى حلول الثلاثين من يونيو (حزيران) 2020 لم تكن السلطات الإيرانية قد فتحت تحقيقات بخصوص ادعاءات الجرائم الجسيمة وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها عناصر الاستخبارات والأمن ضد المتظاهرين، وهو ما يكشف حجم التواطؤ بين الجهاز القضائي والأمن ضد هؤلاء المعتقلين، بل ما سجله التقرير يؤكد بما لا يدع مجالا للشك على أن هذه السياسة هي سياسة ممنهجة للدولة الإيرانية بكافة سلطاتها (التشريعية- التنفيذية- القضائية) بل بمرشدها الأعلى وأجهزته العلنية والسرية، يدلل على ذلك التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الإيرانيون في اتهامهم للمتظاهرين ببث الفوضى وقيادتهم من قبل حركات معادية للثورة ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وهي الاتهامات أيضاً التي امتدت إلى الحكومات الأجنبية، كما جاء في خطاب المرشد الإيراني علي خامنئي الذي ألقاه كما سبقت الإشارة.




متظاهر يضع حبل المشنقة أثناء احتجاجه على عمليات الإعدام في إيران في تجمع للمطالبة بتغيير النظام في إيران في 17 يوليو 2020 في برلين، ألمانيا


 
ثالثا: «سحق الإنسانية»... توصيات «العفو» الدولية: هل تنفذ؟
في ختام تقرير منظمة العفو الدولية والمعنون بـ«سحق الإنسانية»، حرصت المنظمة على التذكير بموقف القانون الدولي وقواعده والمعايير الدولية التي يجب على الدول الالتزام بها، تلك القواعد التي تحظر حرمان أي شخص من حريته بشكل تعسفي، بما في ذلك القبض أو الاحتجاز أو السجن. كما يكفل للمحتجزين الحق في الاتصال بالعالم الخارجي. مع حظر التعذيب بكافة أشكاله وصوره، مع ضمان المحاكمة العادلة التي يتمتع فيها المحتجزون بحقوقهم كافة في ظل استقلالية ونزاهة للقضاة، مع علنية الحكم وتعليله.
كما أشار التقرير إلى أنه في حالة وجود ادعاءات من المحتجزين بوجود انتهاكات ترتكب بحقهم، فيجب على الدول أن تجري تحقيقات وافية وفعالة ومستقلة ونزيهة بما يضمن محاسبة المتهمين عن تلك الجرائم وتعويض الضحايا عما تعرضوا له من انتهاكات وأضرار.
وفي ضوء هذه القواعد والمعايير القانونية الدولية، ورفضا للانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبتها السلطات الإيرانية بحق المتظاهرين وذويهم، طالبت المنظمة هذه السلطات بحزمة من الإجراءات لوقف جميع صور الانتهاكات، أهمها فيما يتعلق بالاحتجاز التعسفي، طالبت المنظمة بالإفراج الفوري ودون قيد أو شرط عن جميع المحتجزين السلميين، وإسقاط جميع التهم الموجهة إليهم بسبب ممارستهم لحقوقهم السلمية في حرية التعبير وتكوين الجمعيات وحرية التجمع، تعزيز لمبدأ المشروعية من خلال تعديل القوانين التي تفرض قيودا على ممارسة المواطنين لحقوقهم السياسية بشكل سلمي.
أما فيما يتعلق بالتعذيب وضروب المعاملة السيئة، فقد طالبت المنظمة بتعريف دقيق لجريمة التعذيب في القانون الإيراني بما يتماشى مع القانون الدولي والمعايير الدولية، وبما يضمن حظرا مطلقا للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة ووضع جميع الضمانات اللازمة في هذا الخصوص، مع التصديق على اتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول الاختياري الملحق بها.
وفيما يتعلق بالاختفاء القسري، طالبت المنظمة بإبلاغ الأهالي فورا بمصير أقاربهم المحتجزين وبمكانهم وبوضعهم القانوني، مع ضمان أن يتاح لهؤلاء المحتجزين الاتصال بمحاميهم وذويهم، إضافة إلى سن تشريع يجعل الإخفاء القسري جريمة في القانون المحلي، مع التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري.
وفيما يتعلق بأماكن الاحتجاز، طالبت المنظمة بفرض حظر على أماكن الاحتجاز السرية غير الرسمية، مع نشر قائمة محدثة بجميع أماكن الاحتجاز المعترف بها رسميا، وإنشاء هيئة مستقلة للرقابة على جميع السجون وأماكن الاحتجاز، مع السماح للهيئات المعنية المحلية والدولية بتنظيم زيارات لأماكن الاحتجاز.
وفيما يتعلق بالمحاكمة العادلة، طالبت المنظمة بتعزيز المعايير الدولية للعدالة في جميع المحاكمات، بما يضمن إبلاغ الأشخاص المحتجزين بحقوقهم وفي مقدمتهم حقهم في إعداد دفاعهم، مع محاكمتهم في جلسات علنية بما يلزم المحاكم بإصدار أحكام علنية معللة في جميع القضايا الجنائية، ومراجعة جميع المحاكم الخاصة والاستثنائية في إيران.
وفيما يتعلق بالأعمال الانتقامية، طالبت المنظمة بتوفير الحماية من التهديدات والمضايقات والترهيب والقبض والاحتجاز التعسفيين للضحايا وأقاربهم، مع مطالبة النيابة بإقرار تعويضات لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت خلال هذه المظاهرات.
وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام، طالبت المنظمة بإلغاء قرارات الإدانة وأحكام الإعدام الصادرة ضد جميع من استهدفوا فيما يتصل بمظاهرات نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، مع فرض وقف رسمي فورا لتنفيذ عمليات الإعدام.
وفيما يتعلق بكشف الحقيقة والعدالة والتعويض، طالبت المنظمة بالإقرار علنا بتعرض رجال ونساء وأطفال للقبض والاحتجاز بشكل تعسفي وللإخفاء القسري وللتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في شتى أنحاء إيران خلال المظاهرات وفي أعقابها، مع ضمان إجراء تحقيقات وافية ومستقلة ونزيهة في جميع الادعاءات المتعلقة بحالات الإخفاء القسري والتعذيب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت بحقوق جميع المتظاهرين وذويهم وكافة المعارضين.
في ضوء كل هذه المطالب والتوصيات التي ليست بجديدة على الواقع الإيراني المتردي في مجال حقوق الإنسان على وجه الخصوص وفي مختلف المجالات بصفة عامة، يصبح التساؤل الأهم: إلى أي مدى يمكن أن تلتزم طهران بهذه المطالب وغيرها بهدف وقف انتهاكاتها لحقوق مواطنيها وتمكينهم من ممارسة هذه الحقوق بشكل سلمي يعكس قيمة المواطنة المفقودة في الداخل الإيراني؟
وتأتي الإجابة بأن حكومة الملالي منذ قيامها بالاستيلاء على السلطة عام 1979 لم تراع أية أبعاد حقوقية في تعاملها مع المواطنين الإيرانيين، بل يذكر السجل الأسود لهؤلاء منذ توليهم الشؤون الإيرانية، فكان هناك القتل خارج إطار القانون والتعذيب والتمييز ضد المرأة وضد الأقليات العرقية والدينية والاعتقالات وغيرها من ضروب المعاملة غير الإنسانية التي جاءت اليوم بعد ما يزيد على أربعين عاما لا تزال تمارس ضد المواطن الإيراني.
ولذا، فمن الصعوبة بمكان أن تقلع أو تتخلى حكومة الملالي عن هذه الممارسات في ظل التخاذل والصمت الدولي والإقليمي التي لم تتجاوز حد الإدانات والمطالبات، إذ يتطلب ردع هذه الحكومة عن انتهاكاتها موقفا دوليا صارما وإلا تمادت طهران في سياستها وتجاوزاتها بحقوق مواطنيها، تلك السياسة التي امتدت أيضا إلى انتهاكاتها بحق الجوار الجغرافي وتدخلاتها في شؤون دوله.



نشطاء المجتمع المدني يرفعون لافتات ويهتفون بشعارات مناهضة للحكومة الإيرانية خلال مظاهرة أمام السفارة الإيرانية في كابل في 11 مايو 2020 بعد أن انتشلت أفغانستان 18 جثة لمهاجرين يُزعم أنهم تعرضوا للضرب والتعذيب في إيران قبل إجبارهم على النزول في أحد الآنهار الحدودية



نهاية القول
إن الملف الحقوقي لإيران يستوجب إلقاء المزيد من الضوء على أبعاده المختلفة التي تتفاقم يوما بعد يوم، فإلى جانب الاعتداءات والاعتقالات والقتل والتعذيب والإخفاء القسري التي تمارس بشكل شبه يومي ضد المواطنين، جاءت أزمة فيروس كورونا لتكشف عن بعد جديد لانتهاكات إنسانية بحق المصابين والمرضى التي تتزايد أعدادهم يوميا بشكل يكشف عن فشل جديد لطهران في إدارة شؤونها الداخلية، إذ إنها بدلا من أن توجه مواردها المحدودة بسبب ما تتعرض له من عقوبات دولية ومقاطعة إقليمية جراء سياستها النووية وتدخلاتها الخارجية، إلى تحسين مستويات معيشة مواطنيها والارتقاء بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، تتبنى بدلا من ذلك سياسات تقشفية داخلية أثرت سلبا على حياة المواطنين وأفقرتهم في سبيل خدمة مشروعها الحلم الذي يراود قادتها بإقامة إمبرطورية فارسية على الأراضي العربية، وهو حلم يشهد تصدعات كبيرة أمام التحديات التي أضحت تواجه الدولة الإيرانية داخليا وخارجيا بما يهدد استمرار النظام الحاكم ويطعن في شرعيته أمام رفض شعبي يزداد يوما بعد آخر، ليهدم الأسطورة الإيرانية التي انطلقت مع أحداث عام 1979، إذ تغيرت الأوضاع والظروف عما كانت عليه آنذاك. فهل يسمع المجتمع الدولي صوت الشعب الإيراني الرافض لتجاوزات الملالي، إذ يحلم هذا الشعب باستعادة مواطنته في بلده في ظل نظام حكم يدرك التحولات التي تجري في العالم وانعكاساتها على حياة المواطنين، حيث أضحت من الصعوبة بمكان فرض القيود عليهم في ظل ثورتي التكنولوجيا والاتصالات اللتين أسهمتا في خلخلة أعمدة النظام الإيراني الذي حاول توظيفها لخدمة أجندته إلا أنه فشل في ظل جمود تفكيره ووعى شعبه.