مأساة إيلان المستمرة

* بين صورة إيلان ممدداً على الشاطئ وصورة مئات العمال والعائلات العالقين على الحدود خمس سنوات... لا شيء تبدل، الأسد أغرق المعارضة والمجتمع الدولي في التفاصيل التي وعد بها وزيرُ خارجيته وليد المعلم، ووحدهم السوريون يدفعون ثمن عجز وتخاذل العالم

لا شيء يشبه مأساة السوريين، لا شيء يضاهي المعاناة التي مروا ويمرون به، وكأن لعنة ما تلاحقهم كيفما رحلوا، وأينما حلوا.
وقبل أيام مرت الذكرى الخامسة لرحيل إيلان، إيلان الذي لم يكن يتجاوز الثلاثة أعوام عندما وجدت جثته ممدة على الشاطئ، بعدما مات غرقا هو وأخوه غالب (5 أعوام) وأمّهما ريهان، إثر انقلاب قاربهم أثناء محاولتهم الهرب بالبحر.
وقد تكون صورة إيلان قد هزت العالم، فأبدى الآلاف تعاطفهم وملأت صورة ذلك الجسد الصغير نشرات الأخبار والصحف وصفحات السوشيال ميديا، ولكن الأمر انتهى بحملة تعاطف، فمات بعده كما قبله المئات وهم يحاولون الفرار من موت من نوع آخر.
اليوم مئات الأرواح عالقة على الحدود السورية اللبنانية، بعدما أعلن نظام الأسد على لسان مدير إدارة الهجرة والجوازات السورية، اللواء ناجي النمير، أن التعليمات تقضي بإعادة من لا يملك 100 دولار من حيث أتى، فالسوري الذي لا يملك 100 دولار أميركي ممنوع من دخول بلاده، وعليه إما العودة من حيث أتى وإما البقاء عالقا على الحدود إلى أن يؤمن المبلغ المطلوب، وحينها فقط يسمح له بالدخول. هذه هي سوريا الأسد، الدولة الوحيدة في العالم التي تمنع مواطنيها من دخولها دون دفع رسوم تفرضها عليهم بعملة أجنبية، ممنوع التداول بها داخل البلاد.
ولتزداد مأساة العالقين، فقد رفض الجانب اللبناني عودتهم إلى لبنان، فالسلطات اللبنانية أعلنت مراراً وتكراراً أنها ترغب بالتخلص من عبء اللاجئين السوريين على أرضها، بل حتى رفضت إعطاءهم صفة لاجئ كي لا تكون ملزمة بتأمين أي حماية لهم. وما حملات التحريض والوعيد التي شنها ويشنها بكل فرصة وزير الخارجية السابق ورئيس التيار الوطني الحر صهر فخامة الرئيس جبران باسيل إلا إعلان حرب مفتوحة على أناس كل ذنبهم أنهم هربوا من الموت والتجأوا إلى هذا البلد الصغير القريب.
وإن كان لبنان يعيش أزمة اقتصادية وسياسية ومالية غير مسبوقة في تاريخه، ولكن ما يتجاهله مسؤولو لبنان وأولهم مسؤولو العهد، أي فخامة رئيس الجمهورية ميشال عون وتياره، أن أسباب الأزمة الحقيقية، هي سيطرة حزب الله على مفاصل الدولة، ودخوله في حروب المنطقة من سوريا إلى اليمن والعراق، وخطابات أمينه العام وعداؤه الشرس ضد العرب وربط لبنان بالكامل بالمحور الإيراني، وما نتج عن ذلك من عقوبات أميركية وأوروبية ومن وقف أي نوع من أنواع الدعم المالي والاقتصادي العربي للبنان. يتجاهلون كل ذلك، ليلقوا بكل أسباب فشلهم على وجود اللاجئين السوريين في لبنان، وبالطبع يتجاهلون أن السبب الرئيسي للجوء هو الحرب التي شنها حليفهم بشار الأسد على شعبه. هم أنفسهم الذين لا يدعون فرصة تمر دون تحميل اللاجئ مسؤولية الأزمة في البلاد، لم يسمع لهم تصريح أو اعتراض على فرض نظام الأسد حليفهم «خوة»على السوري العائد إلى سوريا من لبنان.
إضافة إلى لبنان، فقد بلغ عدد السوريين الهاربين من جحيم البراميل في سوريا والذين قضوا برصاص حرس الحدود التركي، نحو 450 سورياً، بينما بلغ عدد المرحلين من تركيا إلى سوريا في الشهر الفائت  1930 شخصاً، وبلغ عددهم منذ مطلع العام الحالي أكثر من 16 ألفاً.
مأساة مستمرة منذ تسعة أعوام، داخل سوريا وخارجها، من لم يقتله الأسد والميليشيات، قتله البرد أو الحر، واليوم إضافة إلى وباء كورونا، بتنا نسمع يومياً بحالات انتحار لسوريين بينهم أطفال، سوريا مأساة العصر، وأبشع ما في الأمر أن أي مساع جدية تتناسب مع حجم المأساة لم تحصل لوقف هذا النزيف.
بين صورة إيلان ممداً على الشاطئ وصورة مئات العمال والعائلات العالقين على الحدود خمس سنوات، لا شيء تبدل، الأسد أغرق المعارضة والمجتمع الدولي بالتفاصيل التي وعد بها وزير خارجيته وليد المعلم، ووحدهم السوريون يدفعون ثمن عجز وتخاذل العالم.