الثورة واللبنانيون

* يجب أن يعي اللبناني أن هناك رابطاً أساسياً بين الحالة التي يعيشها وممارسة السياسيين لنفس الأعراف المذهبية والطائفية التي دأبوا على تطبيقها منذ ما يزيد على مائة عام

إلى جانب مواقع التواصل الاجتماعي التي تربط الناس بعضها ببعض وبالأخبار والأحداث، هناك مجموعات ترتبط من خلال تطبيق الواتساب تكون غالبا من اتجاهات سياسية متقاربة. تلك المجموعات منتشرة بكثافة ويستعملها الناس للتعبير غالبا عن آرائهم ويعتبرونها مساحة للنقاش. الكلام هنا عن مجموعات مستقلة من قلب المجتمع المدني لا تتبع أحزابا ولا أجهزة مخابرات ومن روح حركة 14 آذار السابقة.

هذه المجموعات غالبا ما تعبر عن سخطها عن أداء الحكومة ورئيس الجمهورية كما تعبر عن غضبها من كمية الفساد المستشري في الجسم السياسي وفضاء القطاع العام إجمالا. تلتقي تلك المجموعات على الغضب من كل شيء ولكن أيضا على الخوف من المستقبل.

تلك المجموعات التي تتداعى للتظاهر تعاب بأن لا قيادة لها ولا أهداف واضحة ومحددة. وقد سأل ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط عند اجتماعه بممثلين عن تلك المجموعات من هم ومن يمثلون وما هو مشروعهم؟ في إشارة واضحة إلى أن نجاحهم لا يمكن أن يأتي من رفع الشعارات أو الاعتراض أيام العطل أو نهاية الأسبوع.

على كل الأحوال ما يجمع هؤلاء الناس هو غضب من الأزمات الحادة التي تعصف بالجميع بشكل عام، وبشكل خاص تراها غاضبة من رئيس الجمهورية وتياره لا سيما باسيل، ومن حزب الله وسلاحه أو من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

ولكن ثمة غضب أساسي لم يتبلور بعد عند تلك المجموعات وهو غضب على النظام ومن هو ضمنه أو من يدافع عنه. رجم النظام هو الترجمة الفعلية لشعار رفع في «17 تشرين»(كلن يعني كلن). من هنا استغرابي من تفاعل بعض الناس من ضمن تلك المجموعات المستقلة إيجابا وخطاب جعجع الأخير، ظنا مني أن الناس سئموا من السياسيين من أمثال جعجع وغيره، خاصة وأن تجربتهم مع هؤلاء السياسيين في تحالف 14 آذار لم تكن مشجعة أبدا، لا بل كانت صادمة، خاصة بعد أن تبنى قادتهم وعلى رأسهم جعجع ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية. لماذا إذن تفاعل بعض من المستقلين في ثورة «17 تشرين»إيجابا مع كلام رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات»اللبنانية؟

فهم جعجع أن الشارع غاضب وأن التعبير عن غضبه قد يجذب البعض، خاصة إذا ما هاجم عون الذي كان رشحه قبلا بحماسة قل نظيرها وحزب الله. هو أضاف إلى هذا التكتيك الخطابي نوعا من شد عصب طائفي دغدغ مشاعر البعض خاصة بعد انفجار مرفأ بيروت المروع رابطا هذا الانفجار برمزية منطقة الأشرفية في خضم الحرب الأهلية.

يجب أن يعي اللبناني أن هناك رابطا أساسيا بين الحالة التي يعيشها وممارسة السياسيين لنفس الأعراف المذهبية والطائفية التي دأبوا على تطبيقها منذ ما يزيد على مائة عام. فالمشكلة ليست بشخص جعجع مثلا ولو أنه شخصية غير محبوبة في لبنان إنما في النظام الذي يحاول جعجع وأمثاله تعويمه من خلال بيع الناس وهم أن الأشخاص هم سبب الأزمات وأن الحل يكون في استبدالهم.

لجعجع أن يحاول الاستفادة من موجة الاعتراضات، وأن يحاول وضع نفسه مُنظراً لحركات «17 تشرين»وأن يتمايز عن الطبقة السياسية برمتها، علما أنه كان جزءاً أساسياً منها طوال 10 سنوات. هذا شأنه، ولكن على الناس الغاضبة والخائفة على مستقبلها أن تعرف شيئا أساسيا، لا يمكن إصلاح عطب النظام بنفس الممارسات السياسية القائمة منذ إعلان لبنان الكبير، أي مساومات بين زعماء الطوائف على حساب مبادئ الحق وتفاهمات على حساب مبادئ العدالة، ثم انتظار نتائج مختلفة عما نعيشه اليوم. لذا الثورة يجب أن تكون أولا وآخرا على النظام بكل ما يمثل. أي شيء آخر هو استدعاء حتمي لتكرار نفس المآسي.